العنوان المسلمون في بلغاريا.. تهجير أم تنصير أم تذويب؟
الكاتب غسان فريد
تاريخ النشر الثلاثاء 20-فبراير-1996
مشاهدات 71
نشر في العدد 1189
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 20-فبراير-1996
المسلمون في بلغاريا
صوفيا:
تهجير المسلمين البلغار «خاصة الأتراك منهم» احتمال.. تحول دون تحقيقه أو تحققه عدة ظروف محيطة بالدول البلغارية «حكومة وشعبا» على الأقل في الفترة الحالية، والقريبة المنظورة، فالعوامل المهيئة للتهجير القسري في العقود الماضية «محليًا ودوليًا»، والذي بدأ على اختلاف الآراء مع انتهاء الحرب الروسية العثمانية عام 1878م أو مع بداية حرب عام 1913م، واستمر حتى عام 88 - 1989م قد انتفت، بل تحولت تمامًا 180 درجة.
هذا الكلام بلا شك لا ينفي البتة وجود تضييق على المسلمين في حياتهم المعيشية لدفعهم، إما للهجرة إن أمكن، أو الرضوخ للأمر الواقع وهو الأهم، لأن هذا المخطط جرب ويجرب في عدة دول تحكمها نظم استبدادية، ترى في الجوع واللهث خلف لقمة العيش أكبر مؤدب للشعوب، وقامع لطموحاتها.
لكن في كل الأحوال بعد التهجير القسري أو الذاتي أهون بكثير «رغم قساوته» من فتنة الإنسان في دينه، فما يجري التخطيط له وتنفيذه كما يبدو على مراحل.. من إضعاف المسلمين، والقضاء على عناصر المقاومة لديهم لتنصيرهم أو تذويبهم يدفعنا لتجاوز ذلك الاحتمال لتسليط الضوء على ما يتم إعداده وإنضاجه في مطبخ الحكومة الاشتراكية الحالية فعليًا.
الدافع الذي يجعل الحكومات البلغارية المتعاقبة تغض الطرف - إن لم تساعد - عما يدور ضد المسلمين.. التغير الديموغرافي في البلاد والذي ينذر بخطر وبيل «بالنسبة لها»، إذ تشير الدراسات الحكومية، والإحصائيات الرسمية إلى ازدياد نسبة المسلمين ازديادًا مضطردًا، مقارنة بأعداد البلغار المتناقصة التي طبعت المجتمع البلغاري النصراني بطابع الشيخوخة، إذ تفيد إحصائيات وزارة الصحة للأعوام الماضية بأن نسبة النساء للرجال 2:1.
أضف إلى هذا ارتفاع معدلات الجريمة المنظمة، وبالتحديد جرائم القتل، وعزوف كثير من الشباب البلغاري عن الزواج بسبب الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، والمفاهيم الغربية الشهوانية التحررية الدخيلة، وتفكك الأسر، وتفشي ظاهرة بيع الجسد لأجل المال بين الفتيات القصر وطالبات المدارس، هذا كله ساعد في تدني نسبة المواليد مقارنة مع نسبة الوفيات المرتفعة، كما أنذر المسؤولين بالخطر المحدق.
في المقابل فإن تركيبة المجتمعات المسلمة، والمحكومة بقيم موروثة عكست تأثيرها الإيجابي على ازدياد نسبة المواليد.. وانصباغ هذه المجتمعات تدريجيًا بالصبغة الإسلامية بعودة أفرادها للدين، والتزامهم بتعاليمه، يزيد من فرص تماسك تركيبة هذه المجتمعات، وبالتالي تجدد شبابها وقوتها وازدياد أعدادها، كما يوفر لها المناعة اللازمة ضد المفاهيم التحررية التحللية، والأفكار الضالة المنحرفة، وهذا بلا أدنى شك لا يروق بحال لأعداء هذا الدين؟ كيف إذًا يفاجئون بتحول البلغار إلى أقلية بعد 20 - 30 سنة تقريبًا إن استمر الوضع على هذا المنوال، إذًا.. لابد من توجيه السهام لأهم مراكز التأثير، واستخدام كافة الوسائل لمنع حصول هذه الكارثة.
أول وأهم عنصر إسلامي يؤثر في المسلمين وعلى الساحة البلغارية «دون مبالغة» الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية في حالة استغلاله هو دار الإفتاء العام.. لماذا ؟
1- دار الإفتاء العام بعشرة فروعها تعتبر الممثل الرسمي والوحيد للمسلمين في بلغاريا.
2 - دائرة رسمية مستقلة تصل مرتبتها لمرتبة وزارة – تقريبًا - إذ يحمل المفتي العام فيها واثنان من أعضائها جوازات سفر خاصة.
3- لا يحق للحكومة التدخل في شؤونها الداخلية أو شؤون المسلمين الدينية إلا عن طريقها، وذلك بمقتضى دستور الدولة.
4- تمتلك أوقافًا إسلامية «عثمانية» غير مستغلة تقدر بمئات الألوف من الدولارات «أراضٍ شاسعة، أبنية، مدارس، محلات تجارية في مراكز المدن... إلخ»، إضافة لمساجد يتراوح عددها الآن بين 800 - 1000 مسجد.
5- تصدر عنها صحيفة شهرية «المسلمون»، كما يحق لها إصدار كافة المواد الإعلامية من كتب وأشرطة وغيرها.
وهكذا تستطيع دار الإفتاء العام بهذه الإمكانيات المتوفرة والصفة الرسمية والميزات القانونية الدستورية تحويل 205 مليون مسلم من كم مهمل إلى لوبي إسلامي قوي له تأثيره على سياسة الدولة واقتصادها، وعلى صناديق الاقتراع، بعد كسب ثقتهم وتوحيد صفهم، وإزالة العائق القومي والعرقي من بينهم.
وتستطيع «على الأقل» الوقوف في وجه التنصير الناشط بين المسلمين الذين اجتمع عليهم الجهل والفقر المدقع حيثما وجدوا، وفي بعض مناطق المسلمين «البوماك» مثل منطقة سمولن وقرى «نديلينو، ستارتسفو، زلاتو غراد»، حيث طمست الشيوعية كل أثر إسلامي فيها، معلمًا كان أو فكرًا أو هوية، ليجد المنصر المدعو «سارييف» ضابط الشرطة وعضو المخابرات - سابقًا «كما يعترف هو» ضالته في هذه الناحية، فيشتري بالمال الذي جمعه من المؤسسات التنصيرية الأمريكية والإيطالية بعض فقراء المسلمين، وبعض الشباب الغر، والأطفال اليتامى، لتنشر الصحف هذه الأخبار فرحًا وغبطة، ويجد من الحكومة الدعم والتأييد غير المعلن، فهذا حلال في نظرهم مفروض، لكن حرام على المسلمين العودة لدينهم، أو على الدعاة الدعوة بينهم، أو على الجمعيات الخيرية مد يد العون لهم، لأن هذا تطرف وأصولية وتهديد للدولة وأمنها القومي مرفوض!!
باختصار شديد يمكن لدار الإفتاء عمل الكثير ما لا يستطيعه غيرها، لهذا يجب أن تحيد أو تجير، ولهذا وذاك تشبث المفتي السابق نديم غينتشيف «تابع للحكومة الشيوعية» بها... بأنيابه وأظفاره، وبذل كل ما في وسعه وجيبه للعودة لها من جديد، ولنفس السبب رمت حركة الحقوق والحريات بكل ثقلها خلف فكري صالح حسن للوصول لهذا المنصب، ولذات الأمر تدخلت الحكومة الاشتراكية ومكنت ضابطها السابق وحليفها الوفي «غينتشيف» من وضع يده عليها، ومن هنا نخلص إلى أن مراحل المخطط تتابعت بدءًا من عزل دار الإفتاء عن المعركة، واستخدامها عند الضرورة لتحقيق الأهداف الأخرى المرحلية التالية مثل مهاجمة الجمعيات الخيرية، والسعي لإغلاقها وطرد العاملين فيها، ووضع اليد على المدارس الإسلامية الثلاث «شومن، روسي، ممشيلو، غراد»، وطرد غير المرغوب فيهم من المدرسين المبتعثين من تركيا، وتقليص الحصص الدينية وحصص اللغة العربية فيها، والتعميم على أئمة المساجد بعدم السماح للدعاة العرب بإلقاء المواعظ والخطب والتدريس في حلق تحفيظ الأطفال القرآن الكريم، واستخدام الأوقاف الإسلامية المصالح شخصية لتجعل المسلمين نهبًا لتذويب المنصرين!