; (الافتتاحية)ماذا يعني الاجتياح اليهودي لجنوب لبنان؟ | مجلة المجتمع

العنوان (الافتتاحية)ماذا يعني الاجتياح اليهودي لجنوب لبنان؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 10-مايو-1988

مشاهدات 61

نشر في العدد 866

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 10-مايو-1988

ماذا يعني الغزو الإسرائيلي الجديد لجنوب لبنان؟ وهل حقق هذا الغزو أهدافه المرجوة؟ وهل انتهى الغزو بتدمير بلدة ميدون بعد معارك ضارية مع القوى الإسلامية في الجنوب اللبناني؟

تساؤلات كثيرة نطرحها لتحليل أهداف الغزو وأبعاده ونتائجه.

لا شك أن الغزو الإسرائيلي الجديد للجنوب اللبناني مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالانتفاضة الشعبية، فرغم كل وسائل القمع الإسرائيلية المدعومة أمريكيًا إلا أن الانتفاضة مستمرة ومتطورة ومتكيفة مع الأساليب الصهيونية بالغة الدهاء والمكر.

ذلك أن هذه الانتفاضة مستوحاة من أوامر رب العزة، وموصولة بجماهير الشعب الفلسطيني العريضة في الأرض المحتلة، ومنطلقة من أرض مباركة من قبل رب العالمين.

ولذلك يعيش الكيان الإسرائيلي منذ بدأت الانتفاضة هاجس الهزيمة، وتصفية المشروع الصهيوني بأيدٍ متوضئة، تقذف بالحجارة المقدسة وهي تهتف «الله أكبر»، فتصيب من قوات العدو المتغطرس مقتلًا في المعنويات قبل أن تصيب منه مقتلًا في الأفراد أو جراحًا في الأبدان.

وحين تفاعل المسلمون في لبنان - فلسطينيين ولبنانيين - مع الانتفاضة المباركة، وأخذوا يقصفون مستوطنات اليهود الشمالية والإغارة على قواتهم الحدودية ومعسكرات جيشهم بروح فدائية استشهادية لا تعرف الخوف؛ شعر بنو صهيون أن جدارهم الأمني ليس مخترقًا من الداخل فحسب، بل هو مخترق من الخارج أيضًا، فسقطت بذلك نظرية الأمن الصهيوني، ومقولة «سلامة الجليل» المزعومة تبريرًا لغزو لبنان عام 1982.

وتصور اليهود أنهم باغتيال «أبو جهاد» يمكن أن يوقفوا الانتفاضة، فإذا بهذا الاغتيال يزيد من صلابة الانتفاضة ومواجهة شعب فلسطين للعدو اليهودي.

ولذلك تحركوا بسرعة لتمشيط بعض مناطق الجنوب اللبناني بزعم البحث عن القوى الفدائية والإسلامية، فإذا بهم يواجهون في قرية واحدة مقاومة عنيفة، ويتكبدون عددًا من القتلى والجرحى في صفوف الضباط والجنود لم يكونوا يتوقعونه.

فانسحبوا من قرية «ميدون» بعد تدميرها تدميرًا كاملًا، وهي القرية التي لا تبعد عن القوات السورية في قرية «مشغرة» سوى خمسة كيلومترات! واتجهوا إلى منطقة جزين القريبة من صيدا، مما جعل المراقبين يتوقعون استئناف الهجوم على مدينة صيدا والمخيمات الفلسطينية القريبة منها.

وإذا كان اليهود واجهوا مقاومة عنيفة في قرية معزولة وخسروا العديد من القتلى والجرحى، فليس سهلًا عليهم اقتحام مدينة صيدا أو المخيمات الفلسطينية القريبة منها.

ويبدو أن اتفاق أمريكا وروسيا حول القضايا الإقليمية، ومن ضمنها قضية الشرق الأوسط له علاقة بعودة الفلسطينيين إلى سوريا، وبغزو الكيان الصهيوني للبنان، ذلك أن الانتفاضة الفلسطينية طرحت على الساحة السياسية الفلسطينية والعربية والدولية معطيات جديدة، قلبت كثيرًا من الموازين والمعايير، وأعطت مؤشرات إلى إمكانية تغيير جذري في مفهوم القضية الفلسطينية وكيفية التعاطي معها.

ولذلك حاول كل طرف أن يشد الحبل إلى جهته بأقصى قوة وبأسرع ما يمكن قبل أن يفلت الزمام من الأيدي الممسكة بخيوط اللعبة السياسية في الشرق الأوسط.

ولذلك تجددت لعبة محاولة احتواء الحركة الفلسطينية في الخارج بعد أن استعصت الحركة الفلسطينية في الداخل.

وكان لا بد من محاولة عزل التيار الإسلامي في الخارج وتصفيته، بعد أن عجزت القوى الصهيونية في الداخل عن عزل التيار الإسلامي وإبعاده عن مجال الفعل والتأثير.

وهكذا يدخل الغزو الصهيوني للبنان ضمن المحاولات المستميتة للإمساك بزمام الأمور قبل أن تكون هناك طاولة للمفاوضات في إطار مؤتمر دولي أو تحت إشرافه.

وفات أولئك الكبار والصغار والعملاء أن الأمر لم يعد يقرره رجال سياسة أو حتى قادة جيوش، إن الأمر اليوم بيد الشعوب الإسلامية المقهورة التي عرفت طريقها نحو العزة والكرامة، وقد سبق لجيش العدو أن غزا لبنان حتى وصل إلى بيروت، وارتكب الكثير من المجازر، ولكنه عاد في النهاية خائبًا.

ومهما حاولت الدول الكبرى عبر قوات التدخل السريع التي مُنيت بهزيمة منكرة في لبنان، أو عبر قوات صهيونية عاجزة عن إجهاض انتفاضة أطفال يقذفون الحجارة في وجهها، أو عبر أي أدوات أخرى أن تقف حجر عثرة في طريق الشعوب الإسلامية المجاهدة، فلن تستطيع أن تمنع وعد الله للمسلمين بالنصر ولليهود بالهزيمة.

وسيُمنى الجيش الإسرائيلي بالفشل في لبنان بعونه تعالى، كما هو فاشل في فلسطين، وستزداد الثورة الشعبية الجهادية في فلسطين قوةً، وسيلتف حولها المسلمون في كل مكان مهما بدا في الأفق من عوامل إحباط ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ (المعارج:6-7).

فليتحرك المسلمون حيثما كانوا لإنهاء هذا المشروع الصهيوني الذي أنهكته الانتفاضة، وليعودوا - قبل كل شيء - خير أمة أُخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله.

 

الرابط المختصر :