; ثمار الشجرة الرمضانية | مجلة المجتمع

العنوان ثمار الشجرة الرمضانية

الكاتب نور الهدي سعد

تاريخ النشر السبت 16-أكتوبر-2004

مشاهدات 71

نشر في العدد 1623

نشر في الصفحة 56

السبت 16-أكتوبر-2004

مصطفى صادق الرافعي: لو عم الصوم الإسلامي أهل الأرض جميعًا لآل معناه إلى تطهير العالم من رذائله وفساده ومحق الأثرة والبخل فيه.. فيهبط كل رجل وكل امرأة إلى أعماق نفسه ومكامنها ليفهم في طبيعة جسمه -لا في الكتب- معاني الصبر والثبات والإرادة

الأخلاق قابلة للتغير والترشد.. والعبادات في مقدمة ما يكفل للنفوس صلاحها وللأرواح سموها

أبواب القول الحسن المهجورة كثيرة.. والصوم وسيلة المجاهدة النفس على ترك آفات اللسان التي استشرت بين المسلمين

يكشف تأمل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183) عن إعجاز بلاغي متفرد. ف تتقون هنا تحمل دلالات غزيرة وسخية إلى أبعد الحدود، إذ يتمازج في لفظة واحدة معنى التقوى القلبية مع الوقاية الصحية مع الاتقاء النفسي.. ويتحول الفعل الواحد تتقون إلى كنز من المعاني وأفق رحب من الاستثارة العقلية التي تدفعنا إلى تخيل ما نشاء من مفاهيم للتقوى لم تحددها الآية ليستشعر قارنها ما فيها من ثراء وعمق، فيرى الصوم -كما أراده الله سبحانه وتعالى- فريضة، «حرمان» ظاهر، «وسخاء» كامن، فهي تعطي الجسد والنفس والعقل والروح ما يجعل الحرمان المادي من الطعام والشراب والغريزة في نهار رمضان مقابلًا ضئيلًا جدا للعطاء الزاخر الذي تمنحه للمسلم فريضة الصوم.

داعي الخير

فالصيام فرصة سنوية «للتغيير»... التغيير الفردي الذي يسفر في المحصلة النهائية عن تغيير جمعي، وهذا التغيير يحتاج حتى يحدث إلى عقد النية وصدقها.. وشحذ الإرادة الفاعلة لتحقيقه فهو فضلًا عن أنه عطاء رباني، هو أيضًا ثمرة العزم على تغيير النفس الذي يكافئ الله عباده عليه «بتغييرهم» إلى الأفضل ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْۗ﴾ (الرعد: ١١)

وقد أثبتت دراسات وأبحاث كثيرة عربية وغربية الجدوى الواضحة للصوم في الوقاية الصحية والجسدية، ولكن «تتقون» تتجاوز هذا المعني إلى الوقاية القلبية من الآفات السلوكية من الرذائل والنفسية من الأحقاد والضغائن والشح.

فالقلب الذي يخامره الهوى فيغريه بالشر يمثل الصيام بالنسبة له داعي الخير- إن أراد صاحبه أن ينجيه من المهالك.

والقائلون بأن الطبع يغلب التطبع، ومن ثم يستحيل تغيير الخصال والطبائع.. يرد عليهم الإمام الشيخ ابن قدامة المقدسي في «مختصر منهاج القاصدين» بأنه لو كانت الأخلاق لا تقبل التغيير لم يكن للمواعظ والوصايا معنى كما أنه ليس المقصود قمع الصفات كلية، بل تهذيبها وحملها على الاعتدال الذي قد يكون موجودًا في فطرة المخلوق أو يحدث بالاكتساب ورياضة النفس على الأعمال الجالبة للخلق المطلوب، فمن أراد تحصيل خلق الجود فليتكلف فعل الجواد من البذل حتى يصير ذلك طبعًا له، وكذلك من أراد التواضع تكلف أفعال المتواضعين... وهكذا.

وهذا التكلف هو ما يرادف إرادة تغيير النفس التي يشحذها الصوم ويقويها، بعد أن يعرض المسلم نفسه على جملة الأخلاق الحميدة ليرى موضعه منها بتجرد حتى يكتشف عيوب نفسه، ويجتهد في إصلاحها. 

وتأتي العبادات كما يقول الشيخ الغزالي «رحمه الله» في مقدمة ما يكفل للنفوس صلاحها، فهي مدارج الكمال المنشود ومراحل الطريق إلى سمو الروح ورضوان الله.

ومن رحمة الله بعباده أن يأجرهم على النية، حتى لو لم يكتمل العمل، فإذا عقد المسلم نيته على أن يتغير إلى الأفضل في رمضان، ثم حال حائل دون أن يحدث هذا من وفاة أو مرض أو خلافه، فقد حصل أجر النية، خاصة وأن استقامة طبع النفس واعتدال ميولها وضبط شهواتها يحتاج إلى أمد طويل وتربية ممتدة، وجهاد لا يستعجل المرء نتائجه.

ثبوت الهلال.. والإرادة: وفي «وحي القلم» يتساءل الأديب مصطفى صادق الرافعي تساؤل المنبهر بمعجزة الصوم آية معجزة إصلاحية أعجب من هذه المعجزة الإسلامية التي تقضي بأن يحذف من الإنسانية كلها تاريخ البطن ثلاثين يومًا ليحل محله تاريخ النفس؟ ويردف أنه مع إثبات رؤية الهلال وإعلانها إثبات الإرادة وإعلانها أيضًا، فالصائم يمتنع باختياره عن شهواته ولذة حيوانيته مصرًا على الامتناع متهيئًا له بعزيمته صابرًا عليه بأخلاق الصبر.. وهذه هي الفرصة العملية التي جعلوها أساسًا في تكوين الإرادة.. إذ هل تبلغ الإرادة فيما تبلغ أعلى من منزلتها حين تجعل شهوات المرء مذعنة لفكره منقادة للوازع النفسي فيه؟ ويقسم الرافعي على أن الصوم الإسلامي لو عم أهل الأرض جميعًا لآل معناه إلى تطهير العالم من رذائله وفساده ومحق الأثرة والبخل فيه فيهبط كل رجل وكل امرأة إلى أعماق نفسه ومكامنها ليفهم في طبيعة جسمه -لا في الكتب- معاني الصبر والثبات والإرادة ويؤول الرافعي تتقون في آية الصوم من الاتقاء، مفسرًا تأويله بأنه بالصوم يتقي الإنسان على نفسه أن يكون كالحيوان الذي شريعته معدته، ويتقي ما بين يديه وما خلفه إذ إن ما بين يديه هو الحاضر من طباعه وأخلاقه، وما خلفه هو الجيل الذي سيرث هذه الطباع والأخلاق، وبهذا التأويل -كما يقول الرافعي- تتوجه الآية الكريمة جهة فلسفية عالية لا يأتي البيان ولا العلم ولا الفلسفة بأوجز ولا أكمل من لفظها.

هذا ما يفعله الصوم في النفس حين يتجاوز البطون إلى الجوارح فيطهر اللسان من آفاته، وينظف الصدر من سمومه... ويحمي اليد من الإمساك والشح.

إن رمضان فرصتنا السائحة لتجعل ألسنتنا حاصدة للحسنات بدلًا من أن تكبنا على وجوهنا في نار جهنم، ولتجعل صدورنا حين تسلم من الغل والحسد أبوابًا إلى الجنة، ولنحظى بدعاء الملائكة لنا بالخلف حين تنفق ونسخو.

فلنتذكر في هذا الشهر الكريم أبواب الكلام المنسية التي هجرها الناس، ومنها كما يقول الأستاذ سعيد حوى في المستخلص في تزكية الأنفس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتناصح بين الناس، والذكر وتعليم الجاهل والتحدث بنعم الله والدعاء للمسلمين بظهر الغيب وإفشاء السلام والتبشير بالخير وإسداء المشورة والدعاء لصاحب المعروف وإعلان البراءة من البدع والمعاصي.

وفي ذات الوقت الذي نوطن فيه ألسنتنا على قول الخير علينا أن نروضها على ترك آفات القول التي استشرت بين المسلمين مثل المراء والجدال والتشدق وتكلف السجع والتفحش وإفشاء السر والمدح المبالغ فيه والسؤال عما لا يفيد وسب الأموات واحتقار المسلمين والمن بالمعروف.

حرب على الشح

لقد أولى الإسلام أهمية بالغة للكلمة. وأثرها في الدنيا والآخرة ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (إبراهيم: 24-27).

وقال ﷺ: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يلقي لها بالًا يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالًا يهوى بها في جهنم».

ورمضان بما فيه من سمو بالأرواح منزوع إلى الطاعات بيئة خصبة لتهذيب القول.

أما سلامة الصدر فليس أدل على محوريتها في الرؤية الإسلامية من أنها مطلب المؤمنين ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحشر: 10).

كما أن الصحابي الذي وصفه الرسول ﷺ بأنه «رجل من أهل الجنة» لم يبلغ هذه المنزلة. ويحظ بتلك المكانة إلا بشيء واحد هو سلامة صدره من الأحقاد والحسد والضغينة والغل والبطن والفرج اللذان صاما عن الشهوة ابتغاء أجر الله.. على صاحبهما أيضًا أن يجعل صدره يصوم عن أدرانه ليكون أزكى وأنقى وحسب من يحمل في صدره شحناء وحسدًا وبغضًا ألا تقبل صلاته وألا يرفع عمله حين ترفع الأعمال إلى الله، فإن مات وقلبه كما هو كانت النار مصفاة لهذا القلب الذي لم يتطهر في الدنيا.

أما الإمساك والشح فهما يوردان صاحبهما المهالك فدعوة الإسلام، كما يقول الشيخ الغزالي «رحمه الله» إلى الجود والإنفاق مستفيضة مطردة، وحربه على البخل موصولة مطردة.. ويكفي أن يكون سببًا لجريان سنة الاستبدال على الناس ﴿هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ (محمد: 38).

ومقاومة نوازع الشح والبخل في النفس جهاد مأجور، وحين يكون الصوم صومًا -أيضًا- عن إمساك اليد عن الإنفاق تتحقق منه غاية عظمى وسنة كريمة، فقد كان الرسول ﷺ في رمضان أجود من الريح المرسلة، ولكن بعض الصائمين لا يدركون عمق الصلة بين الصوم والإنفاق، فكلاهما مجاهدة للنفس الأول مقاومة لشهوتي البطن والفرج، والإنفاق مدافعة لشهوة كنز المال وإمساكه.

والمسلم الفطن هو من يجعل رمضان شهرًا للخلف لا «للتلف» ويستدر فيه دعاء الملائكة له اللهم أعط منفقًا خلفًا وأعط ممسكًا تلفًا.

 إن صيامًا يصل بالمسلم إلى لسان عفيف وقلب سليم ويد منفقة هو نعمة كبرى، وفضل واسع يستحقهما من يريدهما ويجاهد دونهما.. يستحقهما من يبذل الوسع في صعود الشجرة الرمضانية الباسقة ليقتطف من ثمارها السخية لا من يجلس تحتها مسترضيًا لاهيًا منتظرًا سقوط الثمار على رأسه.

الرابط المختصر :