العنوان البلاد تحولت إلى حقل لتجارب الطغاة الفاشلين.. موريتانيا.. والدروس المستفادة من التجربة الصومالية
الكاتب سيد عمر بن شيخنا
تاريخ النشر السبت 18-يونيو-2005
مشاهدات 68
نشر في العدد 1656
نشر في الصفحة 27
السبت 18-يونيو-2005
ممارسات بري في الصومال هي نفس ممارسات ولد الطايع اليوم
النظام فتح الباب واسعًا أمام كبار مناصريه ليسطوا على ممتلكات الشعب ومؤسساته
كشف تقرير لجنة الأزمات الدولية الأخير حول موريتانيا عن قدر كبير من المصداقية والموضوعية لهذه المؤسسة الدولية، وكان إنصافها للتيار الإسلامي وتفنيدها لمزاعم النظام ضده علامة بارزة في هذا الاتجاه، لكن النقطة الأهم في التقرير كانت تحذيرها من خطورة الأوضاع في موريتانيا.
لقد حذر التقرير من الفوضى والاقتتال الداخلي بسبب السياسات الظالمة لنظام العقيد معاوية ولد الطايع، فالمنظمة التي يعمل في صفوفها العشرات من خبراء السياسة والأقتصاد والاجتماع المتمرسين في دراسة النزاعات والصراعات في العالم وأسباب نشوئها تدرك أكثر من غيرها ما قد ينجر عن سياسات الغبن والإقصاء والاضطهاد من نتائج تعتبر إفرازًا طبيعيًا لتلك الأوضاع الشاذة.
شفقة المصلحين
ما أشارت إليه المنظمة الدولية من تخوف من انزلاق البلاد نحو وضع سيئ هو نفس ما عبرت عنه شخصيات وهيئات وطنية عديدة كان آخرها ما قاله رئيس حزب الملتقى الديمقراطي الدكتور الشيخ ولد حرمه من أن البلاد تسير نحو الانهيار، والتوصيف الدقيق الذي قدمه الكاتب الكبير محمد ولد المختار الشنقيطي عندما قال عن الوضع الحالي بأنه
صراع بقاء بين موريتانيا ومعاوية، أما أهل النظام ومساندوه فلا يرون ما يحيط بموريتانيا من أخطار حقيقية باتت واضحة للعيان، وهم في ذلك الموقف تياران متفاوتين في السلبية والخطورة.
التيار الأول: وهم الذين لا يعترفون بوجود أي أزمة، ويمارسون سياسة النعامة إزاء مظاهر التأزم التي تهدد مستقبل البلد، وإن فرضت إفرازات التأزم نفسها عليهم القوا بالمسؤولية عنها على عاتق الآخرين وراهنوا على قدرة النظام على تجاوز تلك الآثار مع الوقت.
فبعض هؤلاء متورط في جرائم النظام إما جرائمه المتعلقة بحقوق الإنسان كقتل الأفارقة وتعذيبهم والسطو على ممتلكاتهم، وإما متورطون في جرائم النهب المنظم للثروة الوطنية.. وهكذا أصبحوا يشعرون بوحدة المصير والتحديات مع نظام ولد الطابع. كما أن النظام قد فتح الباب واسعاً أمام كبار مناصريه ليسطوا على ممتلكات الشعب ومؤسساته بشكل غير مسبوق في تاريخ النظم السياسية المتعاقبة، وضمن لهم عدم الملاحقة القضائية.
يعكس ذلك حالة الموت القسري للهيئات- الرقابية والقضائية المختصة- مقابل التفاني في خدمة نظامه وهكذا تشكلت بفعل هذه السياسة لوبيات نفعية عريضة لم تعد ترى في أي قضية وطنية ما يستحق التضحية بمصالحها وامتيازاتها الكبيرة، كذلك غياب الحس الوطني حيث يعاني بعض هذا التيار من الغباء السياسي وعدم القدرة على إدراك المتغيرات العميقة في البلد وفي محيطه الإقليمي وعدم القدرة حتى على إدراك الأخطار الكبيرة المترتبة على مواقفهم، والتي تشكل خطراً ليس فقط على الوطن وانسجامه بل حتى على أنفسهم وعلى مصالحهم من حيث لا يشعرون من دون أن نغفل الطابع غير الوطني الذي يتسم به موقف هؤلاء.
أما التيار الثاني وأهله فيستشعرون الأخطار المحدقة بالبلاد جراء سياسات النظام لكنهم لا يمتلكون القدر الكافي من استشعار المسؤولية للقيام بالواجب المطلوب ولذلك بقوا في صف المدافعين عن النظام، ولموقفهم خلفيات منها معرفتهم بطبيعة النظام وضيقه بالمخالفين حتى ولو كانوا من مناصريه... ويدركون أيضًا الأساليب القذرة التي يلجأ إليها عادة في مواجهة مثل هذه الحالات وطبيعة المجتمع الموريتاني الذي لم يعرف الدولة في مراحل كثيرة من تاريخه، مما أدى إلى عدم فهم البعض لطبيعة التدافع السياسي فكانت هذه- بالإضافة إلى غياب الإرث الديمقراطي للدولة ما بعد الاستقلال وصور البطش بالمعارضين الحاضرة بقوة في الأذهان- كلها عوامل ولدت الخوف من معارضة سياسات الأنظمة، بل الوقوف المطلق معها بغض النظر عن شرعية أو أخلاقية ممارساتها.
إرث سياد بري
هناك دروس لمن يحسن الاعتبار بها فالرئيس ولد الطابع يقود اليوم موريتانيا إلى مستقبل مشابه لما قاد إليه سياد بري الصومال الشقيق، بفعل السياسات المتطابقة للرجلين فقد حكم بري هذا البلد العربي الإفريقي المتعدد الأعراق والقوميات والقبائل، والذي يتسم بضعف الدولة وهشاشة مؤسساته، والواقع. تحت أوضاع أقتصادية صعبة كما هو الحال بالنسبة لموريتانيا.. واتسمت سنوات حكمه العجاف بمجموعة من المساوئ والممارسات القاتلة مهدت في النهاية ليس فقط لسقوط نظامه، بل سقوط الصومال بأكمله في مستنقع من الفوضى والتناحر الداخلي، وهو ما يتطلب عرض وتأمل تلك المساوئ والممارسات، ويجب علينا التحذير من العواقب الوخيمة من تكرار مثل هذه السياسات الكارثية.. ومن هذه المساوئ الحكم المطلق حيث بنى بري نظاماً شمولياً موغلاً في الديكتاتورية والتسلط اتسم بخنق الحريات والضيق بالرأي الآخر وإطلاق العنان للأجهزة الأمنية لتبطش بأحرار الصومال سجنًا ونفيًا وقتلًا واضطهادًا.. وقد أعمت بري شهوة التسلط والطغيان وسوء البطانة المحيطة به عن إدراك حقيقة مهمة مفادها أن السلطة المطلقة في جوهرها، ليست إلا مفسدة مطلقة ستعم بلوى آثارها السيئة البلد على كل الأصعدة.
والاعتماد على القبيلة أمام الرغبة الجامحة لبري في التشبث بالكرسي لأطول مدة وتحت شعوره الدائم بعدم الثقة بالمحيطين به اتجه نحو الاعتماد كلياً على أبناء عمومته والمنحدرين من منطقته لتشكيل دعامة أمنية مأمونة تحمي نظامه.. وهكذا عمل على التمكين لهم في أجهزة الدولة العسكرية والأمنية، وكذا المرافق الاقتصادية.. مما أدى إلى طغيانهم وارتكابهم الحماقات في حق الآخرين.. الأمر الذي أدى إلى تذمر بقية القبائل والمناطق وأشعرها بالغبن والإقصاء وهز ثقتها بالدولة وأجهزتها التي لم تعد في نظرهم ممثلة للجماعة الوطنية، بل أضحت مسخرة لخدمة دوائر معينة هذا الشعور أدى إلى تقوقع النخب السياسية الصومالية على قبائلها ومناطقها والعمل من داخلها، وكانت تلك إحدى أهم بذور الحرب الأهلية.
وكما أسلفنا يتشكل الصومال من خليط من الأعراق والقبائل المختلفة تدين كلها بالإسلام ويمثل الإسلام بالنسبة لها الهوية الجامعة.. ويدل إدراك هذه الحقيقة المركزية والعمل بمقتضاها رعاية للإسلام وتعزيزًا له في حياة الناس راح بري- ذو الهوى الشيوعي– يستهدف الهوية الإسلامية وينكل بالعلماء والدعاة وأبناء الحركة الإسلامية ويضايق مظاهر التدين، وكان لهذا التوجه الخطير تأثيره الكبير في إضعاف تأثير الدين في حياة الناس، مما مهد لبروز مجموعة من الأمراض النفسية والأخلاقية والاجتماعية شكلت التربة الخصبة لنشوء ثقافة القتل والسطو والاغتصاب بعد اندلاع الحرب الأهلية كان الإسلاميون الصوماليون هم الفصيل الوحيد الذي لم يشترك فيها، بل كان دورهم هو رعاية المحتاجين وإصلاح ذات البين.
دولة المافيا
كان نظام يري أقرب إلى المافيا منه إلى النظام الوطني الذي يسعى إلى ترشيد الموارد والعمل على خلق تنمية متوازنة، فقد مضى بري ومجموعات أقربائه ومقربيه يسابقون الزمن في سرقة قوت الشعب الصومالي ونهب موارده الشحيحة أصلاً وإفساد مؤسساته بالرشوة وإثقال كاهله بالمديونية ويكدسون هذه الأموال على حساب الشعب، الذي تعصف به المجاعة والمرض والفقر، وهكذا كان النهج الأحادي والطبيعة الانغلاقية، والفساد المالي والاستهداف الممنهج للهوية والبطش بالمعارضين والتمكين للعشيرة أسبابًا مباشرة للسقوط المدوي لنظام بري بل سقوط الصومال المنهك كله في أتون الفوضى والاقتتال الأهلي.
تلك كانت هي أهم مرتكزات السياسات الكارثية لسياد بري التي قادت الصومال إلى وضعه الحالي.. وهي نفس المرتكزات التي يعمل ولد الطايع اليوم وربما بشكل أكثر وقاحة على تجسيدها على الأرض في موريتانيا غير مبال لا هو ولا من يحيطون به بالعواقب الوخيمة لتلك السياسة الخرقاء.
حكمة ابن خلدون
لقد عقد ابن خلدون في مقدمته بابًا عن الظلم عنوانه إن الظلم موذن بخراب العمران وتلك- والله- حقيقة ثابتة نطقت بها تجارب بشرية عديدة.. ولذلك حذر الإسلام أيما تحذير من الظلم وعواقبه الوخيمة وحذر بشدة من السكوت عليه أو مسايرة أهله أو الركون إليهم، وأوجب الأخذ على أيدي الظالمين، واعتبر ذلك جهادًا في سبيل الله وفي سبيل المستضعفين، وحتى إشعار آخر تبقى- على ما يبدو - حكمة ابن خلدون منسية وسط صخب غارات بوليس ولد الطايع، وفساد أزلامه الغارقين في مستنقعات المال الحرام، وتبقى البلاد معهم حقلًا لتجارب الطغاة الفاشلين حتى يأتيها أمر الله، أو تأتيها رحمته.. واللطف والعفو منه هو المأمول.