العنوان دولة الخلافة والحركة الوهابية )الحلقة الستون(
الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-مايو-1981
مشاهدات 58
نشر في العدد 527
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 05-مايو-1981
- إعادة ترتيب أوراق الخلافة
تعرضنا في الحلقة السابقة للجهود التي بذلها شكيب أرسلان ورشيد رضا والشيخ جاسم والي قطر للحيلولة دون تسيير دولة الخلافة عساكرها لضرب الحركة الوهابية، وفي هذه الحلقة نتطرق إلى دور الأمير عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن سعود في تطويق الخلاف ورأب الصدع، ثم نتيجة تلك الجهود مجتمعة ونهاية المطاف في علاقة دولة الخلافة بالحركة الوهابية.
لقد بادر الأمير عبدالعزيز في بذل جهوده للحيلولة دون تجدد الحرب بين الحركة الوهابية أو دولة آل سعود ودولة الخلافة، وكان من الصعب عليه أن يبرر تحركاته وقمعه لابن الرشيد حليف الدولة العلية وسط تلك الشائعات والتي غذيت بها دولة الخلافة والتي تحمل آل سعود مسؤولية ما يجري في المنطقة من أحداث زاعمة أن عبدالعزيز قد خرج على دولة الخلافة، ولعل جهود والي قطر -السابق ذكرها- شجعت الأمير عبدالعزيز للمبادرة بإرسال رسالتين إلى السلطان عبدالحميد يضمنهما حقيقة الحركة، وطبيعة الواقع الذي تعيشه، وتصوره واتباعه للعلاقة التي تربطهم بدولة الخلافة.. وسنذكر تلك الرسالتين -أوالتلغرافين- بتمامهما، ثم نستل منهما ما يعين على معرفة وكشف حقيقة العلاقة وطبيعتها بين دولة الخلافة والحركة الوهابية.
يقول عبدالعزيز في رسالته الأولى: إلى أعتاب سيدي وولي نعمتي سلطان البرين وخاقان البحرين، خليفة رسول الله، السلطان المعظم السلطان عبدالحميد خان الثاني أدام الله عرش سُلطته إلى آخر الدوران آمين.
أقدم عبوديتي وطاعتي ودخالتي إلى الأعتاب السامية المقدسة، ممتثلًا كل إرادة وفرمان، لست بعاص ولا خارج عن دائرة الأمر، بل أنا العبد الصادق في خدمة دولتي وجلالة متبوعي الأعظم، أريد الإصلاح ما استطعت، قد ابتلاني سبحانه وتعالى بشرذمة يحسدون ويفسدون ولا يصلحون، قاموا يشوشون أفكار دولة جلالة ولي النعم ويدخلون على فكره الشريف الأوهام الواهية، يريدون تفريق الكلمة الإسلامية وتقسيم الجامعة المقدسة العُثمانية وإلجائي إلى الاحتماء بالدول الأجانب، فحاشا ثم حاشا عبد جلالتكم عثماني صرف أفدي السدة العُثمانية بعزيز روحي، أجمع كلمة بادية الخطة النجدية بما أتاني الله ومنحتني دولتي العلية من النفوذ تحت راية مولانا أمير المؤمنين سلطان المسلمين عبدالحميد نصره الله، لكن هؤلاء الذين يريدون تفريق الجامعة العثمانية لا يألون جهدًا في إلقاء الدسائس حتى تمكنوا من جعل الأمر في غير قالبه واستجلبوا لي انحراف الرضاء العالي، فساقوا علي العساكر الشاهانية أولًا واسترحمت وقدمت طاعتي، فلم أوفق لإزالة الشبهة التي أدخلها المفسدون، والآن بلغني أن الحكومة السنية ساقت علي عساكر غير الأولى فأنا أضرع إلى مرحمة وشفقة وحنان وحماية وديانة مولانا أمير المؤمنين أن لا يؤاخذني بدسيسة ألقاها المفسدون ولا شبهة احتج بها الحاسدون المزورون، فينظر إلي حفظه الله بعين العدالة والشفقة والمرحمة ويحقن دماء ألوف من المسلمين الطائعين الداعين بدوام عرش جلالته، وعلى كل حال فليس لي إرادة أو قول أو فعل يخالف الرضاء العالي، وتظهر الحقيقة بالاختبار، كما أني أسترحم من حكمة جلالة مولانا متبوعنا الأعظم وفطنته السامية أن لا يروج مقاصد أرباب الفساد أعداء الدين والدولة الذين يريدون إشغال دولتنا العلية وتشتيت عساكرها المظفرة يمينًا وشمالًا وإضعاف ماليتها، فإن لهم بذلك مقاصد لا تخفى على سمو حكمة جلالة مولانا أمير المؤمنين، وأنا عبد صادق خادم مطيع ملتجئ لمرحمة وشفقة جلالتكم.
١ رمضان سنة ١٣٢٢
عبد الدولة العثمانية عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن سعود
ويقول في رسالته «أو تلغرافه» الثانية:
إلى أعتاب سيدي إلخ... بنفس مقدمة الرسالة السابقة.
إن مرحمة جلالتكم وشفقة عظمتكم وعفو سلطتكم أجل وأعظم من أن يمنعوا «كذا» عن عبد صادق في عبوديته لسدة أعتابكم مثلي، قدمت جملة دخالات على أعتاب خلافتكم السامية الإسلامية معلنًا إذعاني وانقيادي وطاعتي لإرضاء ولي نعمتي متبوعي الأعظم، ومع هذا فلم تصدر إرادة المرحمة والشفقة بإيقاف الحركة العسكرية الموجهة ضدي.
مولاي أمير المؤمنين: عبد جلالتكم هذا يعلم علم اليقين ما يكلف سوق العساكر الشاهانية إلى قطعة نجد من المشاق والأضرار على الملة الإسلامية والجامعة العثمانية، ويعلم أن المسبب لهذه المشاق والأضرار دسيسة من أعداء السلطنة السنية يريدون تفريق الجامعة المقدسة العثمانية ليدركوا مطالبهم، وأما عبد جلالتكم هذا فسامع مطيع مسترحم عفو جلالتكم وإن لم أذنب، دخيل على شفقتكم ومراحمكم في عفوي «كذا» إن كان صدر مني ذنب وحقن دماء ألوف من المسلمين من عبيدكم الطائعين الداعين بدوام عرش السلطنة الحميدي، وحاشا حكمة جلالتكم أن تصفو بعد ذلك لزخارف دسائس أرباب المقاصد المفسدين.. هذا عرضي واسترحامي، والفرمان العلي الشأن الحضرة جلالة أمير المؤمنين.
٥ رمضان سنة ١٣٢٢
عبد الدولة العثمانية عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود
أرسل من كل واحد من التلغرافين نسخة باسم السلطان بلا واسطة، ونسخة بواسطة باشكاتب المابين، ونسخة بواسطة مجلس الوكلاء، ونسخة بواسطة أبي الهدى أفندي، وكذلك فعل الشيخ جاسم الثاني في تلغرافه وزاد نسخة بواسطة والي البصرة.
إن محور الرسالتين كما هو واضح هو إعلان الطاعة لدولة الخلافة، وطلب إيقاف قرار الحرب -إن كان، فقد بدأ الأمير عبدالعزيز مطلع رسالته بإسباغ كامل وشامل الأوصاف والألقاب التي تخطر على البال، ثم يتبع ذلك بإعلان الولاء التام، ونفى صفة الخروج والعصيان عن دائرة الدولة العلية، ويبادر إلى القول بأن ما قام به إنما هو إصلاح إفساد، وأن ما وصل آذان الدولة العلية من افتراء وتشويش إنما هو من صنيعة أقوام ليس من رأيهم الإصلاح، بل مرامهم إفساد الأحوال وتقويض الجامعة الإسلامية التي يسعى لها السلطان عبدالحميد.
ثم يشير إلى أن تلك الدسائس يروم أصحابها إلجاءه مضطرًا إلى الارتماء بأحضان الأجانب مستعينًا بهم على الدولة العلية، ويبين أن هذا أبعد ما يكون عن مثله ممن يدين بالولاء لدينه وعقيدته ودولته العلية، وأن إمكاناته في القدرة على تجميع البوادي النجدية إنما هو باسم دولة الخلافة، ثم يشير إلى أن دسائس أولئك الأقوام قد نجحت أول مرة في تسيير العساكر... ولم تستمع الدولة لاسترحامه، ولم يوفق في كشف دسيستهم، ولعل رسائله لم تصل، أو ربما حال دون وصولها الحواشي المحيطة بالسلطان، ويطلب أن تنظر الدولة العلية هذه المرة وتوقف أمر الحرب إن كان، فهو أيضًا من دسيسة من كاد بالأمس.
ولا شك أن رسالتي الأمير عبدالعزيز يمكن حملهما على أنهما تعبران عن موقف سياسي محض بمعنى أنه لم يكن ليقفه لو لم يكن في مصلحته، وحتى إن صح ذلك فإنه موقف سياسي أيضًا بالنسبة لدولة الخلافة كان بإمكانها أن تطوقه وتستثمره لصالحها، وهو حينئذ سيكون لصالح دولة المسلمين كلهم، إلا أن أحوال دولة الخلافة لم تكن لتعينها على استثمار ذلك الموقف، الأمر الذي جعل إنجلترا قادرة على استثماره بدلًا منها -كما سيأتي، وعلى كل فقد أفلحت هذه الوساطات والمكاتيب في تجلية الموقف والحيلولة دون زج دولة الخلافة في عمليات حربية تستنزف دم ما تبقى لها من عروق تنبض.
فقد كانت الرسائل والواسطات كلها حول موضوع واحد وتشخيص وعلاج واح، جعل دولة الخلافة ترجح أخيرًا كفة آل سعود، ولم يكن من السهل ثنيها عن مساندة ابن رشيد، فقد كانت علاقتها وطيدة بآل رشيد خصوصًا مُحمد بن عبدالله الرشيد الذي تولى إمارة حائل عام ١٢٨٦، فقد كان واسطة عقد آل رشيد، وامتد حُكمه إلى أطراف العراق وإلى مشارف الشام وإلى نواحي المدينة، وإلى اليمامة وما يلي اليمن، وغلب على نجد كلها، وأدخل ابن سعود في طاعته بعد أن كان الرشيد تبعًا لآل سعود، وكان حازمًا وسديد الرأي عادلًا، ولقد أمنت المسالك في أيامه بما لم يسبق له مثيل، وكانت الأعراب تخشى مجرد ذكر اسمه، فأصبح هو سلطان البرية، ومن جملة تدبيره أنه تقرب جدًا من رضى السلطان عبدالحميد، وكان من أشد الناس تعلقًا بطاعته، وكل سنة كان يقدم إلى السُلطان عددًا كبيرًا من الجياد العراب، فحظي عند السلطان حظوة لم تكن لأحد من أمراء العرب، وعضدته الدولة العلية عضدًا تامًا اتسع به ملكه وقويت شوكته.
ولعل الذي ساعد في ترجيح كفة آل سعود، أنه قد ولي بعد محمد بن عبدالله الرشيد ابن أخيه عبدالعزيز بن متعب وكان سفاكًا للدماء سيء الإدارة ولم يكن کسلفه، أضف إلى ذلك أن الحرب العالية كانت على الأبواب ولا بد لدولة الخلافة من تجميع قواها وحشد طاقاتها وتقليل خصومها وأعدائها بالصلح والتحييد، فقدمت فعلًا على تغيير سياستها تجاه الجزيرة العربية.
وفي ذلك يقول شكيب أرسلان: وقبل نشوب الحرب العامة بقليل اتفقت الدولة بسياسة أنور باشا رحمه الله مع الأمير عبدالعزيز السعودي على إقطاعه الأحساء والقطيف وسائر لواء نجد، والاعتراف بإمارته على ما كان في يده من قبل، وما دخل فيها من بعد، على شرط أن يعترف هو بسيادة الحضرة السلطانية، وأحسن السلطان إليه برتبة المشيرية السامية.
ورغب إلي علي منيف بك مستشار الداخلية يومئذ في تحرير كتاب بالعربية إلى الأمير عبدالعزيز المشار إليه توضح فيه الدولة خطة سياستها في نجد وبلاد العرب فحررته له.
فكل ما أوصوه به هو إقامة العدل، وتأمين المسالك ورفع المنازعات بين المسلمين دون تمييز بعض على بعض، وأن الدولة تمده بكل ما يلتمسه منها لأجل تحقيق هذه المقاصد.
ويؤيد ذلك ما ذكرته مجلة المنار حين قالت: «اتضح للدولة العلية أن ابن سعود صادق في ولائه وأكد ذلك عندها حالة الإحساء، فإنها على عهد ابن الرشيد كانت تتناوبها المخاوف ويتخطف الناس من حولها، حتى يعسر الوصول إليها، ولما استولى ابن سعود وغلب أمره صار الناس يخرجون مثنى وفرادى لا يصيبهم أذى وحكومة البصرة وبغداد عالمة بذلك.
وكذلك كفت الدولة العلية عن إنجاد ابن الرشيد وأمرت والي البصرة بأن يطلب الاجتماع بعبدالرحمن الفيصل بالمحل الذي يريده لأجل المذاكرة والمشاورة في الأمر وكانت الدولة قد قطعت مرتب عبدالرحمن الشهري فأعادته إليه».
وهكذا اقتنعت دولة الخلافة أخيرًا بالعلاج الصحيح الذي كان ينبغي أن تتداركه قبل ذلك بكثير، يوم سيرت الجيوش لضرب الحركة عام ۱۲۳۱هـ، ولعل موقف دولة الخلافة هو السياسة الناجحة التي ينبغي أن تتخذها خصوصًا وأن الحرب العالية على الأبواب وهي في حاجة إلى نصراء أمثال الأمير عبدالعزيز بن عبدالرحمن، وهذا ما طلبته دولة الخلافة فعلًا حينما اضطرمت الحرب، فهل يجيبها الأمير لطلبها الوقوف معها ومساندتها أم لا، هذا ما نروم كشفه في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.