; تحملي أنت مسؤولياتك يا حبيبتي | مجلة المجتمع

العنوان تحملي أنت مسؤولياتك يا حبيبتي

الكاتب د. يحيى عثمان

تاريخ النشر الجمعة 18-مايو-2012

مشاهدات 86

نشر في العدد 2002

نشر في الصفحة 60

الجمعة 18-مايو-2012

مشكلتي

الأخ د. يحيى: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، تحية تقدير إلى شخصكم، وإلى مجلة المجتمع الغراء وكل العاملين بها، وجزاكم الله جميعًا خيرًا. وبعد.. أليس العقد شريعة المتعاقدين؟ أليس إذا ما اتفق الزوجان على أمر ما أن يلتزما بما اتفقا عليه دون أي تعديل، ولا يحق لأي منهما أن يتراجع عن اتفاقه؟

وكيف تستقيم الحياة الزوجية وأي من الزوجين يتوقع احتمال أن يتراجع زوجه عن وعد قطعه على نفسه؟ لعلك تتساءل لماذا كل هذه المقدمة والتساؤلات المعروف إجاباتها؟ ولنبدأ الحكاية من البداية تزوجت بفضل الله منذ 10 سنوات من إحدى قريباتي، وقد منّ الله عليّ بزوجة فاضلة ورزقنا الله بثلاثة أبناء، وقد اقترحت زوجتي - سعيًا لتحسين مستوانا المالي - أن أسعى للحصول على عقد عمل بالخارج، وعملت بنصيحتها.

ولله الحمد وفقني الله لعمل بإحدى الدول الأوروبية يحقق لنا دخلًا خياليًا، وناقشت الأمر مع زوجتي بأنني غير مرتاح نفسيًّا لأننا نعيش بعيدًا عن بعضنا مهما كان العائد، وأن تتحمل وحدها عبء تربية الأبناء، ولكنها قالت إنها مستعدة لتحمل مسؤولياتها حتى تحقق مستوى أفضل لأبنائنا، وتحت إصرارها وافقت، وقد اتفقنا على أن تأتي هي والأولاد فترة الصيف، وأن أنزل إليهم مرة في نصف العام.

ورغم اضطراب حياتي بعيدًا عنهم فإنني صبرت واحتسبت حتى أحقق لها حلمها بمستوى مالي أفضل للأبناء، ولكنني فوجئت بأنها تطلب مني أن أحضر إليهم مرتين في العام وليس مرة واحدة كما اتفقنا، ولكن ما أدهشني وأحزنني أنه عند مناقشة الموضوع معها بأن ذلك سوف يؤثر على مكانتي الوظيفية، وأنا بصدد تولي منصب أفضل بما يمكنني من توفير عائد مالي مجز يعوضنا ثمن الحرمان ومرارة البعد كانت إجابتها مستفزة حقًّا أخرجتني عن شعوري حيث قالت: لا يهم حتى وإن اقتضى الأمر الإقالة فنحن نحتاجك بجانبنا نعم.

ما هذا الاضطراب؟ أليس أنتِ التي طالبت مني السعي لفرصة عمل أفضل؟ وقد ضحيت بوظيفتي التي كانت ولله الحمد توفر الحد المناسب لمعيشتنا، وحذرتك من أنك سوف تتحملين بمفردك مسؤولية الأبناء، كيف أترك وظيفتي والعودة للبحث عن فرصة عمل بالكاد توفر حد الكفاف مما أضطر معه إلى تغطية العجز من مدخراتي؟ لمجرد أنك تحتاجينني بجانبك! كيف تستقيم علاقتنا ولا أثق في وفائك بما نتفق عليه؟ لقد اتخذت قراري بالالتزام بما اتفقنا عليه ولن أعرض مستقبلي الوظيفي لأي مخاطرة بالاستجابة لنزواتك، أنت التي طلبت وأصررت عليّ بالسفر وخضعت لطلبك، ولكنني غير مستعد الآن للاستجابة لأهوائك بالعدول عما اتفقنا عليه، وعليك أن تتحملي مسؤولياتك بمفردك ولست أنا، فأنت التي اخترت هذا الوضع وأصررت عليه، وقد رضخت لطلباتك رغم معارضتي..

كان هذا يا أستاذي آخر حديث مع زوجتي التي أكن لها كل حب، وهرعت أكتب إليك لتبصرها لأنها من قرائك وتثق في آرائك، علما بأنها تقيم في محيط العائلة، وتنعم بصحبة الأهل ورعايتهم، وكذلك الأولاد ولا ينقصها شيء.. جزاك الله خيرًا.

الأخ الكريم، دعني في البداية أعلق على بعض الملاحظات في رسالتك:

1- رغم أن الوفاء بالوعد دين، فإنه حتى وإن أقسم المسلم ثم تبين له أن الأولى خلاف ما أقسم عليه فأجدر به أن يكفر عن قسمه ويفعل الأولى: ﴿وَلَا تَجۡعَلُواْ ٱللَّهَ عُرۡضَةٗ لِّأَيۡمَٰنِكُمۡ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصۡلِحُواْ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ﴾ (البقرة: 244).

2- هناك اضطراب في الأولويات لديك؛ فرغم قيمة وأهمية النجاح الوظيفي وقيمة الحصول على المال، فإنه لا يمكن أن يكون ثمن ذلك هو اضطراب حياتك الزوجية.

3- إن من أولويات الحياة الزوجية ألا يضع أحد الزوجين زوجه في عوز ويجرح حياءه بالطلب؛ فما بالنا وإن طلب، إن أي وظيفة مهما ارتقت وأي مال مهما بلغ يمكن تعويضهما، لكن لعلك تتفق معي أنه لا يمكن تعويض الزوجة الصالحة أو الابن الصالح.

4- إننا لا نعيش لندخر، بل ندخر من وقت الوفرة إلى وقت العوز، والإسلام يحث على الوسطية، فلا تقتير ولا إسراف، فما المانع أن تنفق من مدخراتك إن احتجت إلى ذلك؟ ولماذا إذن ادخرت إن لم تلجأ إليها لتغطية احتياجاتك؟

5- رغم قيمة وأهمية وجود الأهل في حياة الزوجين، فإننا يجب ألا نعتقد أن الأهل يمكن أن يعوضوا أيًّا من الزوجين عن الآخر، وإلا لبقي كل عند أهله.

6- لا يمكن مهما كانت المبررات أن يقول أحد الزوجين للآخر كما قلت أنت، لزوجك عليك أن تتحملي مسؤولياتك بمفردك، فأنت التي اخترت هذا الوضع وأصررت عليه، وقد رضحت لطلباتك رغم معارضتي، إن الزواج مركب يمسك كل زوج بمجداف ولا يمكن أن ينجو المركب إذا ركز أحد الزوجين على أدائه الذاتي فقط، ولكن يجب أن يعملا بتناغم، وأن يضبط كل منهما أداءه الزوجي بالتوافق مع زوجه وقد وصانا الرسول ﷺ «رفقا بالقوارير» كما يقال: «الضعيف أمير الركب»... إن الله قد كلف الرجل بالقوامة وهي أن يقوم بشؤون زوجه، أما أن يقال: هي وعدت وعليها أن تلتزم فهذه معان ليست مكانها الأسرة، ولكن يجب أن يشعر كل زوج بطاقة زوجه ويتلطف به ويشعر بحاجاته ويلبيها قبل أن يطلب منه ذلك..

التحليل

زوجة اجتهدت وحملت نفسها مسؤولية عظيمة سعيًا للارتقاء بمستوى أفضل للأبناء، وتم الاتفاق على سفر الأسرة بجانب الزوج صيفًا وزيارة من الزوج للأسرة خلال العام، طلبت الزوجة زيارتين من زوجها خلال العام كيف يجب أن يرى الزوج ذلك؟

أيًّا كانت الأسباب، فكلها إيجابية وتسعد أي زوج، فقد تكون احتياجات زوجية، وهذا دليل حب وارتباط قوي بالزوج، وقد تكون لاحتياجات تربوية للأولاد ولحرص منها على الوجود الطبيعي له معهم، بالرغم مما يمكن أن يوفره الإنترنت من أوقات يومية، وقد تكون نفسية باحتياجها إلى زوجها كشريك حياة معضد لها في إدارة الأسرة... لا يهم، ولكن المهم أنها تطلب زوجها، وهذا حقها الذي يجب أن يسعد ويهنأ به الزوج.

رد فعل الزوج: إننا قد اتفقنا على زيارة واحدة والإخلال بذلك يعرقل ترقيتي! إن تلبية احتياجات الزوجة غاية تفوق النجاح الوظيفي، وأؤكد أنها احتياجات وليست ترفًا أو لهوًا، وهو مطلوب ولكن دون إسراف، هل هناك قيمة أعلى من الجهاد في سبيل الله، القصة معروفة عندما أمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بألا يتغيب الجنود عن زوجاتهم أكثر من أربعة أشهر.

وعندما أتحدث عن الاحتياجات الزوجية لا أقصرها فقط على العلاقة الحميمية. ولكن أقصد بها كل الاحتياجات الوجدانية والنفسية والأسرية قد تفوق ذلك بكثير، ورغم تأكيدي دائمًا أنني لا أتعرض للرأي الفقهي، ولكنني دائمًا أؤكد أن قرار أحد الزوجين بالسفر قرار مشترك لا يحق أن ينفرد به أحدهما مهما كانت الحجج كبناء مستقبل الأسرة مثلا، فهو قد يضيع نفسه أو الأسرة التي كنز من أجلها الدولار والدينار.

إن ثقة زوجتك بك عالية جدًّا، وكذلك ثقتها بنفسها، ويجب أن نقدر فيها أنها لم تتعال وتكابر فهي طبعًا على علم أنها تتراجع عن قرارها، ولكنها وجدت أيًّا كانت أسبابها، فلا حرج أن تعبر عن احتياجها لزوجها، بدلًا من أن تكتم ذلك في نفسها بحجة الالتزام بالوعد وما قد يترتب على ذلك من اضطرابات أو سلبيات.

أنا أتفق معك على قيمة وأهمية النجاح الوظيفي، وهو احتياج نفسي قبل أن يكون مصدرًا للدخل إلا أنني أشعر من بين ثنايا كلماتك أن الاهتمام بذلك مسيطر كلية ومحيط بفكرك لدرجة أنه طغى على احتياجاتك الزوجية، وهذا مؤشر خطر فالأضرار الفسيولوجية لبعد الزوج عن زوجته جمة وتتفاقم بطول المدة ومصدر الخطر أن تتعود على ذلك..

أخي الكريم، حتى تشعر بقيمة ونعمة وفضل الله عليك بهذه الزوجة تخيل لو قالت لك عكس ذلك مثل لا داعي لحضورك، ووفر هذه المبالغ أفضل لنا ويكفي زيارتك لنا في الصيف.

الآثار

إن عدم تلبية طلب الزوجة بزيارتها مرتين -وأرى أن هذا واجبك قبل أن يكون حقها- فقد تنكفئ على ذاتها بعد أن جرحت مشاعرها؛ فتتبلد مشاعرها تجاهك، حتى تستطيع القيام بواجباتها الأسرية الأخرى، دعني أسر إليك أن أقسى ما يمكن أن تواجهه الزوجة هو جرح مشاعرها، والأدهى من ذلك أن تعبر لزوجها عن احتياجها له ويرفض ويتعلل بمبررات أيًّا كانت لا يمكن أن تنسى له تجاهله وقصوره عن فهم أحاسيسها، وقد تثور زوجتك، وأرى أن ذلك أفضل من أن تكبت مشاعرها وتنكفئ على ذاتها.

الحل

استعن بالله وابذل الجهد لتلبية احتياجات زوجتك حتى وإن كان ذلك مما تيسر ولو كان أسبوعًا، ولا أظن مهما كانت مسؤولياتك الوظيفية أن نجاح جهة عملك متوقف على جهودك مهما عظمت، ويمكن التعليل بأن لديك ظروفًا عائلية طارئة، وهذه حقيقة وهذا عذر معتبر ومقدر في كل الأحوال، وأن تسرع إلى أسرتك حتى تستعيد زوجتك ثقتها بذاتها وبك، وأنك ترى أن أسرتك هي القيمة الغالية في حياتك، وتزيل أي انطباع سلبي من نفسها.

وإن حدث ووقفت في مفترق بين اختيارين، فرأيي- والله أعلم- أن الخير والبركة في الآثار الطيبة لاستقرارك العائلي حتى وإن اضطررت للإنفاق مما أفاء الله عليك من المدخرات؛ فلمثل تلك الظروف ادخرتها، وسيعوضك الله وهو خير الرازقين.

أرسل مشكلتك أو أسئلتك باسمك أو بالأحرف الأولى من اسمك على moshkelty1@gmail.com ستجد الحل على هذه الصفحة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل