العنوان حقوق الإنسان في مصر في عهد زكي بدر
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 03-أبريل-1990
مشاهدات 66
نشر في العدد 961
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 03-أبريل-1990
- تقرير خطير عن أوضاع الحريات في عام 1989 وحده.
- الأوضاع المتردية للسجون المصرية تضيف بعدًا جديدًا له ملامحه
الخاصة.
- هل ينتهي التعذيب في عهد وزير الداخلية الحالي؟
- التعذيب في عهد زكي بدر أصبح سياسة منهجية.
بالرغم من قصر المدة التي قضاها اللواء محمد عبدالحليم موسى وزيرًا للداخلية -أقل من ثلاثة شهور- إلا أن شعورًا عامًا بالارتياح والأمن بدأ يسري في أوساط الشعب، ولم تعد رهبة الخوف من تسلط أجهزة الأمن والاعتقالات والتعذيب تسيطر على القطاعات الجماهيرية المختلفة، لم يكتف الوزير الجديد في تصريحاته بالتأكيد على احترامه لحقوق الإنسان وكرامته، واستنكاره للتعذيب وإهدار الكرامة والامتهان الذي يتعرض له الجميع في أقسام الشرطة، ولكنه أكد عزمه على محاسبة كل من يثبت في حقه قيامه بالتعذيب من ضباط الشرطة، أيًا كانت مواقعهم، وتقديمهم للمحاكمة، باعتبار أن التعذيب جريمة في حق الإنسانية جمعاء، وأن الإسلام يحرم إيذاء وإهانة الآدمي.
وليست هذه القضية وحدها -على أهميتها- هي السبب في إزالة التوتر بين الناس وبين جهاز الأمن بصورة كبيرة، ولكن البيان الذي أدلى به الوزير أمام مجلس الشعب في الأسبوع الماضي حول أحداث «أبو قرقاص» بين المسلمين والنصارى كان موضوعيًا ومنصفًا إلى حد كبير، فهو لم يلق باللوم على «الجماعات المتطرفة» من المسلمين، ولكنه نبه إلى الاستفزازات وحيازة أسلحة حادة وترديد وإطلاق الشائعات من جانب النصارى، والتي ساهمت في إشعال الموقف.
هل هناك أمل؟
إذن فهناك أمل في أن تتغير السياسات الأمنية، بعد أن عانى الشعب من فقدان الأمان، ومن التسلط، ومن إهدار القانون في عهد زكي بدر وزير الداخلية السابق، ولكي ندرك عمق المأساة التي حلت بمصر في عهد زكي بدر من استخدام التعذيب بكل أشكاله وأدواته، نقتطف بعض الفقرات من تقرير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان الذي صدر عشية إقالة زكي بدر تحت عنوان: «التعذيب في مصر».
تقرير عن جرائم زكي بدر
والمنظمة المصرية لحقوق الإنسان هي فرع للمنظمة العربية لحقوق الإنسان، أنشئت قبل نحو خمس سنوات للدفاع عن حقوق الإنسان وحرياته، وبخاصة حرية الرأي، ومازالت السلطة تماطل في إعطائها تصريحًا رسميًا بالعمل، وتضع العراقيل أمامها، بل اعتقلت بعض قياداتها في العام الماضي، يقول التقرير:
كانت مصر إحدى (3) دول لعبت دورًا مهمًا في إصدار قرار الأمم المتحدة في شهر ديسمبر 1977 الذي طالب دول العالم بمساندة إعلانها الصادر ضد التعذيب في عام 1975، كما صدقت مصر على العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية عام 1982، وهو العهد الذي يحرم بشكل قاطع التعذيب (المادة 7)، ولا يبيحه حتى في حالات الحروب والطوارئ وغيرها من الظروف الاستثنائية، بل كانت مصر أول دولة عربية تصدق على الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب في عام 1986، وفي ذات العام أقدمت مصر على سابقة سياسية وقانونية جديرة بالتقدير، حيث بدأت لأول مرة محاكمة ضباط شرطة، عن جرائم تعذيب ارتكبوها في ظل نفس النظام القائم (قضية تعذيب المتهمين في تنظيم الجهاد)، ومع ذلك فإن التعذيب لم يتوقف، بل توسعت أجهزة الأمن في اللجوء إلى التعذيب في أعقاب حكم البراءة الذي أصدرته المحكمة لصالح الضباط المتهمين.
ويقول التقرير: تأسف المنظمة المصرية لحقوق الإنسان أن تقرر أن التعذيب قد أصبح على درجة من الشيوع تبرر القول بأنه يمثل سياسة منهجية من جانب أجهزة الأمن في مصر؛ حيث شهد عام 1989 تكثيفًا غير عادي للتعذيب الموجه، لا ضد التيارات والعناصر السياسية المشتبه في معارضتها للحكومة فحسب، بل ضد المواطنين غير ذوي الاهتمامات السياسية أيضًا، وقد جاء هذا التطور المؤسف ليعود بمصر خطوات كبرى للخلف في مضمار احترام حقوق الإنسان، وليقفز بها عدة درجات في قائمة الدول الأكثر انتهاكًا لهذه الحقوق.
مصادر المعلومات
لقد جمعت المنظمة معلوماتها حول التعذيب من خلال:
1- محاضر تحقيقات النيابة التي تثبت وقائع التعذيب.
2- تقارير الطب الشرعي التي تثبت آثار التعذيب.
3- إجراء لقاءات مباشرة مع عدد من المعتقلين من كافة التيارات السياسية داخل السجون وخارجها.
4- التجربة العملية التي مر بها عدد من قيادات المنظمة عند القبض عليهم.
وقد بلغ من شيوع التعذيب -كما جاء في التقرير- أن كافة حملات القبض والاعتقال الجماعي والفردي تقريبًا قد أصبحت مصحوبة باستخدام الضرب المبرح بالأيدي واللكمات والركل وكعوب البنادق والسيور الجلدية وخراطيم المياه والعصي الخيزرانية والعصي الكهربائية والكرابيج في حالات معينة، وعادة يتم التعذيب على مرحلتين قد تعقبهما مراحل أخرى بتكرارية عالية في بعض الحالات، في المرحلة الأولى يتم استخدام الضرب إلى جانب وسائل أخرى في مقار مباحث أمن الدولة بالعاصمة والمحافظات إثر الاعتقال مباشرة، وتكون عمليات التعذيب التمهيدي بالضرب داخل الأماكن التي تسيطر عليها مباحث أمن الدولة، موجهة ضد المحتجزين بصورة فردية وكجزء من عمليات الاستجواب التي يقصد بها أحيانًا الحصول على اعترافات أو معلومات أو تجنيد الأشخاص للعمل لصالحها، ولكنها في أحيان أخرى تكون نوعًا من العقاب والتأديب، وكثيرًا ما تتكرر وقائع الضرب عندما يتم تجميع المحتجزين على ذمة قضية واحدة، لدى وصولهم إلى السجون مباشرة، أو بعد وصولهم بقليل، فيما يعرف باسم «التشريفة» دلالة على كونها أحد الطقوس المعتادة لدى استقبال المحتجزين السياسيين في السجون المصرية.
العروسة من جديد
ويذكر التقرير أنه في عام 1989 عاد استخدام «العروسة» من جديد في السجون وهي قوائم «أشبه بالصليب» يصلب عليها السجين نصف عار، ويقيد من يديه وقدميه إليها من الإمام، ثم تنهال الكرابيج على ظهره، ليصبح الجسم كتلة من اللحم الأحمر، فيما تغطي الدماء أرضية العروسة، وهو ما تعرض له طارق الأسواني، وعلي عبدالمنعم، وكمال السعيد، المسجونين في قضية الجهاد في 22/8/1989 فضلًا عن التعذيب بالكهرباء وبأشد الأساليب إيلامًا، وقد تطورت أدواته، بحيث أصبح من الممكن -إذا اتبع بمواصفات محددة- ألا يترك أثر يستدل عليه الطب الشرعي، وفي الأعوام السابقة كان الصعق بالكهرباء يكاد يكون مخصصًا للتعامل مع الأشخاص المشتبه في ارتباطهم بالجماعات الإسلامية كالجهاد وغيرها، ولكن في عام 89 جرى تعميم هذا الأسلوب على نطاق واسع.
ويؤكد التقرير أن الأكثرية الساحقة من حالات التعذيب تتم في مقار مباحث أمن الدولة بالقاهرة والجيزة في الأيام الأولى للاحتجاز قبل الترحيل للسجن، غير أنه لوحظ في حالات متعددة، وخاصة فيمن تشتبه سلطات الأمن في ارتباطهم بالجماعات الإسلامية أنه يجري أيضًا تعذيبهم من حين لآخر بعد ترحيلهم للسجن، حيث ينقل المعتقل من بطن الليل إلى مقر مباحث أمن الدولة بـ«لاظوغلي»، وتتم إعادته قبل الفجر، وفي حالات خاصة يستبقى المعتقل تحت التعذيب لعدة ليال متتابعة، والأشخاص الأكثر استهدافًا للتعذيب بأسلوب الصعق بالكهرباء هم المشتبه في ارتباطهم بالجماعات الإسلامية.
حجم المأساة
ويؤكد التقرير أن الأوضاع المتردية للسجون المصرية بشكل عام، تضيف عنصرًا نوعيًا جديدًا في عملية التعذيب له ملامحه الخاصة.
وبعد، فهذه «عينة» من تقرير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان عن أوضاع الحريات والتعذيب في مصر في عام واحد فقط -عام 1989- من الأعوام الأربعة التي تولى خلالها زكي بدر وزارة الداخلية لندرك حجم المأساة التي عاش فيها الشعب المصري طوال هذا العهد، ومدى ما يتطلع إليه من إزالة هذا العار وإنهاء هذه الجريمة النكراء -جريمة التعذيب وإهدار الكرامة- ونحن نرجو أن يكون وزير الداخلية الجديد صادقًا في تأكيداته بإنهاء التعذيب، ومعاقبة من يقترف هذه الجريمة، فهل تحمل الأيام المقبلة صحة هذه التأكيدات، أم لا؟
- تقرير خطير عن أوضاع الحريات في عام 1989 وحده.