; ملوك الآخرة.. عوامل نجاح الداعية (٢ من ٢) | مجلة المجتمع

العنوان ملوك الآخرة.. عوامل نجاح الداعية (٢ من ٢)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 09-مايو-2009

مشاهدات 73

نشر في العدد 1851

نشر في الصفحة 55

السبت 09-مايو-2009

تناولنا في المقال السابق ثلاثة من عوامل النجاح السبعة للداعية التي ذكرها سيد قطب - يرحمه الله - في تعليقه على الآية الكريمة ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾(آل عمران: 159).

وفي هذا المقال نتناول بقية العوامل.

رابعًا: التحمل: تحمل جهلهم وضعفهم ونقصهم، ولابد أن تعلم بأنك عندما تقابل الآخرين لن ترى الجميع على درجة واحدة من الذكاء، ولن ترى الجميع بمستوى واحد من الفهم والاستيعاب، وإنما ستجد الناس طبقات متفاوتة في كل شيء، ومن هنا يجب أن تتحمل الجهل وتتحمل الضعف والنقص وتكون لك نفسية المعاودة للخير، تأمرهم مرة واثنتان وثلاث وأربع وخمس، وتعيد لهم المرة تلو الأخرى، وتذكرهم المرة تلو الأخرى، ولا تضجر أبدًا، ولا تستهزئ بضعفهم ولا يبدو على محياك وقسمات وجهك أي علامة من علامات النفور منهم إنما يجب أن تبين لهم التحمل، وسعة الصدر لكل ما يصدر منهم.

فمما يرويه صاحب طبقات الشافعية أن الربيع بن سليمان المرادي صاحب الشافعي كان الشافعي يحبه، وقال له يوما يا ربيع لو أمكنني أن أطعمك العلم لأطعمتك.. وقال القفال في فتاويه كان الربيع بطيء الفهم فكرر الشافعي عليه مسألة واحدة أربعين مرة فلم يفهم، وقام من المجلس حياء، فدعاه الشافعي في خلوة، وكرر عليه حتى فهم. وكانت الرحلة في كتب الشافعي إليه (1) من الأفاق نحو مائتي رجل، وقد كاشفه الشافعي بذلك حيث يقول له فيما روي عنه: أنت راوية كتبي (٢). 

خامسًا: يعطيهم ولا يأخذ منهم: الداعية الناجح هو الذي لا ينتظر من أحد أبدًا شيئًا فهو لا ينتظر من الآخرين الثناء ولا ينتظر المقابل على عطائه، إنما يعمل ويعطي لوجه الله تعالى، بل يبالغ في هذا العطاء، دون أن ينتظر من الآخرين العطاء، لا ينتظر مكافأة أبدًا، وشعاره دائما ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾(الأنعام: 162,163).

فهو يعطي ولا ينتظر العطاء، حتى وإن قابلوا الإحسان بالإساءة وقابلوا العطاء بالجحود فإنه يستمر بالعطاء دون انتظار شيء منهم.

سادسًا: يحمل همومهم ولا يعنيهم بهمه: دائمًا يرون البشاشة والرضا على وجهه، ودائمًا یرون الاستسلام لرب العالمين عند الكرب والبلايا، ولا يضجر أبدًا ولا يتأفف، إن اللحظة التي يلاحظ فيها المدعو ذلك الداعية يضجر أو يتأفف من قدر الله فإنه ربما دفعه ذلك ألا يأخذ منه حرفًا واحدًا، وعندما يراه مستسلمًا لله تعالى، راضيًا مبتسمًا لقدر الله كلما ارتفع وعلا نجمه في ذهنه، وكذلك عندما يراه يحزن لحزنهم ويفرح لفرحهم ويتفاعل مع مشاكلهم.

سابعًا: الاهتمام الدائم: يلاحظونه لديه، فهو دائم الاهتمام بكل صغيرة وكبيرة، بل كأنه هو الأب والأم بل ربما يجدون عنده من الاهتمام والرعاية أكثر من الأم والأب، وعندما يصل الداعية لهذا المستوى، يكون قد وصل إلى طريق النجاح الدعوي المؤثر.

القلوب الوحشية: ما أجمل ما وصف به الإمام علي القلوب بأنها وحشية فمن تألفها أقبلت عليه.. أي أن القلوب بطبعها تنفر من الآخرين، وتحب الانعزال وتحب الانفراد ولا تقبل التألف السريع، ولا تقبل أن تتآلف إلا من تآلفها وحشية وكأنها حيوان وحشي كقطة وحشية، أو حصان وحشي يحتاج إلى الترويض، ويحتاج إلى مداعبة، ويحتاج إلى تقرب بهدوء دون الاقتحام السريع، فمن تآلفها أقبلت عليه ويتألفها بالابتسامة والرفق والهدية، وبالكلمة الطيبة، وبالثناء وبسعة الصدر على الجهل والأخطاء وغيرها من الأمور فمن تألفها أقبلت عليه، ومن أنواع الرفق الرفق بالتبليغ وعدم الإكثار أو الإطالة بالموعظة، كما كان يفعل النبي ﷺ مع الصحابة لا يكثر عليهم الموعظة بل يتخولهم فيها ويغتنم الفرص ويغتنم المواقف، ولا يملهم كل ساعة.

رفق النبي ﷺ، فالرفق من أبرز صفات النبي، وحياته مليئة بصور الرفق، والتي تدل على شفقته ومحبته للآخرين، فقد جاء أعرابي فبال في ناحية المسجد، فزجره من كان في المسجد، فنهاهم النبي ﷺ، فلما قضى بوله أمر النبي بذنوب من ماء فأهريق عليه (٣).

لقد هب الصحابة ليضربوه ويمنعوه من هذه الفعلة الشنيعة، إلا أن ذلك الداعية الرحيم الرفيق منعهم، بل تركه يكمل بولته بل في رواية قال لهم فيها لا تزرموه، دعوه يكمل بولته وينتظره حتى يكمل بولته (4) .

ثم ينادي عليه فيقول له: إن المساجد لا تصلح لشيء من هذا، إنما جعلت للصلاة، ولذكر الله، والقراءة القرآن (٥).

هكذا هو الداعية الناجح من ملوك الآخرة يقدم الرفق على العنف، وعلى مر التاريخ الإسلامي كله لم يأت العنف بثمرة أبدًا، إنما دائما يأتي بالويلات الكبرى على المسلمين. 

وعن معاوية بن الحكم السلمي قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم. فقلت واشكل أماه ما شأنكم تنظرون؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فعرفت أنهم يصمتوني، فلما رأتيهم يسكتوني لكني سكت قال: فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي وأمي ما ضربتي ولا سبني ثم قال: إن الصلاة لا يحل فيها شيء من كلام الناس هذا، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، وفي رواية أخرى قال: فما رأيت معلمًا قط أرفق من رسول الله (6)

-----------------------------------

الهوامش

(1) أي الربيع.

(۲) طبقات الشافعية، ٢٦٠/١ 

(۳) رواه البخاري (فتح الباري ٢٢١).

(٤) رواه مسلم

(٥) رواه مسلم

(٦) رواه أبو داود رقم (۹۳۰،۹۳۱).

الرابط المختصر :