العنوان المجتمع التربوي ( عدد 1451)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 19-مايو-2001
مشاهدات 75
نشر في العدد 1451
نشر في الصفحة 54
السبت 19-مايو-2001
وقفة تربوية
أكرم وأعظم وأوصل
جاء في ترجمة التابعي خالد بن عبد الله القسري في سير أعلام النبلاء (٤٢٦/٥)، قوله:
«إن أكرم الناس من أعطى من لا يرجوه، وأعظم الناس عفوًا من عفا عن قدرة، وأوصل الناس من وصل عن قطيعة».
إن معظم الناس إنما يعطون من يرجون نفعهم، ويبتسمون لمن يرجون مساعدتهم، ويهدون من يتوقعون القيام بمصالحهم، أما أن تعطي من لا ترجو مساعدته أو عطاءه أو القيام بأي مصلحة لك، بسبب ضعفه أو قلة حيلته أو عدم حيازته لمنصب مؤثر، فإنك بذلك حقًّا من أكرم الناس.
والكثير من الناس إنما يتحينون الفرصة للانتقام ممن أساء إليهم وأضر بمصالحهم، خاصة إذا قدروا عليه وتمكنوا منه، لكن أن يتم العفو عن المسيء في حالة القدرة والسيطرة والتمكن منه، فإنه لا يملك مثل ذلك العفو إلا ذو خلق عظيم ونفس شريفة، ورجولة متناهية.
وغالب الناس هم من فئة المكافئين، أي إنهم لا يصِلون إلا من وصلهم، فعندما يصل ذلك الإنسان من قاطعوه وأساء إليه طلبًا للأجر وصلة للرحم، فهذا من أوصل الناس، بل ومن أحاسنهم أخلاقًا.
أبو خلاد
رسالة من والد إلى ولده
ضعف تأثير الترغيب والترهيب بسبب المغريات، ولم يبق من أمل إلا بواعظ الله في قلبك
تخيلت أنني قد بلغت الأربعين، فكتبت هذه الكلمات إلى ابني ثم وضعتها على منضدته علَّه يقرؤها إذا استيقظ من منامه، وقد كتبتها في لحظة انفعال شديد، فإن رأيت فيها شيئًا من القسوة أيها القارئ، فاعذرني، فإنما هو فلذة كبدي، وبهجة نفسي، وقرة عيني، ويكفي أن أقول إنه ولدي، وهذا نص الرسالة:
«يا ولدي، ألا ترى الشباب قد فارقني، والشيب قد داهمني فأصاب لحيتي، وعرج على مفرق هامتي!
ثم ألا ترى عهد الصبا قد ولَّى وسن الشباب قد تولى، فلم أعد أرى في هذه الدنيا غيرك، ولم يعد يتسع فؤادي إلا لك، فاسمع مني نصيحة من تجاربي وخبرتي، خالصة لك دون سواك، أما وإنك قد بلغت الثامنة عشرة من عمرك وصرت تُعد في صفوف الرجال، كان لزامًا عليَّ أن أصارحك وأن أكشف جميع الأوراق بين يديك التي طالما خبأتها عنك؛ لا تهوينًا من أمرك أو استصغارًا لك، ولكن انتظارًا للوقت المناسب.
فساد الواقع:
يا ولدي إنك لو نظرت ذات اليمين لرأيت فتاة سافرة، تتكسر في مشيتها، وتتخلع في حركتها، وتبالغ في إظهار زينتها، ورائحة العطر تفوح منها، وهي في كامل تجملها، ومنتهى أناقتها. وإذا نظرت ذات الشمال رأيت بأم عينيك شابًّا يتعرض لنساء المسلمين بكلمات الغزل، وساقط القول، وفاحش الكلام.
أتظن يا بني أن مثل هذا يردعه الخوف من الله أو من عقوبته، أو حتى خوف الفضيحة؟ نعم يا ولدي، حتى الفضيحة لم تعد رادعًا عن فعل السوء، بل إن معناها بدأ ينحسر في عصر المدنية والحرية الشخصية. أما حال الشباب في مدرستك فأنت أعلم به مني، فلا تكاد تسمع إلا حديث الغريزة، وأخبار الأفلام وأحوال الأغاني والمغنين، عجبًا! أو مالهم اهتمامات غير هذه، ولا تطلعات أسمى من هذه؟!
لا عجب يا ولدي، فمجتمعك المتحضر والمنفتح يفرض عليك حياة كهذه، فأينما وليت وجهك رأيت الفتن تترى، ففي السوق ترى النساء وكأن لديهن عداوة مع الحجاب وحساسية من العفاف، وحتى أماكن النزهة ترى فيها العجب العجاب، وقد اختلط الحابل فيها بالنابل، يحدث ذلك بلا أدنى أدب ولا حياء.
ولعلي لا أذهب بك بعيدًا، فهنا.. نعم هنا يا بني بجانب بيتنا، يقع هذا المقهى الخبيث الذي -ولعمر الله- لا أحسبه إلا من أوكار الرذيلة والفساد، لكنه يتستر بستار الثقافة والمعرفة، فترى قطعان الشباب ترابط فيه، وتطيل المكث به حتى ساعات متأخرة من الليل، فما السبب في ذلك؟ أهو النهم في التحصيل وطلب العلم؟! أم ماذا؟ أتمنى الإجابة من أحد رواد تلك المقاهي.
ولقد فكرت مرارًا بأن أزوجك لكي أحصنك، ولكن من لي بأب يقبل ابن الثامنة عشرة زوجًا لابنته؟! لذا طلقت هذه الفكرة تمامًا.
الحلقة الوحيدة:
يا ولدي إنك قد تحررت من كل القيود وتخلصت من جميع المراقبين، ولئن كان الأب والمربي من قديم يستطيع التحكم فيما يراه ابنه، إلا أنه لا يستطيع فعل ذلك الآن، فلم يعد يجدي أسلوب الترهيب، ولا حتى الترغيب، إن لم يكن عن اقتناع.
فالخوف من الإقدام، وخشية الفضيحة، ونظرة المجتمع، ومراقبة الأب، كانت في الماضي كالعقد الذي يزين معصم ذلك الجيل، إلا أنها الآن تناثرت تباعًا، ولم يبق إلا حلقة واحدة، حلقة عسى أن تجدها عند كل الناس، وإن وجدتها فإنها مهترئة صدِئَة.
هذه الحلقة يا بني هي واعظ الله في قلبك، لأن كل شيء متوافر لديك: المال، والصحة، والفراغ، وكذا سعار الغريزة، ونار الشهوة التي تحرق أحشاءك، والتي يضرم نيرانها هذا الانفتاح الرهيب على الغرب بلا اتزان.
هذه الحلقة هي التي ستكبح جماح نفسك وشهواتك بإذن الله، وستكون كبرهان يوسف عليه السلام في قلبك. ولكن إن سقطت هذه الحلقة ولحقت بسابقاتها، فعليك -يا بني- السلام. والسلام عليكم.
أبوك المحب
محمد صالح مسفر
free@73.com
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل