العنوان فرض الكفاية.. وبناء المؤسسات العامة (٨)
الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم
تاريخ النشر السبت 08-ديسمبر-2012
مشاهدات 57
نشر في العدد 2030
نشر في الصفحة 66
السبت 08-ديسمبر-2012
بفضل «فرض العين»، نشأت مؤسسات الخدمة والمرافق العامة في المجتمعات الإسلامية، وكانت في أغلبها بجهود أهلية ومبادرات قام بها المحسنون وفاعلو الخير العام، ونجد في مقدمة تلك المؤسسات المدارس ومكاتب السبيل، والأربطة، والخنقاوات، والتكايا والملاجئ.. وقبل أن نورد بعض النماذج التي توضح مدى اهتمام الواقفين بما أسميناه المؤسسات المدنية المشاركة في أداء المسؤولية الاجتماعية (بالمعنى المعاصر)، فإنه يجب أن نلاحظ أن الوقف كان هو المصدر الأساسي - وكاد أن يكون الوحيد - لدعم تلك المؤسسات ابتداء من نشأتها مرورًا بإدارتها وتمويلها وضمان بقائها واستمرارها في أداء وظائفها، وذلك قيامًا بـ«الواجب الكفائي».
وقد كان هذا الدعم متواصلًا طوال شهور السنة، ولكن شهر رمضان كان مناسبة مهمة لكي تتلقى المدارس والمكاتب والتكايا.. إلخ مزيدا من المخصصات من ريع الأوقاف في صورة نقدية في قليل من الحالات أو عينية، في أغلبها.
نادرًا ما نجد مدرسة - مثلًا - أو مكتبًا لتعليم القرآن، أو تكية قائمة بذاتها مستقلة عن غيرها، وإنما كانت في أغلب الحالات مشتركة مع مؤسسة أخرى أو أكثر ضمن إطار وظيفي - اجتماعي واحد، وكثيرًا ما تطالعنا المصادر التاريخية بمجموعات متكاملة ومتجاورة من تلك المؤسسات كأن يكون المسجد الجامع ملحقا به مدرسة ومكتب وتكية، أو تكون الخانقاة مشتملة على زاوية أو مسجد للصلاة، ومدرسة، وسبيل لتوفير المياه الصالحة للشرب وهكذا.
وثمة أمثلة كثيرة على ما ذكرناه ومن ذلك الآتي:
أ- المدارس:
منها المدرسة الباسطية بالقدس، وكانت مخصصة للأيتام، وكان كل يتيم يتقاضى حسب المعلومات المتوافرة عن سنة ٨٣٤ هـ / ١٤٣٠ م ١٥ درهما شهريًا، وكان يعطى ٣٠ درهمًا بدل كسوة بمناسبة رمضان وعيد الفطر المبارك.
ومن المدارس أيضًا مدرسة الأميرة فاطمة بنت الخديو إسماعيل التي أنشأتها ووقفتها بمدينة المنصورة - بمصر - ووقفت عليها ما يكفي للإنفاق على تعليم البنين والبنات فيها، واختصت شهر رمضان بأن اشترطت شراء كساوى المائة وعشرين تلميذًا وتلميذة من ذلك ستون تلميذًا ذكرًا وستون تلميذة أنثى بشرط أن يكون المائة والعشرون المذكورون من المسلمين الفقراء، وتكون كسوة كل واحد من الستين تلميذًا مشتملة على بنطلون وزكته وصديري من الجوخ الوسط، وطربوش، وقميص ولباس بفتة، وجزمة وشراب، وربطة ياقة .. وتكون كسوة كل واحدة من الستين تلميذة الإناث مشتملة على فستان من الحرير الوسط، وقميص من البفتة الشاش، ولباس من القماش الدبولان، وجزمة وشراب .. بشرط ألا تقل قيمة كل كسوة من المائة والعشرين المذكورة عن جنيهين اثنين مصري - حسب أسعار بداية القرن العشرين - وأن يكون إعطاء الكساوى المذكورة للتلامذة والتلميذات على الوجه المسطور في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المعظم من كل سنة لكل واحد منهم كسوته بيده في محفل يحضره نائب عن ناظر الوقف وناظر المدرسة والمدرسون بها، كما يشتري كساوى لموظفي المدرسة جميعًا، بحيث يشتري لكل موظف بها مسلم كسوة تعادل ملبوسه المعتاد. وتعطى له كسوته في الوقت الذي يعطى فيه للتلاميذ والتلميذات أي في ليلة السابع والعشرين من رمضان.
ب- المكاتب:
مكاتب تحفيظ القرآن تعرف أحيانًا باسم مكاتب السبيل، نظرًا لارتباطها بوجود أسبلة مياه - وهي من إنشاءات الأوقاف أيضًا - وكانت منتشرة في أغلب المدن والحواضر الإسلامية على نطاق واسع عبر مختلف العصور، وبصفة خاصة في العصرين المملوكي والعثماني، وظلت منتشرة حتى مطالع العصر الحديث.. ونسوق مثالاً على ذلك ما وقفه أحمد باشا البدراوي على مكتب تحفيظ القرآن الكريم بمدينة سمنود بمحافظة الغربية بوسط دلتا مصر لشراء مصاحف شريفة، وألواح وأدوات للكتابة وثمن كل ما يلزم للمكتب من فرش وأدوات ونظافة، وأن يكون أولاد الفقراء مقدمين على غيرهم، والأيتام مقدمين على الكل، وأن يصرف للأيتام وأولاد الفقراء طعام يومي من الخبز والأدم المتوسط ما داموا مواظبين على التعليم، وأن يصرف في العشر الأخير من شهر رمضان كل سنة للأيتام الذين يتعلمون بالمكتب وأبناء الفقراء كسوة لكل واحد منهم تشتمل على طربوش، وقميص ولباس وجلابية، وصديري ونعال، بحيث يكون ذلك بحسب الوسط الذين هم فيه.. وهذا النموذج يعتبر مثالا - من أمثلة لا تحصى - على ممارسة الحاكم للمسؤولية الاجتماعية، واختياره ربطها بمناسبة فريضة صوم رمضان.
ج- الخانقاوات والأربطة والتكايا والملاجئ:
جميع تلك المؤسسات كانت من المؤسسات الاجتماعية المدنية التي أنشأتها الأوقاف ومولتها بما تحتاج إليه من مصروفات ونفقات على مدار السنة، وقد أولاها الواقفون اهتمامًا زائدًا على ذلك في شهر رمضان بالذات وحتى تتمكن من التوسعة على المستفيدين منها، وهم من الفقراء والعجزة وكبار السن المنقطعين شعورًا منهم بواجب المشاركة في تحمل أعباء المسؤولية الاجتماعية.
والأمثلة على هذه المؤسسات كثيرة أيضًا، ونشير هنا فقط إلى ما نص عليه إسماعيل بك رفعت في وقفيته - التي أنشأها بالقاهرة - بتاريخ ١٦ جمادى الأولى ١٢٨٤هـ / ١٨٦٧م وهو أن النسوة العجائز الفقيرات المسلمات العجائز عن الكسب الخاليات من الأزواج اللائي يقمن في الرباط الذي أنشأه بباب الخلق بالقاهرة تعطى كل واحدة في شهر رمضان من كل سنة اثنتا عشرة ذراعًا من العبك ( نوع من القماش)، وست أذرع من الشاش وحردة (غطاء للرأس) بلدي».
ما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق هو أن دور نظام الوقف ظل مستمراً في دعم معظم المؤسسات الأهلية المدنية والدينية، مع عدم وجود فصل واضح بين هذه وتلك، ولم ينحسر هذا الدور الذي قام به نظام الوقف إلا مع بداية العصر الحديث حيث حصلت تحولات اجتماعية وسياسية وثقافية عديدة، وظهر نمط جديد للدولة ذات التنظيم الحديث، وذات المؤسسات والبيروقراطية المركزية التي حلت تدريجيًا محل تنظيمات المجتمع الأهلي وفعالياته المدنية الموروثة.
ومعنى ذلك أن النمط الحديث للدولة المستوردة بتقويضه لنظام الوقف كفرض كفائي، أو مندوب كفائي قد أسهم في إحداث فجوة بينه وبين الفرض العيني، وهو هنا الصوم.. وقد نستنتج أن هذه الفجوة حدثت أيضًا بين مختلف التكاليف الشرعية على صعيد الممارسات الاجتماعية لها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل