العنوان رابطة «آسيان».. هل تحافظ على مكانتها العملاقة في القرن القادم؟.. أسرع منطقة نامية ورابع تكتل تجاري في العالم
الكاتب صهيب جاسم
تاريخ النشر الثلاثاء 28-أكتوبر-1997
مشاهدات 58
نشر في العدد 1273
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 28-أكتوبر-1997
• آسيا تجذب ربع الاستثمار العالمي.. والصين تأتي بعد الولايات المتحدة في جذب الأموال الأجنبية
• تقرير للأمم المتحدة: دول جنوب شرق آسيا ستستمر في قدرتها على جذب الأموال الأجنبية
لعبت آسيا دورًا متألقًا في جذب الأموال الخارجية المستثمرة إلى دولها في العام الماضي ١٩٩٦م، وكانت نجمة الملعب الأسيوية هي الصين التي التفت حول معظم منافسيها من دول شرق وجنوب شرق آسيا الساعية طلبًا للدولارات المستثمرة وسط الازدهار الذي يشهده هذا القطاع عالميًّا، حيث رفعت الشركات الإقليمية من ميزانياتها للمشاريع الدولية.
وذكر تقرير الأمم المتحدة الصادر في جنيف عن هذا الموضوع بأن الاستثمارات الأجنبية قد زادت بنسبة ١٠% «٣٤٩ مليار دولار» في عام ١٩٩٦م وأشار تقرير الأمم المتحدة الصادر عن مؤتمر التجارة والتنمية بأن الحجم الحقيقي للاستثمارات كان يمكن أن يصل إلى ١.٤ تريليون دولار إذا أضيفت رءوس الأموال الواردة من الشركات المحلية والمستثمرة داخليًّا أو في الأسواق المالية الدولية.
وقد كان أهم عامل وراء ارتفاع حجم هذه الأموال هو توسيع الأسواق وليس البحث عن الأيدي العاملة الرخيصة، ويقول السكرتير العام لمؤتمر التجارة والتنمية روبنس ريكوبيرو: إن آسيا «عدا اليابان» جذبت إليها ۸۱ مليار دولار أو ما يقارب ربع الحجم الكلي من الأموال الأجنبية المستثمرة للعام الماضي، وهو نسبة أفضل من الحجم الذي جذبته نفس القارة في عام ١٩٩٥م وبزيادة قدرها ٢٥%.
ومن بين الدول الأسيوية برزت الصين لتكون الثانية في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية في جذب الأموال الأجنبية والأكبر بين الدول الأسيوية، بل وبين الدول النامية ككل وللسنة الخامسة على التوالي، فقد دخل إلى السوق الصينية ٤٢ مليار دولار، وهو ما يقارب نصف حجم الأموال الواردة لآسيا، وقد ارتفع هذا المبلغ بسرعة عندما أسرع المستثمرون للدخول بأموالهم قبل شهر إبريل ليحصلوا على امتيازات تفصيلية للأموال الأجنبية والتي يسخرونها بعد هذا الموعد، والعامل الآخر هو سياسة الحكومة الصينية الجديدة والتي تسعى نحو دفع الأموال المستثمرة إلى مناطق وسط غرب الصين التي تمتلك ثروات طبيعية هائلة وعدم التركيز فقط على المناطق الشرقية والجنوبية التي عرفت بدورها الاقتصادي سابقًا، ولقد ارتفع معدل الاستثمار في هذه المناطق الجديدة بنسبة ٣٥% مقارنة بنسبة نمو قدرها 18% للاستثمارات الأجنبية في الصين ككل.
منطقة استثمارية واحدة
أحد أشكال استجابة آسيان لتحدي جذب الاستثمارات الأجنبية هو استمرارها في دعم الاقتصاد والتجارة المنفتحة وتعزيز الاستثمار في المنطقة من خلال مشروع «منطقة آسيان الاستثمارية»، وهي اتفاقية كتلة استثمارية ستكتمل مرحلة الإعداد لها ويبدأ تطبيقها فعليًّا مع حلول عام ٢٠١٠م، أهم خاصية لهذا المشروع التعاوني الإقليمي هو إبراز دول آسيان كمنطقة استثمارية واحدة للاستفادة من مميزات وقوى كل بلد، فبعض البلدان لديها عمالة رفيعة وبعضها لديها ثروات طبيعية لم يستفد منها حتى الآن، والأخرى لديها مهارات في الإدارة والتصنيع أو أنها تحتضن المكاتب الرئيسية لكبرى الشركات في المنطقة... إلخ، وبتطبيق هذا المشروع فإن ما يأمله اقتصاديو آسيان هو أن تحرير تدفق الأسهم الأجنبية سوف يخلق ازدهارًا استثماريًّا جديدًا في المنطقة.
وإذا عدنا لأزمة «البات» التايلندي الذي جر معه العملات الإندونيسية والماليزية والفلبينية إلى قاع بحر أسواق المضاربة، فإن بعض المحللين يعتبرون ذلك إضرابًا مؤقتًا، وتتحدث دراسات مختلفة عن معدلات نمو جيدة في العام القادم خاصة أنه يمكن لدول آسيان الاستفادة من الأزمة للتفكير في إعادة بناء اقتصاديات بلدانهم من أجل نمو طويل المدى، وترى النظرة التفاؤلية للأزمة الحالية أن دول آسيان ما زالت في مستوى جيد مع أن الشركات ستحصل على أرباح أقل نسبيًّا مقارنة بالأعوام الماضية، كما أن هناك تطابقًا بين الفلبين وماليزيا وإندونيسيا فيما يتعلق بالفترة الزمنية التي يحتاجها كل بلد ليتعافى اقتصاديًّا والتي قدرها المراقبون بـ٦ أشهر كحد أدنى يعود الاقتصاد إلى مستقره ووضعه السابق، وبالرغم من أن النمو قد يبقى بطيئًا حتى الربع الثالث من عام ۱۹۹۸م فإن من المتوقع أن تحرز هذه الدول خاصة ماليزيا معدل نمو يتراوح بين ٦- ٧.٥% على الأقل.
سوق العملة
وحول سوق العملة يتوقع بعض الاقتصاديين عودته لما كان عليه مع بداية العام القادم ومع بقاء أسعار الفائدة مرتفعة نسبيًّا حتى العام القادم أيضًا، وفيما يتعلق بالرنغت الماليزي الذي قارب سعر صرفه مقابل الدولار أربعة رنغات فإنه قد لا يعود حسب إحدى الدراسات بمستوى ۲.۷ و۲.۸ هذا الاضطراب الإقليمي كان له تأثير على تسرب رءوس الأموال المستمرة المضاربة «استثمارات أجنبية قصيرة المدى» إلى الخارج، لكن أثره على الاستثمارات الأجنبية طويلة المدى كان أقل من ذلك، المستثمرون أخذوا موقف مراقبة الأحداث وانتظار حدوث أي تغيير إيجابي.
وكان النشاط الاستثماري في الدول الأسيوية الصناعية الجديدة وهي سنغافورة، هونج كونج، كوريا الجنوبية، وتايوان، ارتفع بنسبة ٢٧% «١٥ مليار دولار»، وكانت الأفضل بين هذه الدول الأربعة سنغافورة التي جذبت إليها 9 مليارات، وكانت المجموعة الثانية من الدول الصناعية الجديدة في المرتبة الثالثة في آسيا حيث جذبت تایلند، ماليزيا، إندونيسيا، الفلبين ١٧ مليار دولار وبنسبة نمو قدرها ٤٣% لكن التقرير حذر من أن تايلند تحتاج إلى تطوير وتنويع قاعدتها الصناعية «لأنها بدأت في فقدان تقدمها التنافسي» في صناعاتها التي تحوز على نصيب الأسد من الأموال الأجنبية مثل الصناعات ذات الصفة التكثيفية من جانب حجم العمالة المتخصصة.. وقد انحدر اقتصاد تایلند هذا الصيف وسط ركام من الديون وغرق العملة التايلندية، مما دفع سوق الأموال والأوراق المالية بجيرانها نحو الانهيار وتنشيط خروج الأموال المستثمرة ذات المدى القصير من المنطقة.
وقد لاحظ التقرير أن دول رابطة جنوب شرق آسيا «ماليزيا- إندونيسيا- تایلند- الفلبين- سنغافورة- بروناي- لاوس- ماينمار- فيتنام» التسعة قد تراجعت في حجم نصيبها من الأموال الأجنبية المستثمرة في آسيا ككل ومن نسبة ٦١% في السنة المالية «۱۹۹۰- ۱۹۹۱م» إلى أقل من النصف بين عام «١٩٩٤م- ١٩٩٦م»، أحد أسباب هذا الهبوط هو عنق الزجاجة الذي تعاني منه مشاريع البنية التحتية خاصة في تايلند.
وفي فيتنام كمثال آخر هبطت نسبة الأموال الأجنبية المستثمرة بصورة كبيرة في الأحد عشر شهرًا من عام ١٩٩٦م، لكن مشروعين كبيرين في الشهر الأخير من العام نفسه رفعت مجموع حجم الأموال المستثمرة إلى 9 مليارات، وهي أكثر من حجم عام ١٩٩٥م نسبة 29%.
وبالعودة إلى الهند التي جذبت ٢.٦ مليار دولار في عام ١٩٩٦م من الأموال الأجنبية المستثمرة المباشرة ولأول مرة على مجموعة كبيرة من المشاريع المستثمرة بنسبة نمو عالية ٣٤% مقارنة بما كانت عليه عام ١٩٩٥م، أحد أسباب هذا الصعود الهندي في مجال الاستثمارات الأجنبية هو حفز الشركات الأسيوية إليها، فكوريا الجنوبية مثلًا من المتوقع أن توظف ٤ مليارات دولار في العامين القادمين متقدمة على كبار المستثمرين التقليديين في السوق الهندية وهما الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وبذلك يصبح أكبر المستثمرين في الهند أسيويًّا.. كما أن الشركات الأسيوية من شرق وجنوب شرق آسيا بدأت تضع في حسبانها مناطق جديدة موسعة أفقها ليضم أوربا الشرقية وشبه القارة الهندية وآسيا الوسطى وإفريقيا بدلًا من التركيز السابق على أمريكا وأستراليا وأمريكا اللاتينية فقط، وبذلك ارتفعت الأموال المستثمرة الخارجة من هذه المنطقة العام الماضي بنسبة ١٠% ووصل حجمها إلى ٤٦ مليار دولار، ويبرز بين هذه الدول هونج كونج بمبلغ ٢٧ مليارًا لتكون أكثر اللاعبين مغامرة خارج أراضيها.. وأما كتلة الشركات الست الكبيرة في كوريا الجنوبية فقد بدأت تقترب من هدفها الساعي لاستثمار ۸۰ مليار دولار خارج الأراضي الكورية قبل حلول عام ٢٠٠٥م.
أما دول أمريكا اللاتينية فإنها تتسلق وراء آسيا لتقوية مساعيها نحو الانفتاح الاقتصادي فلقد جذبت القارة إليها ۳۹ مليار دولار في العام الماضي بنسبة نمو قدرها ٥٢% عما جذبته من أموال أجنبية في عام ١٩٩٥م وهو أعلى معدل نمو بين عامي ١٩٩٥م- ١٩٩٦م بين الدول النامية، وسحبت البرازيل إليها ۱۰ مليارات كأكبر جاذب للأموال الأجنبية في القارة وتلتها المكسيك ٨ مليارات، ثم الأرجنتين ٤.٥ مليات.
ولكن ما زالت الدول «الغنية» مسيطرة على ساحة الاستثمارات الأجنبية المباشرة مع أن الفاصل بينها وبين الدول النامية بدأ بالتناقص بصورة ٦٠% من الأموال المستثمرة الواردة و۸٥٪ من الأموال المستثمرة الصادرة في عام ١٩٩٦م، ومن مناطق العالم جميعها كان وسط وشرق أوربا المنطقة الوحيدة التي انخفض فيها معدل الأموال المستثمرة.
دول آسيان والاستجابة للواقع
توقع نفس التقرير الذي صدر بعنوان «تقرير الاستثمار الدولي» بأن تنمو الاستثمارات الأجنبية المباشرة في جنوب شرق آسيا هذا العام بالرغم من البطء الاقتصادي واضطراب العملة، ومن المتوقع أن تبقى آسيا في المرتبة الأدنى من حيث النمو الاقتصادي بين الدول النامية هذا بالرغم من الهبوط الذي حدث في حجم التصدير الكلي الذي يرى التقرير أنها لن تؤثر على المدى الطويل على جذب الأموال الأجنبية، هذا مع أن صندوق النقد الدولي قد تراجع عن توقعاته الأولى من أن معدل النمو لدول المنطقة سيكون ٧.٥% لكن تقرير الأمم المتحدة يبدو واثقًا من أن جنوب شرق آسيا ستستمر في قدرتها على جذب الأموال الأجنبية بدون ذكر أرقام متوقعة لعام ١٩٩٧م.
لكن وبغض النظر عما ذكره التقرير فإن دول رابطة جنوب شرق آسيا «آسيان» تحتاج لأن تكون أكثر مغامرة وحنكة في جذب الأموال الأجنبية المستثمرة خاصة في الأوضاع الاقتصادية المضطربة حاليًا، ومع ازدياد الحجم الكلي للاستثمارات الأجنبية، فإن ذلك رفع من حدة المنافسة، خاصة بين الصين وهونج كونج ودول الجوار الأخرى، وهو تحد آخر لدول آسيان.
لقد كان مجموع الاستثمارات الأجنبية المباشرة في خمسة من دول آسيان التسعة «ماليزيا- إندونيسيا- سنغافورة- تايلند- الفلبين» ١٤.٩ مليار دولار في عام ١٩٩٤م، و٢٠.٧ مليار دولار في عام ۱۹۹٥م، وفي العام الماضي وحسب ما ذكرته إحدى الإحصائيات انخفض نصیب دول آسيان الخمسة بالإضافة إلى فيتنام من مجموع الأموال المستثمرة في آسيا، من ٦١% في عام ١٩٩٥م إلى أقل من ٤٥% في عام ١٩٩٦م، وقد توقع أحد المحللين الاقتصاديين زيادة تدفق الاستثمارات الأجنبية إذا استطاعت الشركات الأجنبية كسب أرباح كبيرة على المدى الطويل، وشدد كيفن بهلمونت في حديثه في مؤتمر اتحاد المحاسبين لدول آسيان العاشر على أهمية رفع مستوى القدرات التنافسية و«الجاذبية» لاستثمارات طويلة المدى تضع في حسبانها تأسيس مجمعات صناعية ومراكز رئيسية ومراكز تطوير أبحاث لشركات أجنبية في المنطقة، ويرى كيفن في المؤتمر الذي عقد بعنوان «تحدي الاستثمار العالمي ٩٧ استجابة دول آسيان» بأن على شركات دول المنطقة أن تخرج من حدود بلدها لتطور قاعدتها وتحسن من مستوى النمو، خاصة أن كثيرًا من كبار الشركات أو حتى ذات الصناعات المتوسطة بدأت تتحدث عن السباق الإقليمي مثل «استراتيجية آسيان»، ولم تعد تضيق استراتيجياتها ببلدان معينة في خططها الاستثمارية.
أحد النقاط الإيجابية لمنطقة آسيان هو سير دولها نحو اقتصاد السوق الواحدة من خلال الخطط التعاونية لرابطة آسيان في المجال الاقتصادي، وبالتالي ستكمل كل دولة منهم الأخرى ولكن التحدي الآخر الذي طرحه المراقبون في الأسابيع الأخيرة هو احتمال تأخر تطبيق خطط التعاون الاقتصادي الإقليمي بسبب الاضطراب الاقتصادي الحالي.. بالإضافة إلى تحديات أخرى ستواجه دول آسيان ومنها أنها لم تعد الدول الوحيدة في آسيا ذات العمالة الرخيصة والتي كانت أهم دوافع الشركات لكن يبقى تميز دول آسيان بنوعية العمالة وقدرتها على منافسة الصين والهند في مهارة وإنتاجية عمالتها، ولذلك فالتعليم مهم جدًّا كسلاح جدید تمتلكه دول آسيان بعد فقدانها «نسبيًّا» السيطرة على سوق العمالة الرخيصة مع وجود دول مثل: مانيمار «بورما سابقًا» ولاوس ذات عمالة رخيصة تقارب أسعار العمالة الهندية والصينية، لكنها تفتقد المهارات التي تمتلكها دول آسيان الأخرى، بالإضافة إلى ذلك فإن لدول آسيان الحق في أن تطالب بنصيبها في الأسواق الاستثمارية المجدية مثل الصين والهند من خلال المستثمرة فيها سنغافورة مثلًا من أكبر المستثمرين في الصين.
تحتاج دول آسيان إلى زيادة تصديرها مع أن المراقبين لاحظوا أن بعض المواد والسلع المصدرة تعتمد في موادها الخام على الاستيراد.. فالصناعات الفليبينية الكهربائية تعتمد على المواد المستوردة نسبة ۷۰- 80% من الولايات المتحدة الأمريكية، ولذلك فالأرباح ليست كبيرة.. كذلك تحتاج دول آسيان إلى التركيز أكبر على الصناعات المتقدمة بدلًا من مجرد التجميع والتركيب، لكن الباحثين يحذرون من التسرع في الدخول في هذا المجال خاصة فيما يتعلق بصناعة تكنولوجيا المعلومات، فقد تكون النتيجة على غير ما خطط لها.
أما المنافسة في جذب الاستثمارات الأجنبية بين دول آسيان فهو ليس بذلك التنافس الشديد مع أن سنغافورة جذبت أكبر حجم من الاستثمارات الأجنبية في المنطقة بين عامي ١٩٩٠م- ١٩٩٥م «عدا عام ١٩٩٣م».. لكن كثيرًا من دول آسيان الأخرى بدأت تلحق بسنغافورة.
وسوف تبقى دول آسيان لها أهميتها في القرن القادم، فهي كأسرع منطقة نامية في العالم رغم ما أصابها من اضطراب، ورابع أكبر تكتل تجاري في العالم، ولا ننسى عدد سكان دولها الذي وصل إلى ٥٠٠ مليون نسمة، بينهم ٢٥٠ مليونًا مسلمون.