العنوان بعد الانقلاب الفاشل.. أردوغان أقوى وأقلّ انصياعاً للضغوط الأمريكيّة
الكاتب جمال خطاب
تاريخ النشر الاثنين 01-أغسطس-2016
مشاهدات 35
نشر في العدد 2098
نشر في الصفحة 22
الاثنين 01-أغسطس-2016
مركز دراسات الحرب الأمريكي:
أردوغان بعد الانقلاب الفاشل يمتلك خيارات أكثر خطورة لأن حكمه أصبح في أمان
أردوغان يسعى إلى دعم إنشاء حكومات إسلاميّة سنيّة في الشرق الأوسط حتى يتسنّى له إضفاء شرعية على حكمه بل وإعادة تأسيس إطار شبه إمبراطوري
تحقيق الأهداف الأمريكيّة في المنطقة يتطلّب إبداعاً حول كيفيّة تحفيز أردوغان في اختيار السياسات التي لا تقوّض المصالح الأمريكيّة في الوقت الذي يخدم فيه بلده
إن محاولة الانقلاب الفاشلة التي قامت بها عناصر من القوات المسلحة التركية في 15 من يوليو، ستعمل على تمكين الرئيس رجب طيب أردوغان، ومن ثمّ ستكون على قمة أولوياته في الأشهر القليلة المقبلة، ترسيخ ولاء المؤسسة العسكرية التركية له، والمضي قدمًا في عملية الإصلاح الدستوري اللازم، لتحل الرئاسة التنفيذيّة محل الديمقراطية البرلمانية التركية، وهذا ما كان يصبو إليه أردوغان منذ أمد بعيد.
إن أردوغان ما بعد الانقلاب سيكون غالبًا أقل انصياعًا للضغوط الأمريكية من دون تبعات تُذكر. فقد طالب أردوغان على الفور بتسليم فتح الله كولن من الولايات المتحدة، متهمًا إياه بالتخطيط للانقلاب وأدان الولايات المتحدة لإيوائها له.
ويمتلك أردوغان الآن خيارات أكثر خطورة، وذلك لأن حكمه أصبح في أمان.
إن عملية التطهير التي سيقوم بها أردوغان ستكون عنيفة. فقد أعلنها صراحة في خطاب النصر في 17 يوليو 2016م: بأن محاولة الانقلاب كانت بمثابة هدية من الله، لأنها ستكون سببًا في تطهير جيشنا. وعلى الفور قامت قوات الأمن التركية باعتقال أكثر من 3000 من الجنود، وعشرات من الضباط برتبة عقيد، وأربعة ضباط رفيعي المستوى منذ أن استعادوا زمام الأمور بدءًا من يوم 16 من يوليو. كما أن عملية التطهير اللاحقة قامت بالتخلص من ثلث الضباط تقريبًا. ولا شك أن أردوغان سيقوم بمحاكمة قادة الانقلاب والمشاركين فيه وكذلك الجنود بتهمة الخيانة، وبالموافقة على إعادة فرض عقوبة الإعدام في حال إقراره من قبل البرلمان التركي. كما أنه سيقوم بتحجيم خصومه السياسيين والمعارضين بل وتعزيز الرقابة الاجتماعية. فلقد قام بالفعل بحملة واسعة ضد المؤسسة القضائية وعناصر المجتمع المدني التي يعتقد أنهم على صلة بكولن، بما في ذلك الفصل والقبض على ما يقرب من 3000 من أعضاء المؤسسة القضائية. كما قام أيضًا بفصل ما لا يقل عن 8000 من عناصر الشرطة.
ومسألة تعزيز السلطة، بلا شك، ستستغرق الكثير من الوقت والانتباه والموارد خلال الأشهر القليلة المقبلة. كما ينبغي عليه في الوقت نفسه أن يعمل على تحقيق توازن بين المخاطر التي تهدد الأمن القومي بما في ذلك التهديدات الداخلية التي يمثلها تنظيم الدولة الإسلامية وحزب العمل الكردستاني (PKK)، فضلًا عن الانفراجة الواهية مع روسيا.
واندحار الانقلاب لا شك سيسهم في:
- التقليل من حدة التهديد الداخلي لتنظيم الدولة الإسلامية في حين يتفرغ هو لعملية تطهير الجيش. إن تنظيم الدولة مستمر في استغلال الشبكات الداعمة له داخل تركيا لإحداث هجمات نوعية تستهدف المواقع السياحية التركية. كما أنه يعتزم شن هجمات تحدث إصابات هائلة وجماعية من أجل زعزعة الاستقرار في الدولة التركية، مماثلة للهجوم الذي قامت به على مطار أتاتورك الدولى الواقع في اسطنبول في يونيو الماضي، وهذه التدابير ليس من شأنها القضاء على التهديد الذي يمثله تنظم الدولة على تركيا، ولكن يمكن أن تحد منه إلى مستوى يمكن السيطرة عليه، بينما يركز أردوغان على أولويات أخرى.
- معالجة المشكلة الكردية: إن أردوغان ينظر إلى وحدات الدفاع الشعبي (YPG) الكردية السورية على أنها التهديد الرئيسي للأمن القومي بسبب الروابط التي تربطه بحزب العمال الكردستاني (PKK) الذي ما زال يشن تمردًا نشطاً ضد الدولة التركية. فلقد خاضت جماعات السلفية الجهادية السورية حروبًا ضد YPG من قبل في سورية، ويمكن أن تكون على استعداد للقيام بذلك مرة أخرى في مقابل الحصول على مستويات أعلى من الدعم التركي.
- تهيئة الأجواء في سورية لصعود حكومة إسلامية سنية. إن أردوغان يسعى إلى دعم إنشاء حكومات إسلامية سنية في الشرق الأوسط حتى يتسنّى له إضفاء شرعية على حكمه، بل وإعادة تأسيس إطار شبه إمبراطوري للنفوذ. كما أن القاعدة وحلفائها يحكمون قبضهم بالفعل على مناطق واسعة في الشمال الغربي لسورية لتهئية الأجواء لتأسيس إمارة إسلامية في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة على المدى البعيد.
- الحيلولة دون تحقيق النصر للنظام وروسيا في سورية: سيمضى أردوغان قدما في دعم الحرب ضد نظام الأسد على الرغم من الشائعات الخاصة بالتوجيه الخلفي للمعارضة المشتركة لوحدات الدفاع الشعبي (YPG) الكردية السورية. لقد قامت القوات الموالية للنظام بتطويق وفرض الحصار على قوات المعارضة المدعومة من تركيا والولايات المتحدة في مدينة حلب في 17 من يوليو وفاء بوعد الأسد بأن “حلب ستكون المقبرة التي سُتدفن فيها أحلام وآمال السفاح أردوغان”، كما يجب على أردوغان أيضاً أن يحول دون وقوع الفوز الروسي في سورية من أجل الحفاظ على النفوذ في العلاقات التركية الروسية.
- الحفاظ على نفوذه وتأثيره على الولايات المتحدة: يعارض أردوغان التركيز الأمريكي على الحرب على تنظيم الدولة في سورية وسيعمل على استغلال مشاركته في جهود مكافحة تنظيم الدولة كورقة ضغط في المفاوضات مع الولايات المتحدة. كما أنه سيواصل الاستفادة من دور الحارس الذي يلعبه في قضية تدفق اللاجئين إلى تركيا. ولا شك أن هذه الأشكال من النفوذ قوية ومهمة، لكنها إلى الآن لم تمكّن أردوغان من أن يؤثر على السياسة الأمريكية بالطريقة التي يريدها. فبعد توطيد حكمه سيعمل على الاستفادة بشكل أفضل من مصادر الضغط هذه. بل ربما يسعي إلى استخدام مصادر نفوذ بديلة. فلقد اقترح بالفعل منح الجنسية للاجئين السوريين في تركيا، على الأرجح من أجل مواجهة ارتفاع معدلات المواليد الكردية في تركيا من خلال إضافة الملايين من المواطنين العرب للسكان. قد يمكنه أيضًا تجنيس اللاجئين السوريين من إخفاء دعمه عن الجهاديين السلفيين في سورية بتوجيه هذا الدعم من خلال المواطنين الأتراك السوريين الجدد. وأخيراً، فإنه يمكنه أن يسمح أو يعمل على تسهيل تدفقات جديدة من المقاتلين الأجانب لسورية.
كما أن أردوغان المنتصر يمثل تحديًا صعبًا للأدوات الدبلوماسية التقليدية. وليس لحلف الأطلنطي أي آلية رسمية لإخراج الدول الأعضاء منه، ومن ثم فسيكون من الصعوبة بمكان إجبار أردوغان بتهديده بإلغاء حماية الحلف على أي حال. وليس من الواضح أن أردوغان سيستجيب لمثل هذا التهديد لو كان حقيقيًا. برغم تصريح منسقة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي بأن إعادة عقوبة الإعدام سيقوض فرصة حصول تركيا على عضوية الاتحاد الأوروبي في محاولة لكبح جماح تصرفات أردوغان في 18 من يوليو. ومن المحتمل ألا يستجيب أردوغان إلى ذلك.
ولذا أصبح لزامًا على الولايات المتحدة التخلّي عن الفرضيّات حول كيف يمكن لزعيم منتخب ديمقراطيًا أن يتصرّف حتى يمكنها استكشاف خيارات سياسية أخرى تتعامل مع المتغيّرات التي يمكن أن يقوم بها أردوغان. فتحقيق الأهداف الأمريكية في المنطقة - ومنع مستقبل أكثر خطورة من الوقوع - سوف يتطلّب الكثير من التفكير الإبداعي حول كيفية تحفيز أردوغان في اختيار السياسات التي تؤيد - أو لا تقوض - المصالح الأمريكية في الوقت الذي يخدم فيه بلده.