; تأثيرات انتفاضة الأقصى في تآكل مرتكزات المشروع الصهيوني | مجلة المجتمع

العنوان تأثيرات انتفاضة الأقصى في تآكل مرتكزات المشروع الصهيوني

الكاتب عبد الرحمن فرحانة

تاريخ النشر السبت 29-سبتمبر-2001

مشاهدات 52

نشر في العدد 1470

نشر في الصفحة 34

السبت 29-سبتمبر-2001

عام على انتفاضة الأقصى
التفوق النوعي.. الردع الانتقامي.. الاختراق.. نظريات أمنية صهيونية هدمتها انتفاضة الأقصى
أفرزت المقاومة ميزان خسائر بشريًّا يعادل 2-5 وهي نسبة لم يتكبدها الصهاينة طيلة الحروب التي خاضوها

 رغم المناخ الدولي السائد وما يتصل به من هيمنة أمريكية على مقدرات المنطقة وما يستتبع ذلك من اختلال سافر لميزان القوى لصالح الكيان الصهيوني وهذا ما يبديه ظاهريًّا على أنه كيان متماسك ذو قوة غلابة لا تضاهى وقادر على فرض أبندته على كافة الأطراف رغم ذلك كله إلا أن المراقب المستقرئ لتكوينات البنى الثقافية والاجتماعية والاقتصادية وحتى العسكرية يلحظ ملامح التآكل في المرتكزات الأساسية لهذا المشروع الاستيطاني الطارئ. 
وفي إطار هذا التصور أطرح نبذة خاطفة لملامح التآكل العامة في بنية المشروع ومن ثم انتقل إلى تأثيرات انتفاضة الأقصى في تفعيل عوامل التآكل هذه.
على الصعيد الأول يمكن رصد مظاهر التآكل في المحطات التالية:
-ثقافيًا: فشل المشروع الصهيوني في تحويل كيانه في فلسطين إلى فرن صهر ثقافي  -وهو حلم الصهيونية- لإنتاج هوية يهودية متماسكة، وشواهد هذا الفشل تجسدها أزمة الهوية التي تتحدث عنها الأدبيات الصهيونية الحديثة، ومن مظاهرها الشق العمودي في المجتمع الصهيوني بين العلمانيين والتلموديين وعشرات القوميات المتنافرة في بنية المجتمع، فعلى سبيل المثال تطبع في هذا الكيان ٢٥ صحيفة باللغة الروسية وفي مدينة واحدة هي نتانيا هناك عشرات المكتبات باللغة نفسها بسبب عجز الروس عن الاندماج والتعبير عن ذاتهم باللغة العبرية، وفي الإطار نفسه تندرج ظاهرة المؤرخين الجدد مثل آفي شلايم وإيلان بابه وعاموس وغيرهم الذين يهدمون الأس العقائدي للصهيونية حينما يقرون بأن الحركة الصهيونية ما هي إلا امتداد للحملة الاستعمارية الغربية على الشرق الإسلامي وليست حركة تحرر قومي، وينادون بانتهاء الصهيونية، داعين إلى طرح فكر جديد لما بعد الصهيونية وتحويل الكيان الصهيوني إلى دولة ديمقراطية عادية -دولة مواطنيها- أي لجميع القوميات التي تتشكل منها حتى إن الأساس التاريخي الذي أقيم عليه المشروع تعرض للاهتزاز والتصدع حينما نشر عالم الآثار البروفيسور في جامعة تل أبيب زئيف هيرتسوغ في صحيفة هارتس مقالًا يقلل ويشكك من الوجود الإسرائيلي التاريخي في فلسطين وينسف مقولة وجود الهيكل، وقد تبعه آخرون في هذا التوجه مما أثار ضجة عارمة ضد هذا التيار، وأصدر بعض الحاخامات فتاوى بهرطقته.
-جغرافيًّا: تظهر ملامح الانحسار الجغرافي للمشروع الصهيوني من خلال التتبع التاريخي لمراحل نشأته، فمعروف أن الأحلام الصهيونية ممتدة من النيل إلى الفرات إلا أن أول ضربة تعرضت لها الفكرة الصهيونية كانت عام ١٩٢٠م عندما تراجعت بريطانيا وسلخت الأردن من مشروع الوطن القومي لليهود كما كان يطالب وایزمان. وبعد عقود تراجع المشروع من سيناء وفق اتفاقية كامب ديفيد وهي تعادل بمساحتها ضعفي مساحة فلسطين، ثم تراجع عن جنوب لبنان، وها هو الآن يفاوض القيادة الفلسطينية الحالية على بضعة كيلو مترات في الضفة والقطاع بعد أن انحصر في 78% من مساحة فلسطين التاريخية. 
-ديمغرافيًّا: استهدف المشروع نقل معظم يهود العالم الـ ١٦ مليون في بداية القرن إلى فلسطين، إلا أن الصورة الديمغرافية في فلسطين التاريخية بعد أكثر من نصف قرن من الجهد الصهيوني ليست في صالح المشروع الصهيوني، وهناك دراسة لنائب رئيس مركز أبحاث الأمن القومي في جامعة حيفا البروفيسور أرنون سوفير تؤكد أن اليهود سيصبحون أقلية في فلسطين التاريخية ابتداءً من العام القادم وحسب دراسته سيشكلون عام ٢٠٢٠م فقط ما نسبته ٤٢% فقط من السكان، أما النسبة الباقية فستكون من العرب.
وقد صرح عضو الكنيست هاشم محاميد بأن الحكومة الصهيونية أنشأت قسمًا جديدًا في وزارة العمل والرفاه الاجتماعي لزيادة نسبة المواليد اليهود لاعتقاد الخبراء الصهاينة بأن اليهود سيشكلون فقط ثلث السكان في فلسطين التاريخية.

-اقتصاديًّا: الرافعة الأساسية لبقاء المشروع الصهيوني هو الدعم الاقتصادي الغربي غير المحدود، فالإحصاءات تشير إلى أن أمريكا قد خسرت بسبب دعمها للمشروع الصهيوني منذ نشأة الكيان وحتى عقد التسعينيات ما يقارب ١٦٨ مليار دولار، بينما دفعت ألمانيا ما يزيد على 30 مليار دولار، وما زال ۲۰۰ ألف يهودي في الكيان يتلقون تعويضات سنوية مقدارها ۸۰۰ ألف دولار سنويًّا لما يسمى بجرائم النازية وتشكل الهبات والقروض والمساعدات والاستثمارات الغربية للكيان حوالي ٥٠% من دخله القومي وفي الاتجاه ذاته تشير التقديرات إلى أن نصيب كل مواطن يهودي في فلسطين من المساعدات الغربية يصل إلى أكثر من ٢٥٠٠ دولار سنويًّا ورغم هذا الحقن الاقتصادي الضخم فقد بلغ العجز السنوي في ميزانية عام ٢٠٠٠م نحو 2,4 مليار دولار، كما أن الديون تعدت ۲۲ مليارًا.

تأثيرات انتفاضة الأقصى في تآكل المشروع الصهيوني
التأثيرات على النظرية الأمنية الصهيونية: تمكنت المقاومة رغم بساطة وسائلها من تحييد فاعلية الكثير من مرتكزات نظرية الأمن الصهيونية، فخلال شهور الانتفاضة بفاعلياتها التي بلغت آلاف العمليات العسكرية المتنوعة وشملت بنية الاستيطان ومدن العمق وكل مظاهر الحياة للمستوطن اليهودي بالإضافة إلى الآلة العسكرية الصهيونية. وبسبب تنوع وانتشار واختراق المقاومة لأدق المراكز الحساسة وشمولها لكافة مرافق الحياة فقد نتج عن ذلك إعطاب العديد من المكونات الأساسية لنظرية الأمن الصهيونية منها :
-أبطلت المقاومة مبدأ أساسيًّا في نظرية الأمن الصهيونية هو التفوق النوعي والردع، فقد حيدت القنابل البشرية -الاستشهاديون- قدرات التفوق النوعي العسكري لدى الصهاينة، وبكلمات أخرى ماذا تجدي القنبلة النووية الصهيونية القابعة في القبو مع استشهادي يضرب في مدن العمق ويخلف خسائر بحجم صاروخ بالستي متوسط الحجم؟!. وفي نفس السياق فقد تعطلت فاعلية الردع تمامًا لأن الأسلحة المتقدمة نوعيًّا والمدمرة استراتيجيًّا تعجز عن ردع ظاهرة الاستشهاديين.
-صيغت نظرية الأمن الصهيونية على قاعدة تحقيق الحدود الآمنة والضربة الاستباقية ونقل المعركة إلى أرض العدو.. وبطبيعة الحال فقد تمكنت المقاومة من زعزعة المفاهيم السابقة لتشكل وجعًا قاتلًا في القلب الصهيوني، وذلك بنقلها المعركة إلى أحشاء الكيان وفي عمقه الاستراتيجي.
-أفشلت المقاومة مفهوم الردع بالعقاب «الردع الانتقامي» الذي يتبناه الصهاينة، فالمتتبع لوتيرة الفعاليات الجهادية يلمس بجلاء كثافة العمليات بعد أية عملية انتقامية من جانب الصهاينة بعكس الهدف المتوخى منها، بل أن المقاومة أنتجت معادلة جديدة هي توازن الرعب بين الطرفين رغم اختلال ميزان القوة بينهما. 
-شكلت انتفاضة الأقصى ما يشبه حالة حرب الاستنزاف، وهذا ما لا يحتمله الكيان الصهيوني بسبب تكوينه الاستيطاني.. ويعد إنتاج هذه الحالة إنجازًا إيجابيًّا لأن فيه هدمًا لمفهوم آخر من المفاهيم الأمنية لدى الصهاينة وهو تقليل زمن الحرب والاعتماد على الحرب الخاطفة.
-رغم التفوق العسكري النوعي للجانب الصهيوني وكثافة نيرانه إلا أن المقاومة أفرزت ميزان خسائر بشريًّا يعادل ٢ - ٥ وهي نسبة لم تصلها الخسائر البشرية لدى العدو طيلة الحروب التي خاضها. وفي الوجه الآخر فهو إنجاز يلغي مرتكزًا آخر من مرتكزات العقيدة العسكرية المتمثل باستخدام القذائف الذكية الموجهة وتكثيف النيران لتقليل الخسائر البشرية.
-إيجاد نوع من الندية في المواجهة على صعيد القصف المتبادل رغم ضعف كثافة النيران لدى الطرف الفلسطيني، وفي هذا الإطار فقد عملت قاذفات الهاون على خلخلة الوجود الاستيطاني في قطاع غزة وحتى في الأراضي التي احتلت عام ١٩٤٨م.
-وبمفهوم أشمل فقد هدمت المقاومة نظرية الاختراق للمفكر الاستراتيجي هاركابي الداعية لعملية التسوية على قاعدة أوسلو لتفكيك مكونات الصراع الدينية والقومية.
وكمؤشرات ميدانية على تراجع الحالة الأمنية يمكن إدراج التقريرين الصادرين عن صحيفتي معاريف وتل أبيب تايمز حيث ذكرا أن حالة السخط والانهيار في قوات الاحتياط بلغت حد التهديد بالإضراب، وفي ذات السياق نشأ تنظيم باسم «نوبة إفاقة» رفع أنصاره عبارة «قوات الاحتياط الإسرائيلية أصبحت مجموعة من الحمقى». وقال أحد هؤلاء الرافضين للخدمة العسكرية -حسبما ذكرت صحيفة البيان الإماراتية التي نشرت مقتطفات من التقريرين المذكورين أنفًا-: «إن الساسة في إسرائيل ينظرون إلينا على أننا حمير يركبونها بدون حتى كلمة تقدير» ويضيفون: «قوات الاحتياط توشك على الانكسار والانهيار». وقد بلغ عدد الجنود والضباط الذين أودعوا السجن بسبب رفضهم الخدمة حوالي ٦٠٠ من العسكر. بالإضافة إلى حوالي ۲5۰۰ من جنود الاحتياط الذين تغيبوا هربًا من الخدمة.
وفيما يتعلق بالروح المعنوية لدى الجنود فيتحدث عنها الجندي في موقع مرغانيت في شريط غوش قطيف الاستيطاني في قطاع غزة حيث يقول لضباطه مبررًا عدم هجومه على المجاهدين الفلسطينيين حينما اقتحموا موقعه العسكري.. «إنني لم أكن على استعداد لأن أموت من أجل زملائي»، وهي كلمات حيرت الخبراء السيكولوجيين في الجيش الصهيوني.

تأثيرات على الاستيطان
«أنا لا آمن على أطفالي الذاهبين إلى رياض الأطفال والمدرسة وأصبحت أقوم بإرسالهم بسيارتي الخاصة عوضًا عن الحافلات الخاصة بالمدارس ورياض الأطفال... أنتم الفلسطينيون تعيشون في أمان رغم كل شيء وتواجهون الأوضاع بمعنويات غير عادية تذهلنا، أما نحن فما يحصل لدينا هو أشبه بالخيال، إنه انهيار نفسي وخوف ليس له حدود».
الكلمات الآنفة هي لمستوطن يهودي يعيش في قلب الكيان الصهيوني -تل أبيب- وقد بثها في اتصال هاتفي مع فلسطيني كان يعمل لديه قبل الانتفاضة. وهي أبلغ تعبير عن تدني مستوى الروح المعنوية لدى الصهاينة بسبب تآكل الأمن الشخصي للأفراد وفي كافة مناشط الحياة. 
وفي مستوطنات الضفة الغربية وقطاع غزة يبدو الوضع أشد قسوة وأكثر تعقيدًا، إذ تشير بعض التقارير الصهيونية إلى أن ٤٠% من المستوطنات قد فرغت من سكانها، وتذكر صحيفة هارتس بتاريخ 9/8/2001م أن نسبة شراء الشقق بالضفة والقطاع انخفضت بنسبة ٥٠٪، كما أن أعمال البناء تضررت إلى حد كبير، وفي محاولة للتغلب على هذه المشكلة صادقت لجنة المالية في الكنيست على قرار يشجع المقاولين على البناء في المستوطنات -في المناطق التي يسكنها التلموديون وهم الفئة الأكثر تمسكًا بالاستيطان ويشكلون ٤٠% من مستوطني الضفة والقطاع- يقضي بصرف منحة قدرها ٦٠٠٠ دولار مقدمة من وزارة المالية لكل مقاول يشيد منزلًا واحدًا. ولرفع الروح المعنوية قررت الحكومة منح سيارة مرسيدس مصفحة لكل أسرة من المستوطنين يقتل منها فرد. وفي نفس السياق طلبت الجبهة الداخلية في الجيش الصهيوني من وزارة المالية زيادة نصف مليار شيكل بهدف زيادة التحصين والحماية، على أن يخصص معظمها لتصفيح الباصات والسيارات التابعة للمجالس المحلية وسيارات الإسعاف والإطفاء.
وفي مؤشر على تردي الحالة الاقتصادية لهذه المستوطنات أعلن رئيس مجلس مستوطنات غور الأردن دافيد ليفي إن مستوطنات الغور على وشك الإفلاس، وأنه بدون مساعدة عاجلة من الحكومة سينتهي الاستيطان في منطقة الغور. وتأكيدًا لذلك يقول تامير شلومي سكرتير مستوطنة يافيت في نفس المنطقة: إن أغلبية الأعمال التجارية في ملتقى الغور قد توقفت، كما أن مكتب «كوبات حوليم لئوميت» -للخدمة الصحية- قد أغلق وتوازى مع ذلك تهديد شركتي بيزك للاتصالات والكهرباء بإيقاف خدمات الكهرباء والهاتف بسبب عدم سداد فواتير الشركتين من قبل المستوطنين بالمنطقة، وانضمت شركة مكروت للمياه لهذه الحملة إذ أعلنت عن نيتها القيام بقطع المياه ما لم تُسدد ديونها على هذه المستوطنات. 
الأمر الأكثر خطورة ما ذكرته صحيفة جيروزاليم بوست بتاريخ 25/8/2001 م من أن 1,5 مليون يهودي قد غادروا الكيان الصهيوني منذ بداية الانتفاضة.

تأثيرات على الاقتصاد
مؤثرات الانتفاضة على الاقتصاد الصهيوني هائلة بكل المقاييس، فقد عصفت به وأدخلته في أزمة عميقة وأسقطته في ركود لم يشهده من قبل، وقد شملت الأزمة وهي الأطول في تاريخ الكيان القطاعين الحكومي والخاص وكافة مناشط الاقتصاد الصهيوني. «وهذا الأمر يناقش تقرير آخر في ص 4».
واللافت ما نشرته مؤخرًا صحيفة معاريف حول قيام العديد من كبار رجال الأعمال والمستثمرين الأجانب وأبناء عائلاتهم بمغادرة الكيان الصهيوني على أثر تفجيرات نيويورك وواشنطن، ومن بين المغادرين رجال أعمال ومستثمرون من اليابان والولايات المتحدة يعملون في قطاع الصناعات الإلكترونية، مبررين رحيلهم بتوقعات تدهور الأحوال الأمنية في الكيان الصهيوني على أثر إحداث أمريكا الأخيرة، ومن بين الذين قرروا الرحيل مديرو وكالة السيارات اليابانية ميتسوبيشي ومديرو الشركات الإلكترونية «نیشر» و«هيتوشي» و«طوكيو إلكترونيكا» و«توشيبا» و«بنك الاستثمارات سوميتومو»، كذلك قرر قسم كبير من العاملين في شركة «موتورولا» مغادرة الكيان.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل