; نظرة في نتائج الانتخابات التركية | مجلة المجتمع

العنوان نظرة في نتائج الانتخابات التركية

الكاتب مصطفى الطحان

تاريخ النشر الثلاثاء 04-مايو-1999

مشاهدات 84

نشر في العدد 1348

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 04-مايو-1999

 

مصطفى الطحان (*)

أجريت الانتخابات البرلمانية والبلدية في تركيا.. وكانت هناك مخاوف ألا تجرى يوم ١٨ من أبريل كما حدد البرلمان قبل سنة عندما أقر قانون الإجراء المبكر للانتخابات، حملت الانتخابات مفاجآت عدة أذهلت المراقبين، لابد من الوقوف عندها وتحليل مغزاها.. فهي تحمل إشارات إلى مستقبل العمل السياسي في هذا البلد المهم الذي يمثل جسرًا تاريخيًّا وجغرافيًّا بين الشرق والغرب.

1 - أول هذه المفاجآت هو الصعود الصاروخي لحزب الحركة القومية.. فبينما لم يحتل هذا الحزب أي مقعد في البرلمان السابق، فقد حصل على ۱۳۰ نائبًا في البرلمان الجديد. 

وحتى نفهم هذه المفاجأة نعرف شيئًا عن هذا الحزب.. الذي أسسه الب أصلان توركش الضابط الذي كان سكرتير اللجنة العسكرية التي قامت بالانقلاب على عدنان مندريس عام ١٩٦٠م، وبعد أحداث حصلت داخل اللجنة العسكرية اضطر معها لمغادرة البلاد، ثم عاد عام ١٩٦٩م ليؤسس حزب الحركة القومية. 

في السبعينيات شارك في حكومة ائتلافية يمينية بزعامة سليمان ديميريل.. وكان يعتمد على مجموعة كبيرة من الكوماندوز الذين يؤمنون بأسلوب الاغتيالات والقتل.. وكانوا سببّا في انهيار الأوضاع السياسية في تركيا. 

بعد انقلاب عام ۱۹۸۰م زج بقيادة الحزب مع الأحزاب الأخرى في السجن.. ولكن حزب الحركة من بين الأحزاب أدين بجرائم قتل واغتيال وبقي مؤسسه في السجن قرابة السنتين. 

توفي توركش في أبريل ۱۹۹۷م، وانقسم الحزب على إثرها إلى أجنحة عدة أقواها الذي يتزعمه دولت باغجلي. 

والحزب قومي طوراني متعصب ينادي بالعنصرية التركية، الإسلام بالنسبة للحزب جزء من تاريخ الأتراك.. يدعو لتركيا الكبرى التي تضم الجمهوريات الإسلامية وبعض دول القوقاز وبعض دول البلقان.. نظرته لأوروبا سلبية.. موقفه من الأكراد سلبي جدًّا. فهم في نظره مجموعة من الإرهابيين الخارجين على القانون، علاقته بإسرائيل ممتازة للغاية، وعلاقاته مع الدول العربية غير جيدة. 

أما سبب تقدمه الكبير في الانتخابات الأخيرة فيرجع إلى عاملين اثنين: الأول: العزف على التيار القومي المتطرف من قبل الجنرالات ضد الأكراد.. والحرب المستمرة ضدهم منذ أكثر من ١٥ سنةً.. ولقد كان القبض على أوجلان بمثابة العرس لهذا الفكر القومي الذي قطف ثمرته حزب الحركة القومي.

الثاني: الأحزاب في تركيا لم تعد تقنع الناخب التركي. فهي أحزاب فاشلة.. تحركها مصالح زعاماتها، غارقة في الفساد، متحالفة مع المافيا فاشلة في الحكم.. لهذه الأسباب فقد انتخب الأتراك حزب الرفاه، وأوصلوه عام ١٩٩٥م إلى المقام الأول، وبعد الحرب الشرسة التي قادها الجيش ضد الإسلام في تركيا ... واستهدفت العديد من زعامات الرفاه الذين عزلوا أو أدخلوا السجون، عندها تحولت بعض الشريحة التي تبحث عن الذي فاق كل التوقعات التغيير.. فانتخبت حزب الحركة القومية. لهذين السببين صعد الحزب هذا الصعود. 

٢-ثاني المفاجآت حصول حزب الفضيلة على نحو %١٦ من الأصوات مقابل ۲۱.۳٪ في انتخابات ١٩٩٥م لحزب الرفاه.

فلماذا كان ذلك؟ أما الأسباب فتتلخص في الحرب المدمرة التي قادها الجيش بجنرالاته وإعلامه وبمجلسه القومي ضد الإسلام، فهو بنظرهم مجرد رجعية لا تصلح لهذا الزمان، وضد المسلمين وأحزابهم ومؤسساتهم السياسية والاقتصادية والثقافية والتعليمية، ضد مدارس تحفيظ القرآن ضد مدارس الأئمة والخطباء، ضد المؤسسات الثقافية، ضد الأحزاب، ضد البلديات، سجنوا وعذبوا واعتقلوا وحرموا القيادات من العمل السياسي، وحرموا النساء المحجبات من دخول الجامعات ودوائر العمل..... وباختصار شنوا حربًا لا تقوى جيوش على تحملها، ناهيك عن كتل شعبية مستضعفة تريد السلام والديمقراطية. 

ومع ذلك، فقد نجح الفضيلة فحصل على ١٦٪ في البرلمان و۲۳٪ في البلديات.. فعاد مرة أخرى كأكبر الأحزاب إن لم يكن في البرلمان في هذه المرة ففي البلديات مجال خدمة الشعب وبناء المجتمع، المجال الذي جربوه.. ونجحوا فيه بصمت نجاحًا منقطع النظير...

٣-ثالث هذه المفاجآت.. حصول حزب اليسار بزعامة بولند أجاويد على ۲۲٪ وهذه النسبة العالية التي لم يكن يحلم بها أجاويد.. كانت لأسباب:

فهو أولًا كالذي قاد الانتخابات وهو على رأس الحكومة، فسخر إمكانات الدولة لصالحه.. 

وهو ثانيًا طرف في المؤامرة الأوروبية في القبض على أوجلان الزعيم الكردي لحادثة التي جيرت لحسابه. 

وهو ثالثًا.. الرئيس الضعيف الذي يتمكن العسكر ورئيس الجمهورية أن يتحكموا بالأمور من خلاله.

ماذا تعني هذه الانتخابات بالنسبة للأمة التركية التي تعيش نحو سنتين ومنذ سقوط حكومة أربكان في غرفة الإنعاش؟ 

 أولًا: تعني مزيدًا من الاضطرابات، فالأحزاب المتقدمة وهي حزب اليسار والحزب القومي طرفا نقيض في كل شيء في نظراتهم السياسية والثقافية والاقتصادية والأوروبية، وهما وإن جاملا بعضهما حاليًا إلا أن التاريخ القريب شاهد على ما بين الحزبين من الدماء.. وبمجرد إعلان النتائج سقطت أسهم البورصة، وتدنت قيمة الليرة التركية، وشاع الاضطراب في الأوساط الاقتصادية والإعلامية. 

ثانيًا: وتعني مزيدًا من الانقسام بين طوائف الشعب الواحد. فالأكراد الذين يمثلون شريحة كبرى من سكان تركيا، والتي كانت تشعر أنها جزء غال من هذه البلاد يجمع شعبها الإسلام ويوحد كلمتهم.. هذا الأمر أصابه الاضطراب في السنوات الأخيرة..... فالحرب المستمرة.. والقتل.. وهدم القرى.. وحياة الهجرة.. والعيش في الخيام... كل ذلك أخذ بتعميق خط الانقسام. وكانت الشعرة التي قصمت ظهر البعير كما يقولون.. القبض على أوجلان. 

وإذا كان البعض استغل هذه الحادثة لمكاسب انتخابية، إلا أنها في الحقيقة كارثة قومية بكل معنى الكلمة.. وليس أدل على جدية هذا الأمر من حصول الحزب الديمقراطي الكردي على معظم البلديات الكردية في جنوب شرق تركيا، وسيزداد هذا الانقسام حدة مع وجود حزب الحركة القومية.

ثالثًا: هذا في الجانب السلبي.. أما في الجانب الإيجابي، فقد أثبت حزب الفضيلة أنه عصي على الانقسام، ممتنع عن التشرذم تمسكت قاعدته الثابتة بالحزب رغم المدافع المسلطة، أما القاعدة المتحركة وهي في حدود الـ ١٠٪ فهي مع غيره اليوم كما كانت معه من قبل... شريحة تبحث عن التغيير الحقيقي، ولن تجده مع الأحزاب التي اختارتها في هذه الدورة. ولقد استطاع حزب الفضيلة أن يطور خطابه السياسي في مواقفه من المرأة. فقد فازت المرأة بثلاثة مقاعد في البرلمان عن الحزب.. وفي مواقفه  الأوروبية فقد أعلن إيمانه بالوحدة الأوروبية والسوق الأوروبية المشتركة. 

وإذا كان الحزب قد حصل موقع متقدم بين الأحزاب في مجال البلديات.. إلا أنه ابتعد عن مرمى العسكر الذين سينشغلون في الفترة القادمة بغيره. 

(*) الأمين العام لاتحاد المنظمات الطلابية

الرابط المختصر :