; التلفزيون السوري يبث مقابلة مطولة مع مجموعة من الإخوان المسلمين | مجلة المجتمع

العنوان التلفزيون السوري يبث مقابلة مطولة مع مجموعة من الإخوان المسلمين

الكاتب عبد الرحمن الناصر

تاريخ النشر الثلاثاء 27-مايو-1986

مشاهدات 65

نشر في العدد 769

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 27-مايو-1986

 

التفجيرات التي شهدتها سوريا مؤخرًا وأسفرت عن وقوع ما يقرب من 400 شخص ما بين قتيل وجريح حسب البيانات الرسمية.. كانت من الدقة بحيث جعلت السلطات الأمنية في النظام السوري محتارة في توجيه اتهاماتها، فقد اتهمت في البداية عناصر لبنانية مسيحية مناوئة لسوريا ثم وجهت اتهامها للمخابرات الإسرائيلية، كما اتهمت المخابرات الأمريكية.. وقبل أسابيع قليلة اتهمت العراق.

واستمر الحال على هذا النحو لعدة أسابيع فوجئنا بعدها بإلغاء السلطات السورية لكل اتهاماتها السابقة حيث تم إبراء ساحة الإسرائيليين والموساد والعناصر اللبنانية المسيحية وتم حصر الاتهام بالإخوان المسلمين.. وقد وجه ذلك الاتهام من خلال برنامج تلفزيوني امتد نحو ساعة ونصف، حيث ظهر فيه ثلاثة من الشبان السوريين إلى جانب اثنين من الأتراك.. قدموا على أنهم مرتكبو حوادث التفجير العنيفة التي وقعت في أنحاء مختلفة من سورية يوم 16 من الشهر الماضي.

قراءة في شريط الاتهام

يمكن من خلال متابعة الشريط التلفزيوني الخاص بالمقابلات التي عرضها التلفزيون السوري مع بعض الأشخاص الذين ذكر المعلق أنهم ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين في سورية، قراءة عدة ملاحظات في غاية الأهمية يمكن أن نحددها بالتالي:

الوجود الإخواني:

في محاولة من النظام لإقناع حزبه وأبناء طائفته بدأ بعد مجزرة حماه عام 1982 نشر مقولته بأنه تمكن من ضرب القواعد الإخوانية في سوريا، وأن الوجود الإخواني في سوريا أصبح بين طيات التاريخ، وأنه تمكن من قطع جذور هذه الفئة من المجتمع السوري.. وإلى آخر هذه المقولات التي رددها النظام عبر تصريحات قادته وعبر وسائل إعلامه المختلفة...

ولكن ما كشفت عنه المقابلة على شاشة التلفزيون السوري، كان يؤكد بطلان هذه الادعاءات فتعدد العمليات وانتشارها على كافة الأراضي السورية سواء ما بين حلب أو اللاذقية، أو في طرطوس أو في حمص أو في دمشق، ودقة التنفيذ بحيث كان النجاح حليف كل هذه العمليات، يؤكد على حقيقة استمرار الوجود الإخواني داخل سوريا، خلافًا لدعاوى الإعلام الرسمي هناك.

 

خلل أمنى:

أثبتت هذه الحوادث وجود تصارع بين أجهزة الأمن المختلفة نتج عنه تسيب أمني واضح دل عليه ما ذكره المتهمون من أنهم كانوا يتنقلون بين المحافظات السورية من دمشق إلى حمص إلى حماه إلى حلب ودير الزور.. وهم يحملون حقائب المتفجرات معهم.. ونعتقد أن تصارع الأجهزة الأمنية ناتج عن تعددها، فهناك المخابرات العسكرية والأمن القومي والمباحث ومخابرات القوى الجوية ومخابرات القصر الجمهوري.. إلى غير ذلك من أجهزة تتصارع فيما بينها، لتحقق كل منها هيمنة هذا المركز أو ذاك من مراكز القوى على الجانب الأمني في البلاد تحقيقًا لأهدافه المستقبلية.

ولا بد أن نشير هنا إلى مسألة اكتشاف مرتكبي عمليات التفجير والتي حاول إعلام سورية تصويرها بأنها عمل من الأعمال البطولية لأجهزة الأمن الساهرة على أمن الوطن والمواطن.. فمن خلال الحديث التلفزيوني مع المهتمين يتضح أن هذا الاكتشاف تم عن طريق الصدفة المحضة حيث تم اكتشاف العنصرين التركيين عند مراجعة سجلات فندق فاروق بحلب اللذين كانا ينزلان فيه، ومسألة مراجعة سجلات الفنادق من قبل عناصر الأمن هو إجراء روتيني معروف في العالم أجمع ولكن عدم وجود الشابين التركيين وتباين تواريخ نزولهما بالفندق لفتت أنظار العناصر الأمنية التي اعتقلتهما بعد عودتهما من تركيا التي غادرا إليها بعد انتهاء التفجيرات وتسبب ذلك في اعتقال المجموعة المتهمة.

أهداف عسكرية:

كان مسار اتجاه الاتهام الذي طرحه المحقق خلال البرنامج التلفزيوني يدور حول جريمة ارتكبت بحق مواطنين أبرياء ومدنيين عزل.. بينما يتبين من خلال ما ذكره المتهمون أن عملياتهم استهدفت باصات وحافلات مؤسسة النقل العسكري المخصصة لنقل العسكريين إلى مدنهم وقراهم، وهذا يعني -خلافًا لما أعلن عن إصابة مدنيين– يعني أن العمليات استهدفت مصالح وتجمعات عسكرية، وهذا بالتالي يتفق مع طبيعة الصراع القائم بين النظام والإخوان، فالصراع السياسي الذي كان يرفع لواءه الإخوان حوله النظام إلى صراع عسكري من خلال الهجمات العسكرية المنظمة التي توجها النظام بحملته الدموية على مدينة حماه عام 1982، وقصفها بالمدفعية والصواريخ.. سقط خلالها أكثر من 30 ألف شهيد من أبناء المدينة الأبرياء العزل...

هدف طائفي:

يلاحظ من أقوال المتهمين أن تلك العمليات لم تستهدف سوى تجمعات بشرية للطائفة النصيرية في باصات النقل العسكرية التي تم تفجيرها كانت تنقل عسكريين من ثكناتهم إلى أماكن إقامتهم في طرطوس وصافيتا ومدن الساحل السوري، حيث معقل الطائفة التي تحققت لها الهيمنة الكاملة على القطر السوري رغم كونها لا تشكل سوى 10 بالمائة من مجموع السكان.. إضافة إلى أن سيطرتها تلك تحققت من خلال عدة مجازر ارتكبت بحق أبناء سوريا المسلمين الذين يشكلون الأغلبية المطلقة.

دافع وجداني:

الشبان الثلاثة السوريون الذين قدمهم التلفزيون السوري كانت أعمارهم تنحصر ما بين 17 – 25 عامًا، فالعنصر الرئيسي في العملية وهو «موفق شريتح» يبلغ الخامسة والعشرين من عمره، وعبد الوهاب إسماعيل يبلغ الثانية والعشرين من عمره، وعمر عكام ويكاد يتجاوز السابعة عشرة من عمره، ورغم ذلك فإن طبيعة العمليات ودقة تنفيذها والموافقة الفورية على القيام بها كما ذكروا في حديثهم التلفزيوني يؤكد على مدى تمكن أحاسيس الظلم في نفوسهم إلى جانب الشعور بالواجب والتضحية، وهذا يعني أن الدافع الوجداني هو الذي يحرك هؤلاء الشباب وليس الدافع المادي كما حاول المحقق أن يقنع به المشاهدين.

 

مشاعر القهر:

يلاحظ من أقوال المتهمين أنهم من سكان مدينة حماه، واشتراك هؤلاء في مثل تلك العمليات يدل على مدى تغلغل مشاعر القهر في نفوسهم لكونهم عاشوا تلك الأحداث الرهيبة التي تعرضت لها مدينتهم عام 1982، حيث حولتها مدافع النظام وصواريخه.. إلى مجرد أطلال تحكي قصتها للتاريخ.. ومن الطبيعي أن تستحوذ مشاعر القهر على كل أبناء حماه الذين عاشوا تلك التجربة، ولذلك فإن كل طفل مرشح لأن يكون أبا مصعب آخر أو أبا زيد أو.. ولا نستثني من ذلك حتى أولئك الذين كانوا في أرحام أمهاتهم في فبراير عام1982.

 

التعاطف:

حاول المحقق التلفزيوني أن يدفع المتهمين نحو موافقته على الأموال التي سيكافأون بها هي دافعهم لتنفيذ العمليات ودافع الذين ساندوهم قبل وأثناء التنفيذ.. إلا أن أقوال المتهمين كانت تبطل ادعاءاته وتردها إليه، فقد ذكر المتهم الرئيسي موفق شريتح أنه وزميله أبو مصعب الذي قتلته عناصر الأمن أثناء مطاردته دخلا سوريا بغرض تنفيذ العملية حسب تعليمات مسؤولين في التنظيم، ولم يكن عليه في هذه الحالة سوى الطاعة والتنفيذ.

وأما المتهمان الآخران فقد أكدا مع المتهم الأول أن التعاطف والتأييد هما اللذان دفعاهما إلى مساعدة المكلفين الرئيسيين بالعملية أبو مصعب وشريتح.. ولم يكن للمال أي نصيب في مساهمتهما. ويؤكد ذلك أيضًا ما قاله المتهم عمر حكام من أن موفق شريتح أعطاه بعض المال نتيجة تعطله عدة أيام معه، سيما وأنه يعمل ميكانيكيًا إلا أنه رفض ذلك لاعتقاده أن ما يفعله لصالح أهله وبلده، بسبب المعاناة التي يعيشونها نتيجة سياسة النظام.

المفاهيم المتناقضة

ما ذكرناه في هذه المقالة يشكل بعض القراءات التي تمكنا من استخلاصها إثر مشاهدة شريط الاتهام الذي بثه التلفزيون السوري.. ونختم مقالتنا هذه باستعراض بعض المفاهيم المتناقضة التي وردت في الشريط وعلى لسان المحقق التلفزيوني. وأهم هذه المفاهيم تلك التي تتعلق بالناحية الإنسانية.

فالمحقق حين يقرر أن العمليات التي قام بها المتهمون تشكل جرعة إنسانية ينسى أن تلك الجريمة لا تقارن البتة بالجريمة التي ارتكبها النظام في حماه عام 1982، وفي جسر الشغور وفي حلب وحمص وإدلب واللاذقية وتلك التي نفذها في سجن تدمر... وإن كانت العملية التي قام بها هؤلاء قد أودت بحياة 130 شخصًا فإن الجريمة في حماه أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف.

ومن هذه المفاهيم أيضًا وصفه للقتلى بأنهم مواطنون أبرياء عزل.. ونسي أن من هؤلاء الأبرياء من شارك في عمليات القتل والقصف.. في حماه والمدن السورية الأخرى، باعتبار أن معظم من وصفهم المحقق بالأبرياء هم من العسكريين كما ذكرنا آنفا... ونسي المحقق أيضًا حقيقة أن من قتلهم النظام في حماه وتدمر وغيرهما كانوا أبرياء عزل منهم النساء والأطفال والشيوخ.

وينسى المحقق حين يسأل المتهمين إن كانوا يقبلون أن يكون أحد من أهلهم بين قتلى تلك العمليات ينسى أنه ما من بيت في حماه إلا فقد أحدًا من أهله، بل إن أسرًا بكاملها لم يعد لها وجود في هذه الحياة، ونسي أيضًا أن لكل من هؤلاء أخًا أو أبًا أو قريبًا قد لقي مصرعه خلال مجزرة حماه عام 1982.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2063

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 1

1116

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان