; الثقافة الإسلامية عبر التاريخ | مجلة المجتمع

العنوان الثقافة الإسلامية عبر التاريخ

الكاتب ا. د. عماد الدين خليل

تاريخ النشر السبت 16-أبريل-2005

مشاهدات 105

نشر في العدد 1647

نشر في الصفحة 66

السبت 16-أبريل-2005

ما الذي قدمته الثقافة الإسلامية عبر التاريخ في دائرة العلوم الإنسانية والصرفة والتطبيقية؟ ما الذي أنجزته في حقول العلوم الإسلامية من تفسير وحديث وفقه وكلام إلى آخره... وعلوم اللغة والنحو والأدب «بأنواعه كافة»، والتاريخ، والجغرافيا، والفلسفة، والمنطق؟ ما الذي كشفت عنه في حقول الطب والصيدلة، والفلك، والهندسة، والرياضيات والنبات والحيوان والكيمياء، والطبيعة؟ وما الذي نفذته في حقول العلوم التطبيقية «التقنية» المتمخضة عن كشوفات العلوم الصرفة من أجل المزيد من الضمانات والتيسيرات للحياة البشرية وما الذي بنته، وشكلته، وزخرفته من مدن وعمارات ومساجد، ومؤسسات، ودور، ومتنزهات؟ وما الذي كتبته من قصائد وأزجال وأناشيد، وما الذي أنشأته من مراكز التربية والتعليم ومؤسساتهما؟ وما الذي كانت تمارسه في أروقتهما من نظم ومناهج وأساليب؟

 أسئلة مزدحمة لا تكون الإجابة عنها دقيقة وشاملة في الوقت نفسه إلا بالرجوع إلى ما تركته لنا القرون من بقايا ثروة ضخمة من الكشوف والمصنفات والآثار، وقد نجدها في عمارة لم تندرس بعد، كما قد نجدها في المنقولات التي وصلتنا عبر تقلبات التاريخ. وقد نجد حصرًا لها أقرب إلى الواقع العجيب من خلال بعض كتب الفهارس التي وصلتنا وحدثتنا عما تم إنجازه في الحقول المختلفة بما يدعو للدهشة والإعجاب، والذي لم يصلنا منه سوى الكسور والأعشار.

إن النشاط المعرفي عبر التاريخ الإسلامي لن يتجاوز توجهات ثلاثة: أما أولها فهو يغطي المساحة الأوسع في نسيج هذا التراث وهو ذو دوافع ومعطيات ونتائج إسلامية. وهذا أمر طبيعي لأن الأرضية التي يقوم عليها هذا النشاط، والبيئة التي يعمل فيها، إسلامية التكوين في جل سياقاتها.

والتوجه الثاني الذي تضيق به المساحة يتضمن معارف محايدة لا تحتوي أيما قدر من التأثير الإسلامي «كما هو الحال مثلًا في بعض العلوم المنقولة عن الآخرين». أما التوجه الثالث الأضيق نطاقًا، فيتضمن أنشطة معرفية مضادة للإسلام «من مثل ما نجده في أدبيات الشعوبية والمعطيات الفكرية لحركة الزندقة». 

ويبقى التوجه الأول ذو الصبغة الإسلامية، هو التوجه الأكثر امتدادًا والأعمق تعبيرًا عن عمل العقل المسلم. فإذا أردنا أن نختبر مصداقية هذه المقولة فإن لنا أن نتذكر أنماط المعارف التي تشكلت في دائرة الإسلامية، تلك الأنماط التي يتضمن كل منها حشودًا من الكشوف والمصنفات، ومئات وربما ألوفًا من البحوث التي تعرض وتوثق وتحلل وتستنتج.. إلخ, فهناك:

أولًا: معرفة تعالج قضايا إسلامية «علوم القرآن والحديث، الفقه والتشريع».

ثانيًا: معرفة تجادل عن قضايا إسلامية «علم الكلام، الفلسفة, الآداب...».

ثالثًا: معرفة منبثقة عن قضايا إسلامية «التاريخ، علوم اللغة البلاغة..». 

رابعًا: معرفة متشكلة لحل قضايا إسلامية «الحساب, الطب..».

خامسًا: معرفة متشكلة بدوافع إسلامية «العلوم الصرفة..».

سادسًا: معرفة تعبر عن قضايا إسلامية «الآداب والفنون..».

سابعًا: معرفة تستهدف تنفيذ مطالب الحياة الإسلامية «علوم الإدارة, السياسة, التربية..».

ثامنًا: معرفة تحلل ملامح الحياة الإسلامية «علم النفس, الاجتماع..».

تاسعًا: معرفة تحكي وتوثق للحياة الإسلامية «التاريخ، الآداب, الجغرافيا..». 

عاشرًا: معرفة تؤكد قيم الحياة الإسلامية وتدعو لها «الأخلاق, الرقائق».

 فإذا انتقلنا للتأشير على بعض العلوم والمعطيات التي تمخضت عن النشاط المعرفي في التاريخ الإسلامي لتحديد طبيعة التأثيرات الإسلامية في نسيجها، فإننا سنجد هذا التأثير يمتد إلى كل علم وفن فلا يكاد واحد منها يند عن دائرته بالمفهوم «الرؤيوي» الشامل، بل إننا سنجد بعضها يتشكل في رحم البيئة والمؤثرات الإسلامية، وبعضها الآخر سيصوغ مناهجه في العمل من مفردات هذه البيئة، وفئة ثالثة ستضيف خبرات جديدة إلى الحقل الذي تعمل فيه، وستكون هذه الخبرات إسلامية في دوافعها وتكوينها وأهدافها.

ويصعب على المرء في حيز كهذا أن يتابع العلوم والآداب كلها، بل حتى أن يؤشر عليها، كما يصعب عليه أن يضرب مثلًا على ما قدمه كل منها من أعمال وكشوف ومصنفات، ولعل نظرة متأنية في فهارس التراث الإسلامي «كتلك التي أنجزها ابن النديم وحاجي خليفة أو بروكلمان وفؤاد سركين» تعوض عن الدخول في التفاصيل.

الرابط المختصر :