; من خلال نشأته.. بصمات سياسية للماسونية والصليبية في أهداف الفكر القومي العربي | مجلة المجتمع

العنوان من خلال نشأته.. بصمات سياسية للماسونية والصليبية في أهداف الفكر القومي العربي

الكاتب الدكتور محمد رواس قلعجي

تاريخ النشر الثلاثاء 26-أبريل-1983

مشاهدات 98

نشر في العدد 618

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 26-أبريل-1983

         لئلا يعتبر الإسلام هو الأساس في المعركة أوجدت القوميات في بلاد المسلمين.

         الماسونية هي التي صنعت القومية العربية ورعتها.

كانت أمة الإسلام أمة واحدة يجمعها القرآن، ويوحد بينها التآخي، وكانت وحدتها هذه أكبر الأخطار التي تهدد الأمم الأخرى، وأكبر صخرة تقف في وجه تيارها العاتي الظالم.

فأتمرت الأمم وتآمرت، وقررت توهين هذه الوحدة، بنشر الصراع بين أجزاء الأمة الإسلامية، فكانت القومية، وكانت الاشتراكية، وكانت الرأسمالية، وكانت الشيوعية، وأخيرًا كانت الطائفية.

سرت هذه الدعوات في جسد الأمة الإسلامية فأتت عليها كما تأتي النار على الهشيم عندما تسري فيه.

وأصبحت أمة الإسلام أشلاء ممزقة تأكلها الأمم بشراهة ونهم، وفي هذه العجالة سأكشف للقارئ الكريم؛ كيف نبتت فكرة القومية في البلاد العربية، والأهداف الحقيقية لهذه الدعوة.

1- كان وجود الدولة العثمانية مغنيًا عن قيام الجامعة الإسلامية، لأن الدولة العثمانية كانت تجمع جل الأقطار الإسلامية في العالم، ولكن لما ضعفت الدولة العثمانية وأخذت تستقل عنها الأقطار الإسلامية قطرًا بعد قطر، وظهر أن المتعذر في المرحلة الراهنة ضم جميع الأقطار الإسلامية في دولة واحدة، نظرًا لشدة الهجمة الاستعمارية على البلاد الإسلامية، حتى أصبح كل قطر من هذه الأقطار غير قادر على صد الهجمة بمفرده، وجد المفكرون من المسلمين أن الإسلام هو الأصلح لنهضة المسلمين المطلوبة وتوحيد صفوفهم وجمع كلمتهم وهو الذي يجعل في المسلمين فدائيين لا يرضون لسيادة الكافر عليهم ولا يهابون الموت، فظهرت الدعوة لجمع الدول الإسلامية في جامعة إسلامية، وحمل لواء هذه الدعوة جمال الدين الأفغاني.

وكانت المبادئ التي تقوم عليها الدعوة:

أ- اعتبار الإسلام هو الأساس في المعركة ضد الاستعمار الكافر.

ب- بناء نفسية المسلمين بناء إسلاميًّا، وتغذيتها بروح المقاومة للاستعمار الكافر.

جـ- إدخال الإصلاحات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية على أساس المناهج الإسلامية.

د- الوحدة الإسلامية هي الطريق الوحيد لمقاومة الاستعمار الكافر.

2- القومية كبديل عن الإسلامية:

جن جنون الاستعمار لما رأى المفكرين المسلمين يتحركون لإقامة الجامعة الإسلامية، وأيقن أن ساعة قيامة هذه الجامعة هي ساعة نهاية وجوده في الأراضي الإسلامية، ولذلك راح يعمل كالمسعور في دراسة أحوال المسلمين، والعوامل المؤثرة فيهم، وكان من جملة قرارته: طرح الرابطة القومية كبديل عن الرابطة الإسلامية، حتى أصبح مصرع الإسلامية وقيام القومية بدلًا عنها الحلم الذي يحلم به كافة المستعمرين، لأنه إذا ما تم ذلك، فقد مهدت لهم السبل، وملكوا الزمام، فقد جاء في كتاب أعمدة الحكمة السبعة نقلًا عن محمد محمد حسين: يقول لورنس- منفذ سياسة بريطانيا أثناء الحرب العالمية الأولى: «وأخذت طول الطريق أفكر في سوريا وفي الحج وأتساءل: هل تغلب القومية ذات يوم على النزعة الدينية؟ وهل يغلب الاعتقاد بها الاعتقاد الديني؟ وبمعنى أصح: هل تحل المثل العليا السياسية (يريد النابعة من القومية) محل الوحي والإلهام؟ وتستبدل سوريا بمثلها الأعلى الديني مثلها الأعلى القومي؟ هذا ما كان يجول في خاطري طول الطريق».

وجند لذلك الجنود من أذكياء وعلماء وكتاب وأدباء، وكان على رأس هؤلاء من الرعيل الأول ناصيف اليازجي المولود سنة 1800م وبطرس البستاني المولود سنة 1819، وقد كانا نصرانيين عميلين للبعثة التبشيرية الأميركية.

·       وأقيمت المدارس والجامعات وعلى رأسها (الكلية البروتستانتية السورية) في بيروت والتي عرفت فيما بعد بـ(الجامعة الأميركية) والجامعة اليسوعية في بيروت أيضًا واعتبرت هذه الأخيرة جزءًا من جامعة القديس يوسف الفرنسية.

·       وصدرت الصحف والمجلات وعلى رأسها: مجلة «الجنان» التي أصدرها بطرس البستاني عام 1870م وكتب معظم مقالاتها ابنه سليم البستاني ومجلة «المقتطف» التي أصدرها يعقوب صروف وفارس النمر (النصرانيان) من أساتذة الكلية البروتستانتية السورية، ومجلة «الهلال» التي أصدرها جرجي زيدان النصراني المتخرج من الكلية البروتستانتية السورية.

·       وأقيمت لذلك جمعيات أدبية وعلمية وأحزاب وهيئات سياسية منها: الجمعية العلمية السورية سنة 1875، وجمعية حقوق الملة العربية سنة 1881، وعصبة الوطن العربي سنة 1904 التي أسسها نجيب عازوري النصراني، والجامعة العربية سنة 1945 التي يقول فيها الدكتور محمد محمد حسين في كتابه «حصوننا مهددة» ص139: إن هذه الجامعة قد أنشئت أول ما أنشئت بتشجيع دولة من أكبر دول الاستعباد العربي- وهي إنجلترا- لأنها كانت تطمع وقتذاك أن تجعل هذه المؤسسة تحت رقابتها ووصايتها، فتكون وسيلتها إلى السيطرة على العرب جملة، وبذلك تتحكم في التيار الجديد (أقول هو التيار القومي الذي أوجدته أميركا في المنطقة العربية الإسلامية) فترسم له المصارف والمجاري، وتوجهه إلى حيث تريد، قبل أن يطغى سيله فيحطم السدود ويجرفها ويجرف معها كل دول الاستعباد الغربي ويمحو كل أثر من آثاره، وأسس حزب البعث العربي في الأربعينيات، أسسه ميشيل عفلق النصراني، هذا الحزب الذي لعب الدور الأكبر في أيديولوجية المنطقة العربية بكاملها.

ويؤكد فيليب حتى (النصراني) في كتابه: «العرب تاريخ موجز» ص 256 على أن القومية العربية مولود أميركي رعته الصليبية وربته فيقول: «كان من نتيجة الاحتكام بين العقلية السورية والنتاج الفكري الغربي أن تولدت مبادئ القومية العربية الشاملة، واستمدت وحيها بالأكثرية من النظريات السياسية الأميركية، على يد رجال الفكر السوريين، وغالبهم من اللبنانيين النصارى الذين تثقفوا في المدارس الأميركية في بلادهم» ولكن أول جهد منظم في حقل القومية العربية كان في عام 1875 حينما اجتمع خمسة من النصارى من خريجي الكلية البروتستانتية السورية (الجامعة الأميركية) من الذين رباهم البستاني واليازجي على تأليف جمعية سرية باسم «الجمعية العلمية السورية» وبعد تشكيلها ووضع نظامها وأهدافها رأوا من الحكمة ألا ينفرد النصارى بها، لأن انفرادهم سيعيق تحركهم، ويلقي عليهم بعض الشبهات من قبل المسلمين فضموا إليهم اثنين وعشرين عضوًا ينتمون إلى مختلف الطوائف الدينية كالدروز والمسلمين، ويقول جورج أنطونيوس في كتابه يقظة العرب ص149: واستطاع مؤسسو الجمعية السرية عن طريق أحد زملائهم أن يستميلوا إليهم المحفل الماسوني ويشركوه في أعمالهم (مع أن المرجح أن يكون المحفل الصهيوني قد دفع هؤلاء الخمسة إلى تأليف هذه الجمعية، لأن الفكرة القومية العربية من أساسها فكرة ماسونية، ولأن الماسونية ذات تنظيم عالمي، فهي الأقوى بالنسبة للقوميين أصحاب هذه الجمعية، وقد عهدنا أن الأقوى يؤثر في الأضعف ويسيره لا العكس، وكيفما كان الأمر فإنه من المؤكد أنه قد تم احتضان الماسونية للقومية وتسييرها في فلكها).

قد يقال: إن الماسونية تتنكر للقوميات وتعمل على هدمها، فكيف تتبنى هنا العقيدة القومية والحركة القومية؟ والجواب على ذلك سهل وهو أن الماسونية تعمل على هدم القومية وتتنكر لها طالما هي أداة جمع وقوة، أما إذا كانت القومية أداة إضعاف وتفريق فلماذا تتنكر لها وهي تحقق لها أهدافها؟ وطرح القومية العربية بدلًا عن الإسلام هو إضعاف وتفريق بين المسلمين، بل هو إضعاف للعرب أنفسهم، ولذلك فإن الماسونية هي التي صنعت هذه العقيدة الجديدة- عقيدة القومية- وهي التي رعتها.

وبين جدران هذه الجمعية وفي أحد اجتماعاتها السرية انطلق أول صوت للقومية العربية مناديًا بتقويض الدولة الإسلامية وإقامة دولة قومية للعرب حين أنشد إبراهيم اليازجي بن ناصيف اليازجي العميل الأميركي النصراني قصيدته البالية ومطلعها:

تنبهوا واستفيقوا أيها العرب

فقد طمى الخطب حتى غاصت الركب

وفيها يقول:

سنطلبن بحد السيف مأربنا

فلن يخيب لنا في جنبه الأرب

ونتركن علوج الترك تندب ما

قد قدمته أياديها وتنتحب

لا دولة لكم يشتد أزركم

بها، ولا ناصر للخطب يتشرب

ومن يعش ير الأيام مقبلة

يلوح للمرء في أحداثها العجب

 ونجح الشباب النصارى في عقد المؤتمر العربي الأول سنة 1913 في فرنسا ووجهوا الدعوة إلى المنظمات العربية العلنية منها والسرية، وعقد المؤتمر برئاسة عبدالحميد الزهاوي- الماسوني- وفي هذا المؤتمر ظهر اتجاه واضح- كما يقول «علي المحافظة» في كتابه «الاتجاهات الفكرية عن العرب» ص151- إلى رفض الرابطة الدينية، واستبدالها بالرابطة القومية، ففي أعقاب المؤتمر أجاب عبدالحميد الزهاوي على سؤال لمراسل جريدة temps الفرنسية: «إن الرابطة الدينية عجزت دائمًا عن إيجاد الوحدة السياسية، وأنا لا أرجع إلى الوراء لأبرهن على هذا، بل حسبي ما لدينا الآن من الشواهد الحاضرة».

وكان من أبرز المتكلمين في هذا المؤتمر «ندرة المطران» النصراني الذي أشاد بالروابط القومية وهون بالروابط الدينية فقال: «إذا كانت النعرة الجنسية فضيلة في النفس فلست أعرف أمة أشد تأثرًا بعواملها من الأمة العربية، لما قدم أبو عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد بجيوش العرب المسلمين إلى بلاد الشام ووجدوا حارسًا على أبوابها من الغسانيين وهم عرب نصارى، يتقدمهم ملكهم جبلة بن الأيهم، إلا أن هؤلاء بدلًا من قتال المسلمين والوقوف في وجوههم عطفوا عليهم عطف الأخ، فتركوا الجامعة الدينية والرابطة السياسية اللتين كانتا تقضيان عليهم موالاة الروم، وحفظوا ود هؤلاء الناطقين بلسانهم من بني أمتهم العرب».

يظهر لنا مما تقدم:

1- أن الدعوة إلى القومية ظهرت يوم ظهرت كبديل عن الإسلام ليصرف الناس عنه.

2- أن الدعوة إلى القومية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بـ:

أ- الصليبية، فالذين تبنوها ودعوا إليها وعملوا لها هم النصارى وتبعهم في ذلك بعض أغنياء المسلمين.

ب- الاستعمار: لأن الذي تبناها وأمدها بالقوة الدول الاستعمارية ذات المطامع في البلاد العربية وتأتي في طليعة هذه الدول أميركا ثم فرنسا وبريطانيا.

جـ- الماسونية: وقد رأينا كيف دفعت الماسونية شباب النصارى مستغلة بغضهم للإسلام إلى التمسك بالقومية والدعوة لها.

3- مقومات القومية:

لا نعلم شيئًا وقع الاختلاف فيه كما وقع في مقومات القومية، فالعلماء الألمان يرون أن القومية تقوم على وحدة اللغة ووحدة العنصر، بينما يرى الإيطاليون أن القومية تقوم على وحدة التاريخ ووحدة العادات، أما الفرنسيون فيرون أن وحدة الآمال هي المقوم الأساسي للقومية.

وفي اعتبار الدين مقومًا من مقومات القومية خلاف، فربما أدخله الإيطاليون في العادات وجعلوه بهذا من مقومات القومية، أما الفرنسيون والألمان فإنهم يبعدون الدين عن ساحة القومية بعدًا كبيرًا.

وهذا الخلاف في جعل الدين مقومًا من مقومات القومية قد انعكس على القوميين العرب، فقسطنطين زريق- نصراني أرثوذكسي- وعبدالرحمن البزاز- مسلم- يعتبرون الدين مقومًا من مقومات القومية ولا يتصورون- كما يقولون- قيام القومية العربية بغير الإسلام.

أما نجيب عازوري- نصراني كاثوليكي- فيرى في كتابه «يقظة الأمة العربية» أن القومية العربية يجب أن تكون مفصولة عن الإسلام خوفًا من أن تتكشف القومية العربية عن شكل جديد من أشكال التسلط الإسلامي، في حين يرى ساطع الحصري- مسلم ماسوني- أن الأديان المحلية يمكن أن تشكل مقومًا من مقومات القومية، أما الأديان العالمية كالإسلام والنصرانية فهي عامل مخرب للقومية، لأنها توجد مشاعر لاقومية، فالأديان لا تنتشر إلا بواسطة أداة التعبير القومي، اللغة، ولكل دين علاقة جوهرية مع لغة معينة تنشأ عن التبشير، وعن كتبه وطقوسه المقدسة، ولا يمكن أن ينتشر إلا بواسطة هذه اللغة، ولا ينتشر إلا إذا كان للأمة الناطقة بتلك اللغة مصلحة قومية في انتشاره فيستخدم الشعور القومي الدين كوسيلة لتأكيد ذاته.

والحقيقة: إنه لا يجوز لنا أن نكون متفائلين أدنى تفاؤل بأولئك الذين اعتبروا الإسلام مقومًا من مقومات القومية العربية، لأن هذا قولهم بألسنتهم، أما صدورهم فإنها تخفي الحقد على الإسلام، وقولهم هذا بألسنتهم هو مكيدة سياسية، لكسب الجماهير إلى صفهم، أو على الأقل لتجميدها عن معارضتهم، ولو أنهم أعلنوا منذ اليوم الأول أن القومية هي البديل عن الإسلام لتفرق الناس عنهم، ولرموهم بالكفر من أول يوم، ولكن إعلانهم أن الإسلام والقومية لا يفترقان ضلل كثيرًا من الناس عن إدراك الحقيقة، فانحاز من انحاز من الجماهير المسلمة إليهم، فكان هذا الإعلان مصيدة وقع فيها بسطاء المسلمين، ولو كانوا مؤمنين بما أعلنوه من أن الإسلام والقومية لا يفترقان؛ فلماذا- وهم دعاة القومية والمؤمنون بها- لم يتركوا النصرانية ويعتنقوا الإسلام؟!

وما إن انقضت المرحلة الأولى للقومية وأصبح لها جمهورها وحكوماتها حتى أفصح فلاسفتها والحاكمون باسمها عن حقيقة الأمر، فأعلنوا علمانية القومية العربية، واتسم الشعور القومي والرابطة القومية بسمة العلمانية، وهذا ما نشاهده اليوم في الساحة القومية.

4- محتوى القومية:

بعد أن تم تجريد القومية العربية من محتواها الإسلامي برفض كون الإسلام مقومًا من مقوماتها أصبحت القومية مجرد رابطة بغير محتوى، إنها أشبه شيء بالقارورة، فهي تجمع، ولكنها قد تجمع المثيل إلى المثيل، وقد تجمع النقيض إلى النقيض، يقول ألبرت حوراني في كتابه الفكر العربي ص410: «ليست القومية نظامًا فكريًّا، بل فكرة منفردة، لا تكفي بحد ذاتها لتنظيم حياة المجتمع بأسرها، لكنها فكرة فعالة، فكرة من ذلك النوع الذي يقوم بدور مركز الجاذبية بالنسبة إلى الأفكار الأخرى». فإذا اجتمع في هذه القارورة المثيل إلى المثيل شكّلا قوة ربما انطلقت لتأخذ مسارها في الحياة وتحطم كل من يعترض طريقها، أما إذا اجتمع في هذه القارورة النقيض إلى النقيض كان بأسهم بينهم شديدًا، وعجز كل واحد منهم عن المضي في الطريق لأنه مشغول بمحاربة نقيضه.

إن هذه القارورة (القومية) قد صنعتها: الصليبية الحاقدة، والاستعمار الجشع، والماسونية الهدامة «فلا يعقل أن تتخذ إلا أداة للتفريق لا للجمع، وللإضعاف لا للقوة، وللذل لا للعز، ولذلك طرحت في ساحة القومية العربية عدة مبادئ متخالفة، فأخذت مجموعة الشيوعية، وأخذت مجموعة ثالثة الرأسمالية، وبقيت رابعة على أسلوبها تستمسك به ما وسعها الاستمساك، وأحيت أخرى الشعوبية الضيقة فبعث الحضارات الوثنية كالفرعونية والفينيقية ونحوها وفرض على الجميع أن يعيشوا في قارورة القومية، وأن يجتمعوا على مائدتها، يظلهم سقف جامعة القومية العربية، فهم لا يجتمعون إلا ليختلفوا لأن من طبيعتهم الاختلاف، ولا يتحدون إلا ليفترقوا لأن من طبيعتهم الافتراق فصارت القومية إذن أداة إضعاف لا أداة قوة، وأداة تفريق لا أداة جمع.

5- مناقضة القومية للعقيدة الإسلامية:

أ- إن طرح القومية كبديل عن الإسلام- حيث يقول قسطنطين زريق في كتابه الوعي القومي: «إن القومية هي العقيدة التي نفتقر إليها إذ إنها تولد الشعور بالمسؤولية المشتركة والإرادة في خلق مجتمع، والمحافظة عليه» هو كفر صريح لأن الله يقول في سورة (آل عمران:19) ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ ويقول في سورة (آل عمران: 85) ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.

ب- إن الدعوة إلى القومية هي دعوى جاهلية لا تحل في دين الله، قال ابن تيمية: «كل ما خرج عن دعوى الإسلام والقرآن من نسب أو بلد أو جنس أو مذهب أو طريقة فهو من عزاء الجاهلية، بل لما اختصم مهاجري وأنصاري فقال المهاجري: يا للمهاجرين، وقال الأنصاري: يا للأنصار، قال النبي- صلى الله عليه وسلم: «أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟!» وغضب لذلك عضبًا شديدًا. وروى أبوداود في سننه عن النبي- صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية».

يقول الشيخ عبدالعزيز بن باز في كتابه نقد القومية العربية ص74: «لا ريب أن الدعوة إلى أن تكون القومية العربية هي الرابطة الأولى بين العرب، دعوى باطلة لا أساس يؤيدها من العقل ولا النقل، بل هي دعوة جاهلية إلحادية، يهدف دعاتها إلى محاربة الإسلام والتملص من أحكامه وتعاليمه».

جـ- إن في تبني القومية العربية موالاة للكفار العرب: خاصة بعد أن عرفنا أن القومية العربية صليبية المولد ماسونية النشأة يقول الشيخ عبدالعزيز بن باز في كتابه نقد القومية العربية ص 34: «إنها- أي الدعوة إلى القومية العربية- سلم إلى موالاة كفار العرب وملاحدتهم من أبناء غير المسلمين واتخاذهم بطانة، والاستنصار بهم على أعداء القوميين من المسلمين وغيرهم، ومعلوم ما في هذا من الفساد الكبير والمخالفة لنصوص القرآن والسنة الدالة على وجوب بغض الكافرين من العرب وغيرهم، ومعاداتهم وتحريم موالاتهم واتخاذهم بطانة، والنصوص في هذا المعنى كثيرة منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (المائدة:51)، وقوله تعالى﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ (المجادلة:22).

د- إن الاجتماع على أساس قومي هو سبب لتعميق الخلاف بين المجتمعين، لأن القومية وعاء بغير محتوى، والواقع أن القوميين ملأ كل واحد منهم هذا الوعاء بما يحلو له من المبادئ، وعندما يجتمع حاملو المبادئ المتصارعة فلن يخلو اجتماعهم من الصراع، إذ يضطر كل واحد منهم إلى تبرير الخط الذي يسير فيه، والدفاع عن المبدأ الذي يأخذ به فيقع الاختلاف بين المجتمعين ويحصل الصراع، وينفض الاجتماع وقد أوغرت الصدور، وشبت الأحقاد، ونحن نعلم أن توحيد الصفوف، وإزالة الخلاف بين المسلمين فريضة إسلامية، ويحرم ويمنع كل حائل يحول بين قيام هذه الفريضة.

الرابط المختصر :