العنوان المجتمع التربوي [1553]
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 31-مايو-2003
مشاهدات 77
نشر في العدد 1553
نشر في الصفحة 56
السبت 31-مايو-2003
وقفة تربوية
بعد انقشاع غبار الفتنة
لا بد لنا من وقفات بعد أن انقشع شيء من غبار الفتنة التي وقعت أحداثها في العراق وشاركت فيها الألسن أكثر من القنابل والمدافع فكم من الأحداث يقع في هذا العالم وتقف الحركة الإسلامية عاجزة عن الاستفادة أو توظيف الحدث لصالحها. والقليلون من فصائل الحركة الإسلامية هم الذين ينظرون إلى الأحداث نظرة شرعية عقلانية واقعية بعيدًا عن العاطفة ليخرجوا بأكبر كم من الفائدة.
أما غالب أبناء الحركة الإسلامية فإنهم يكررون نفس الأخطاء مع كل حدث عالمي يكون جزءًا من العالم الإسلامي طرفًا فيه ويقبلون طواعية بالسير في ركب الجمهور ومع أمواجه العاتية خوفًا من ذلك الموج أن يجرفهم، والقليلون هم الذين يقفون أمام ذلك الموج، ويتحملون الكثير من الآلام في سبيل الوقوف مع ما يعتقدون حقًا، وعندما نقلب صفحات التاريخ الحديث نرى الكثير من هذه الأخطاء المكررة واللدغات المتوالية، دون أن نرى -حتى هذه اللحظة- صحوة بعد هذه اللدغات.
فبالأمس القريب صفق البعض لابن بلاء العائد للإسلام الذي سيقود راية الإسلام، ثم تبين غير ذلك، ومنهم من صفق «للقذافي» الذي توهموا أنه القائد الإسلامي المنتظر، ثم تبين أنه من أشد المحاربين للإسلام، ثم جاء دجال القرن العشرين «صدام حسين»، وخدع الإسلاميين باستخدام بعض آيات القرآن ووضع شعار الله أكبر على علمه، وأعلن الحرب على أمريكا، فهتف بعض الإسلاميين له، وقالوا: قد عاد صلاح الدين وكم خرجت فتاوى تؤيد القتال تحت رايته وهم يعلمون أنه من أكبر الحاقدين على الإسلام والظالمين في العصر الحديث. فمتى نتعلم من الأحداث ومتى نستمر بتصديق كل ناعق بتمسح بالإسلام؟! .
أبو خلاد
albelali@bashaer.org
السيد الشامي (*)
(*) خدمة مركز الإعلام العربي-القاهرة
الرسول وعبقرية بناء الوحدة
- أرسى ﷺ دعائم الوحدة على قاعدة التوحيد بمعناه العقدي والفكري فكانت خير وحدة عرفتها البشرية
هلا نتذكر المبادئ والمثل والقيم التي جاء بها النبي، ومنها التوحيد والوحدة لقد بعث النبي في قوم فرقتهم الحروب والنزاعات والعصبيات وشتتتهم القبلية والعنصرية فهناك سادة وعبيد، وهناك ثارات وغارات، وهناك فرقة واختلافات
ولذلك كانت بعثة النبي هي النعمة التي أنعم الله بها على هذه البشرية وتلك الأمة، ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (آل عمران: 103)
فمن أعداء متحاربين إلى إخوان متحابين ومن قبائل متفرقين إلى صفوف متراصين، وهنا تتجلى عبقرية الرسول ﷺ في توحيد ووحدة الأمة تمهيدا لوحدة الإنسانية كلها، فالرسالة الإسلامية التي جاء بها النبي كانت رسالة إنقاذ للبشرية من ناحيتين:
الأولى: إنقاذ من الفرقة والاختلاف
والثانية: إنقاذ من الكفر والشرك، ولذلك كان عليه ﷺ وهو يرسي دعائم الوحدة يرسيها على أسس صلبة وقاعدة متينة، وكان ذلك الأساس وتلك القاعدة قاعدة التوحيد بمعناها العقدي والفكري، فالتوحيد أي توحيد الله كان الأساس الأول لبناء الوحدة، فلا وحدة بدون توحيد ولا توحيد بدون توحد ووحدة، فإذا وحدت الأمة ربها توحدت واتحدث، وإذا كفرت وأشركت تفرقت واختلفت، فالإخوة صنو الإيمان والتفرق أخو الكفر ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: 10) ،﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ (آل عمران: 100) والكفر هنا بمعنى التفرق والاختلاف، وهكذا نجد أن الإيمان والتوحيد أساس الوحدة والكفر أخو التفرق.
إن الاعتصام بحبل الله وتوحيد الله كانا هما الأساس الذي أقام عليه النبي دعائم الوحدة وكان الحجر الأساس لبناء هذه الوحدة هو ما دعا إليه النبي الناس من الإذعان والخضوع لله لا مشركين ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (المؤمنون: 52)، فالناس كلهم أبناء آدم فهم أبناء رجل واحد وامرأة واحدة، وهم من أصل واحد، ومن نفس واحدة فكيف يتفرقون
إن سعادة الأمة ورفعتها لا تكون إلا عن طريق وحدتها والتئام شملها، كما أن شقاءها وتلاشي عظمتها وذهاب ريحها إنما ينشأ عن اختلاف الكلمة وتضارب الأفكار وتباين المقاصد، ومن أجل هذا أراد الرسول ﷺ من المسلمين أن يقيموا وحدتهم الإسلامية على أساس يجعلهم متحدين متوافقين في كل شيء في العقيدة والعبادة والاتجاه والمقصد واللغة والوطن والأخلاق والثقافة والزي والعادات والتقاليد والدفاع المشترك والتضامن والتكافل حتى تصبح الأمة يدًا واحدة تحقيقا لقول الرسول: «المسلمون أمة واحدة تتكافًا دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم على يد من سواهم».
ولم تكن الوحدة التي دعا إليها النبي ﷺ مجرد شعار رفعه ليجمع حوله قبيلته أو قومه أو مجرد نظرية قومية لتحقيق طموحات شخصية، بل كانت عقيدة آمن بها ودعا إليها وأرسى مبادئها بكل الوسائل، وهنا تتجلى عبقريته في بناء الوحدة، وإذا أردنا اليوم بناء وحدة إسلامي وإنسانية فلابد من تلمس خطى النبي في هذا الاتجاه.
لقد كان التوحيد وإرساء العقيدة الصحيحة هما الأساس الذي أقام عليه النبي صرح الوحدة فوحدة العقيدة هي الحجر الأساس لبناء الوحدة وهنا كان أول ما دعا إليه النبي هي كلمة التوحيد التي يدخل بها الفرد إلى الإسلام ومجتمع المسلمين، فكانت الشهادة هي الرابطة الأولى الجميع المسلمين على اختلاف أجناسهم وألوانهم فالرب واحد والخالق واحد والمعبود واحد، فكيف يتفرق العبيد؟ ولذلك فإن اختلاف الأمة وتفرقها إنما يكون عندما تخبو أنوار التوحيد في نفوس المسلمين، وعندما يتركون الفكرة الواحدة والعقيدة الواحدة إلى أفكار متضاربة وطرق متخلفة ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ﴾ (آل عمران: 103) فما دام هناك اعتصام بحبل الله ودين الله فلا تفرق ولا اختلاف ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (الأنعام: 153)، ولذلك يأسى المسلم عندما يرى المسلمين اليوم متفرقين وأشتاتًا متباعدين فرقتهم الأهواء والشهوات والتعصب البغيض، وما علموا أن هذه الفرقة دليل وهن العقيدة وضعف الإيمان كيف لأمة.. ربها واحد وعقيدتها واحدة، وقبلتهم واحدة، ونبيها واحد أن تختلف؟ فهذا سني وذاك شيعي، وهؤلاء معتدلون، وأولئك متشددون إن الإسلام لا يعرف هذه الأسماء، ولا هذه العصبيات، ولا تلك التصنيفات فنحن مسلمون وكفى.
ولم تكن الدعوة إلى وحدة العقيدة هي فقط من دعا إليه النبي، فقد بعث النبي والعرب يعتزون برؤيتهم إلى درجة التعصب البغيض والتفاخر لأنساب والأصول، فحارب النبي ﷺ هذه العصبية، وهذا التحزب لأن التعصب من عوائق الوحدة وأرشد الناس إلى ضرورة عدم السخرية بالآخرين رجالًا ونساء ونهاهم عن اللمز والتنابز بالألقاب والظن والتجسس والغيبة، ودعاهم إلى معارف وكان القرآن هو العلاج الرباني لتلك الأعراض ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 11:13)
وبدأ الرسول بنفسه في تطبيق هذه المبادئ والأحكام، فصاحب الفقراء وتودد إليهم وأمر الحبشي أن يؤذن في الناس ويدعوهم إلى الصلاة، وقربه منه وولاه شؤون أموال الدولة في يده تجري الجوائز للوقود من كبار القوم يزيد بن حارثة أحد مواليه فضرب به عصبية له في الصميم إذ اختاره صهرًا له، وزوجه ابنة عمته زينب بنت جحش ثم ولاه قيادة جيش فيه الكثير من أكابر الصحابة وأعلام العرب ولى ابنه أسامة بعده قيادة الجيش، وهو شاب لا يتجاوز العشرين، وهكذا بمثل هذه الممارسات نبه النبي الجميع في بوتقة الإسلام ومحضن وأمان
ثم جاءت شعائر الإسلام لتؤكد معنى عدة، ففي الصلاة يتعلم المسلمون معنى الوحدة ومعنى الجماعة ومعنى الصف الواحد وملف المستوي، وفي هذه الصلاة يتجه المسلمون مدار اليوم والليلة إلى قبلة واحدة، فالمسلمون في الشمال والجنوب والشرق والغرب كلهم هون إلى الكعبة ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (البقرة: 144)
واعتبر الرسول البلاد الإسلامية كلها وطنًا واحدًا فأوجب على المسلمين أجمعين حمايتها والدفاع عنها والعمل على إسعاد أهلها ومنع الظلم عنهم، حتى إنه لم ينه عن البر بغير المسلمين إذا لم يقاتلوا المسلمين الموجودين في دينهم، وهو ما يعرف اليوم بحق المواطنة.
ثم كان الحج إلى بيت الله الحرام ليتخذ المسلمون من أم القرى عاصمة لمملكتهم الإسلامية، لا يفتنهم منها أحد ولا يتأثرون بأي أجنبي حين حرم الله على غير المسلمين دخول المسجد الحرام. ودعاهم إلى عقد مؤتمر لهم هناك للتفاهم والتشاور وتبادل الرأي ما من شأنه أن يحكم روابط الإخوة والوحدة المسلمين، وشرع لهم من مناسك الحج ما يجعلهم يتعارفون في عدة أماكن متفرقة.
وشرع الرسول ﷺ توحيد الزي بين المسلمين في الحج، وقد لفت النظر بذلك إلى ما في توحيد الزي من المزايا التي تشعر بعظمة الأمة وتمام وحدتها وعمل على تثبيت هذه الفكرة في نفوس المسلمين، كما حذرهم من التشبه بغيرهم من الأمم في هيئتهم وفي بعض أزيائهم لأن في التشبه بهم احتقار المسلم لزيه الأصلي وإعجابه بالزي الآخر، ومن هنا كان النهي عن تشبه الرجل بالمرأة وتشبه المرأة بالرجل، بل ولعن الرجل الذي يلبس لبسة المرأة، أو المرأة التي تلبس لبسة الرجل.
ولم يكتف الرسول بهذا، بل عمل على غرس بذور الحب المتبادل في قلوب المسلمين وأحكام روابط الإخوة العامة فيما بينهم، ونهاهم عن كل ما من شأنه أن يولد الضغائن والعداء في النفوس أو يدعو إلى التحاسد. وجاءت الأحاديث تؤكد هذه المعاني فقال ﷺ: «لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ولا يكذبه بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه، ويقول: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» ويقول «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» ويقول «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» «ليس المؤمن بطعان ولا لعان ولا فاحش ولا بذيء». ويقول: ألا أخبركم بشراركم؟ قالوا: بلى قال هم المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون للبراء العيب»
إن معنى الوحدة الذي أكدته آيات القرآن وأحاديث النبي ومارسه النبي في حياته يبني أمة واحدة متحدة على الفكرة الواحدة والشعيرة الواحدة والقبلة الواحدة والقيادة الواحدة وحدة بناها على الأساس المتين الذي يجمع ولا يفرق أساس التوحيد وإخلاص العبودية لله سبحانه وتعالى إن هذه الوحدة لهي المخرج مما يعانيه المسلمون اليوم من هوان وذلة، وما تفرق المسلمون اليوم إلا من بعد ما جاءتهم الأفكار الوضعية واتبعوا السبل وترك سبيل الله، فوجهوا سهامهم إلى صدور إخوانهم ونسوا وصية نبيهم في حجة الوداع: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض».
ألم يحدث أن تقاتلت دول إسلامية سنين طويلة، واستنزفت قواها ودمرت ثرواتها وخربت اقتصادها؟ ألم يحدث أن كثيرًا من المسلمين يضرب بعضهم رقاب بعض إن لم يكن بالسلاح فبالكلمة والطعن والغمز واللمز والغيبة والنميمة ماذا ترى في الحوارات التي تجرى على معظم الفضائيات أليس هو السباب الذي نهى عنه الرسول، والذي يولد الضغائن والأحقاد بين المسلمين؟
لماذا هذه العصبية البغيضة التي قال عنها النبي «ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من مات على عصبية»؟ وقال عندما رأى بعض أتباعه يتحدثون عنها: «دعوها فإنها منتنة».
إن كثيرين يدعون إلى العصبية إن لم يكن بلسان المقال فبلسان الحال، وليس هذا من هدي الإسلام ولا من تعاليم النبي ﷺ الذي أرسله الله رحمة للعالمين.
إن الله سبحانه وتعالى، دعا الناس جميعًا إلى التعارف والتآلف.﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13) وإذا كان هذا بين شعوب مسلمة وغير مسلمة فإنها بين المسلمين بعضهم بعضًا أوجب وأكد أن التحديات التي تواجه المسلمين اليوم لتوجب عليهم وتفرض عليهم أن يتوحدوا فالوحدة فريضة إسلامية ، ولا خلافة لا تقوم إلا إذا تحققت الوحدة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وإن قضايانا في فلسطين والعراق والشيشان والفلبين وكشمير وقضايا المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها من المسلمين وغير المسلمين لتدعو المسلمين إلى أن يتوحدوا ويعتصموا بحبل الله جميعًا ولا يتفرقوا .
- حديث مع القلب
إيهاب صلاح العشري
حدثني قلبي ذات يوم وقال: إلى متى ستظل هكذا؟ فقلت: ماذا تقصد؟ ومن تعني؟ قال: أقصد أمتي الغالية. إلى متى ستظل هكذا؟ قلت: مهلًا إنني لا أفهمك.
قال: إنني كلما استعرضت حال أمتي أعتصر المًا وحزنًا وكمدًا. ماذا حدث؟ ألهذه الدرجة وصلت بنا الحال والهوان؟
قلت لقلبي لم أرك حزينًا كهذه اللحظة ولكن لك الحق أن تحزن
قال: أتصدق؟ لقد أصبحنا غثاء كغثاء السيل لقد تداعت علينا الأمم كما تداعت الأكلة إلى قصعتها لقد أصبحنا في ذيل الأمم بعدما كنا سادة الدنيا، حدثني ما الذي جرى؟ ما الذي !!حدث؟
قلت: إنها سنة «إلهية» لا تحابي أحدًا.
قال: إننا جاوزنا المليار ولدينا العلماء والعقول والمثقفون. ولدينا البحار والأنهار والثروات والنفط ولدينا الطاقات التي تجعلنا سادة الدنيا ومع ذلك أرى عكس ذلك.
أتصدق أننا أكثر الأمم فقرًا وتخلفًا؟! أتصدق أنني كلما مررت بدولة مسلمة وجدتها أسوأ حالًا من أختها؟!
قلت له: بالله عليك أخبرني ما الحل لما نحن فيه؟!
قال: اسمع مني. أتظن أن الله سينصرنا ونحن على هذه الحال من البعد عنه فقلت بالطبع لا. قال: فهذه أولى خطوات العلاج أن نعود إلى كتاب ربنا عز وجل وإلى سنة نبينا ﷺ ففيهما الخير والفلاح والنجاح لقوله ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 96)
قلت: ثم ماذا؟
قال: لا بد أن تكون لدينا الرغبة القوية في التغيير والتطوير إلى الأفضل لأن الله عز وجل لن ينصرنا إلا إذا انتصرنا على أنفسنا وأصلحنا شأنها ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11) فلابد أن نرى الله من أنفسنا خيرًا حتى تكون أهلًا لنصرته وتأييده.
قلت ثم ماذا قال قبل أن أجيبك اسمح لي أن أسألك سؤالًا؟
قلت: سل؟ قال هل وجد فينا المعلم القدوة والمهندس القدوة والطبيب القدوة والمحامي البارع الذي يجعل الدفاع عن الحق قضيته الأولى؟
سكت خجلًا ولم أجبه.
فقال: ها أنت ذا قد سكت ولم تجبني.
قلت: والله لقد سكت خجلًا لأنني ليس لدي ما أقوله.
قال: إذا يوم يكون لدينا المربي القدوة الذي يرتفع بأبناء الأمة إلى العلا فسوف ننجح، ويوم يكون لدينا الطبيب ذو العلم الغزير والفن الدقيق نكون قد اقتربنا من النصر، ويوم يوجد المهندس البارع نكون قد قصرنا الطريق واقتربنا أكثر من النجاح. ماذا أقول أكثر من ذلك!!.
قلت: قل كل ما تريد. إن حديثك ذو شجون ومادام هدفنا واحدًا فسوف نقترب أكثر من سبل النصر.
قال: ها قد فهمتِ إننا لابد أن نحرص على وحدة الأمة وأن نكون على قلب رجل واحد. كفى فرقة وإعجابًا من كل ذي رأي برأيه. كفى مهاجمة لكل جهد يكون في صالح الأمة، وبدلًا أن نضيع أوقاتنا ونستنفد طاقتنا في مهاجمة الآخرين دعونا نتحد ونبني ويشد بعضنا بعضًا إلى الخير والفلاح.
قلت: وماذا نفعل في بعض أصحاب السلطة الذين إذا تقدم لهم من يمد يد العون ويدعوهم إلى الحوار والترابط قالوا: إنك تريد قلب نظام الحكم وتريد السلطة.
قال: لنسلك كل السبل المشروعة المتاحة ولا نكل من المطالبة بحقوقنا بالطرق المشروعة وإن شاء الله النصر قادم وإن طال الطريق.
قلت: أتصدقني أنني كلما شاهدت التلفزيون وانتقلت من قناة إلى أخرى لم أجد سوى الإسفاف والعري والفجور.
قال: وهذا من الطامة الكبرى فلابد أن يساعد الإعلام في بناء الأمة بدلًا من هدمها، لابد من استراتيجية إعلامية تهدف إلى إعادة الأمة إلى أصالتها وصوابها بدلًا من تضليلها، وأنا أهمس في أذن الإعلاميين أن اتقوا الله في دينكم ودنياكم ولا تصارعوا سنن الكون فإنها غلابة.
أه يا قلبي أريد أن أجلس معك طويلًا فحديثك لا يمل ولكني مرهق من العمل طوال اليوم وأريد أن أخلد للنوم الذي طار من عيني بعد حديث معك. لكن أعدك يا قلبي بأني سوف أبدأ بتغيير نفسي إلى الأفضل وسأبذل كل ما أستطيع من أجل أن نعيد للأمة مجدها وعزها، وإذا لم يحدث ذلك فعلى الأقل سيأجرنا الله عز وجل على أني مهتم بأمر الأمة، وأسأل الله عز وجل أن يثبتني على ذلك خيرًا.
- سر الإخاء
لك الحمد ربي على خيرك العميم وفضلك العظيم، ألفت بين قلوبنا، ووحدت صفوفنا، وكبت عدونا، رغم مظاهر علوه وجبروته. وبعد.
ها هي سفينتا الغراء تمخر عباب البحر في رحلة سعيدة، قبطانها الإخاء وأشرعتها الود والصفاء لترسو بنا على شاطئ العفو والتسامح.
إن يبل مصطنع الإخاء فإننا
نغدو ونسري في إخاء تالد
أو يختلف ماء الوصال فماؤنا
عذب تحدر من غمام واحد
أو يفترق نسب يؤلف بيننا
دينا أقمناه مقام الوالد
ولعل شيئًا يختلج في صدورنا فنتساءل: ما الأخوة التي نقصدها؟ فأقول أخي: إن أخوتنا في الله رباط إيماني يقوم على منهج الله، ينبثق من التقوى ويرتكز على الاعتصام بحبل الله.
نعم أخي الأخوة منحة قدسية، وإشراقة ربانية، ونفحة إلهية يغدقها الله على قلوب المخلصين من عباده، والأصفياء من أوليائه والأتقياء من خلقه الذين علم منهم صدق إيمانهم وعمق إخلاصهم.
نعم أخي: إنها قوة إيمانية نفسية تورث الشعور العميق بالمحبة والعاطفة والاحترام والثقة المتبادلة بين الذين تربطهم أواصر العقيدة ووشائج الإيمان والتقوى، ولذا أحبتي في الله. كانت الأخوة في الله صفة ملازمة للإيمان وخصلة مرافقة للتقوى، إذ لا أخوة بدون إيمان ولا إيمان بدون أخوة.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: 10)
وما أجمل ما ذكره الشيخ سيد قطب في شرحه لقوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ (الزخرف: 67) قال: إن عداء الأخلاء ينبع من معين ودادهم. لقد كانوا في الحياة الدنيا يجمعون على الشر ويملي بعضهم لبعض في الضلال، فاليوم يتلاومون واليوم يلقي بعضهم على بعض تبعة الضلال وعاقبة الشر، واليوم ينقلبون إلى خصوم يتلاحون من حيث كانوا أخلاء يتناجون «إلا المتقين».
فهؤلاء مودتهم باقية، فقد كان اجتماعهم على الهدى، وتناصحهم على الخير وعاقبتهم إلى النجاة.
- الصبر نصف الإيمان
محمد مصطفى ناصيف
دأب النبي الكريم على تربية أصحابه الكرام تربية تجريدية من كل هوى وشائبة تربية توجيهية للقلوب الحواس إلى رضوان الله تعالى، وإلى الصبر والدعوة. وقد حرص أعداء الإسلام على تغيير المعاني الإسلامية السامية بنشر مفاهيم خاطئة، وتوظيف الكلمات لغير معانيها الأصلية، فمثلًا: التضحية والبذل صارتا تهورًا وإلقاء بالنفس إلى التهلكة وأصبح معنى الصبر والصابرين التردد على ألسنتهم قبول الخضوع والخنوع والاستسلام وهو مغاير للمعنى الصحيح.
فالصبر لغة من صبر بمعنى الجلد، ولم يشكُ، وصبر عن الشيء أمسك عنه، والصبر شرعًا حبس النفس عن الجزع، ومنعها عن محارم الله. وإلزامها أداء فرائض الله.
وهذه كلمات مضيئة في الصبر وأنواعه:
الصبر: خلق فاضل، يمتنع به عن كل ما لا يحسن ولا يجمل.
الصبر: حبس النفس عن الجزع والتسخط وحبس اللسان عن الشكوى
والصبر: كنز من كنوز الخير. لا يعطيه الله عز وجل إلا لعبد كريم عنده.
أفضل منازل الطاعة الصبر عن المعصية ثم الصبر على الطاعة.
الصالحون في المؤمنين قليل، والصابرون في الصالحين قليل.
ذروة الإيمان الصبر والرضا بالقدر، فقد قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه «أصبحت وما بي سرور إلا في مواضع القدر»
والصبر من الأمور كمنزلة الرأس من الجسد، فإذا فارق الرأس الجسد فسد الجسد. وإذا فارق الصبر الأمور. فسدت الأمور.
من ادّرع بدرع الصبر. سلم من سهام العجلة.
أفضل العدة. الصبر عند الشدة.
الصبر جنة واقية. وعزة باقية
السعيد من قمع بالصبر شهوته، فالصبر مطية تكبو
الصبر حصن منيع المكان. مشيد البنيان
وفي الأثر: الإيمان نصفان نصف صبر، نصف شكر
والصبر في القرآن على ثلاثة أوجه، وهو فضيلة تعدد درجاتها في حياة الإنسان:
1. الصبر على طاعة الله: وذلك في التمسك بأدائها والمداومة عليها والقيام بها دون تكاسل أو إهمال وذلك بالثبات على القرآن والسنة وتحقيق ما جاء بهما.
2. الصبر عن المعاصي: وهو الحرص الموصول الدائم على تجنبها بالمقاومة الجادة لها. والابتعاد عن الأسباب التي تزين للإنسان اقتراف المنكرات، وفي هذا يقول ابن القيم في مدارج السالكين: الصبر عن المعصية بمطالعة الوعيد الذي هو إبقاء على الإيمان، وحذر من الحرام، وأحسن منها الصبر عن المعصية حياء، فقد قال رسول الله ﷺ «والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم بسطة من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم».
3. الصبر على الابتلاء والنوازل فقد وجه الإسلام المؤمنين إلى الرضا بقضاء الله وقدره، في كل ما ينجزه القضاء والقدر في أمره وأن ما يأتي به القضاء والقدر لا كسب للإنسان منه ولا مسؤولية عليه، بل هو خير في حقيقة أمره. وإن كان ظاهره مكروهًا. وموجعًا.
إلى رحمة الله يا أبا رياض
جاني الخبر عبر الهاتف -وأنا بالأردن ينعي أخي ورفيق دربي من أكثر من نصف قرن الأخ الحبيب عبد الرحمن محمد الديحان.
طافت بي الذكريات إلى تلك الأيام الحافلة بالحيوية والنشاط حيث كنا ثلة من الشباب المسلم في الزبير لا يتجاوز عددها أصابع اليد تحمل هم الإسلام والمسلمين ونقطع الليالي الطوال في دراسة أحوالهم والعمل لما يصلح مجتمعاتهم، وتبذل قصارى الجهد في تجميع الشباب على مائدة القرآن الكريم، ومنهج الإسلام، وتربيتهم في المساجد والخلوات والكتائب والرحلات والمعسكرات والمخيمات والدروس والمحاضرات.
وقد كان للأخ أبي رياض دوره الفاعل المؤثر، حيث كان يولي الشباب جل عنايته ومعظم وقته، ويفتح لهم قلبه ويستوعب مشكلاتهم ويساعدهم على تذليل العقبات في طريقهم، يعاونه صفوة إخوانه أبو سعود وأبو أحمد وأبو قاسم وأبو مؤمن وأبو سهل وأبو عاصم وأبو هاني وغيرهم كثيرون، حتى أثمرت تلك الثمار اليانعة وسط هذه الجموع من الشباب المتحمس لخدمة الإسلام والعمل المرضاة الله تعالى، وأصبح هذا الجيل المسلم قائد عملية الإصلاح في مختلف جوانبها التي ظهرت آثارها في مجالات الحياة التربوية والاجتماعية والعلمية والأخلاقية، وصار الناس - وبخاصة أولياء الأمور- يشيدون بهذه الجهود المباركة التي حفظت أبناءهم من الضلال والانحراف فصاروا يعمرون المساجد ويفعلون الخير لكل الناس ملتزمين منهج الإسلام المستقى من الكتاب والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة.
لقد أنشأوا الجمعيات الخيرية والمؤسسات الإصلاحية والمكتبات الإسلامية والمدارس العلمية والمخيمات الكشفية ونظموا الرحلات الرياضية والكتائب الروحية التي كانت تضم الجموع من الشباب الذين هم أمل الأمة ومحط أنظارها وجيل المستقبل الزاهر، فعم الخير وانتشر الصلاح وكثر سواد العاملين للإسلام وسط الصغار والشباب والكبار بحيث شمل كل الساحات ومختلف الميادين، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. رحمك الله يا أخي أبا رياض وجزاك الله كل خير على ما قدمت لدينك وأمتك وغفر الله لك ذنبك، وأسكنك فسيح جناته مع الصديقين والشهداء والصالحين، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
أخوك أبو مصطفى عبد الله العقيل
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل