العنوان حين تعني الاستقامة... الجنون!
الكاتب محمد الحسناوي
تاريخ النشر السبت 15-سبتمبر-2001
مشاهدات 76
نشر في العدد 1468
نشر في الصفحة 29
السبت 15-سبتمبر-2001
في السبعينيات من القرن الميلادي الماضي وبالضبط حين كان محمد حيدر نائبًا لرئيس الوزراء السوري للشؤون الاقتصادية، أفاد كالكثيرين من خيمة النظام وغيبة القانون، لاسيما العمولات من الصفقات الرسمية للمؤسسات الصناعية وغيرها حتى درجت الشركات الأجنبية على تسميته بـ 5% آنذاك بلغ التضخم الاقتصادي لأول مرة مستوى رهيبًا، وأصبحت رواتب موظفي الدولة، كما هي الدولة، غير عادلة ولا مقبولة، فاضطرت الوزارة التي هو أحد أعلامها أن تفكر برفع رواتب موظفي الدولة وكان مشروع الميزانية لهذا الإجراء يكلف الدولة رقمًا ضخمًا، مع العلم أن الرشاوى والمحسوبيات والعمولات والسمسرة قد طبقت الآفاق، وقل من رجال الدولة من لم يسقط في شرك الحاجة والفاقة، ومحمد حيدر على علم -كما يبدو- بأن معظم موظفي الدولة والقطاع العام «يدبرون أنفسهم» ولم يبق إلا حفنة ضئيلة من المواطنين ترفض الرشوة لأنها محرمة شرعًا أو لأنها عيب اجتماعي، كان المجتمع يأباه ويرفضه، فقال حيدر قولته المشهورة: أمن أجل حفنة من المهابيل، وفي رواية أخرى «المصاطيل» نحمل الدولة هذا العبء الضخم؟
هذه الكلمة الذهبية دخلت التاريخ السوري من بابه العريض، وأصبحت منذ ذاك اليوم تكر مثل كرة الثلج، حتى إذا ظهر مهبول مهووس هاوي شهرة مثل نزار نيوف صارت التسمية الأليق به «المجنون».
كل الناس تعرف أن هناك لصوصًا كبارًا، وكل الناس تعلم أن حاميها حراميها، وكل الناس تعلم أن أجهزة الأمن وأباطرته بالذات هم أول المستفيدين وأخرهم، فلماذا تمد يدك إلى عش الزنانير؟ ولماذا تلاطم عينك المخرز؟ ولماذا تعرض عنقك لحبل المشنقة أو الاختطاف أو الاتهام بالخيانة العظمى كما حصل للمثقفين؟
أليس هذا هو الجنون بعينه؟ إذا فالبطولة عند الأغلبية العظمى من شعبنا الطيب الصابر أصبحت جنونًا، وقد تم حصد المجانين منذ زمن طويل وخلت منهم الجامعات والمعامل والنوادي والنقابات، ألم يبق إلا أنت حتى تتحمل وحدك هذا العبء الذي لا يطاق؟ هذا العبء ثمنه الموت؟! وأي موت؟ وليته موت معلن أو في ساحات فلسطين، أو في عملية فدائية ضد العدو المحتل!
هذا منطق أصحاب النيات الحسنة من معظم المواطنين وهم الفريق الصامت على مضض، وعلى عكسهم من حيث النوايا، وعلى شاكلتهم من حيث النتيجة والتعبير.. أولئك الذين ماتت ضمائرهم وولغوا في الفساد حتى الأنقان، لاسيما أولئك الأباطرة الذين لا يرون في الحياة إلا السوط والذهب: السوط للاضطهاد والذهب للتمتع والاكتناز، ولو كان البيع والشراء المحرمان يتناولان القيم والأوطان والأعراض، هؤلاء يعجبون كيف يرفض مواطن الإغراءات المال- المسكن- المنصب- الجاه؟! الحياة كلها بيع وشراء وسلب وغصب ونهب، فإذا هبت رياحك فاغتنمها.
ومع ذلك نتوقع أن في سورية خميرة المجانين كثيرين، ولكيلا نذهب بعيدًا في التخمين نضرب مثلًا محسوسًا، لأن هناك من لا يؤمنون إلا بالأمثلة المحسوسة الملموسة؟
بعد قيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطيننا العربية، وبعد سلسلة المجازر والتصفيات داخل فلسطين وخارجها، وبعد ثلاث حروب عربية خائبة، ظن الصهاينة المحتلون وغيرهم من أصحاب الحسابات المادية أن الشعب الفلسطيني قد انتهى، لاسيما سيما في الأرض المحتلة، فإذا الانتفاضة تلو الانتفاضة، وإذا مواكب الشهداء والفدائيين تنبعث من تحت الأرض وفي كل مكان، هل هذا سحر، أم خرافة، أم جنون، أم ماذا؟ وهل أثر ذلك على مجموع الأمة سلبي أم إيجابي؟ وهل المجانين العقلاء الشهداء يكثرون أم يقلون؟
قصة شهداء الأخدود التي وردت في الحديث الشريف معلومة طفل مؤمن هز عرش الطاغية الذي لم يستطع قتل الغلام حتى قال: باسم الله رب الغلام، وأطلق سهمه القاتل على صدغ الغلام فقتله، فهاج الجمهور وماج تعاطفًا مع الغلام الشهيد المؤمن، فأمر الطاغية بحفر أخدود «خندق عميق» وأشعل فيه النيران، وطلب ممن لا يرتد عن دين الغلام أن يلقى في النيران، وحاولت امرأة التراجع عن الأخدود، فقال لها الطفل الرضيع في حضنها أقبلي يا أماه لا تخافي إنك على الحق وذهب الطاغية وذهب الطغيان.
هناك العقيدة التي لم تمت في نفوس الغالبية العظمي عقيدة الاستقامة وحب المستقيمين، إن المدمن على المخدرات لا يرضى لابنه أن يكون سكيرًا، وإن الصحوة العربية الإسلامية حقيقة شعبية لا مراء فيها.
يحكى أن أحد القضاة كان يعمد أحيانًا إلى «عض» الجاني الذي تجري محاكمته أمامه، فلما بلغ الأمر للسلطان، تخفى السلطان وحضر جلسة من جلسات هذا القاضي العضوض، فإذا أحد المدينين يعترف بأنه مقترض من جاره مئة ليرة ذهبية، ولم يدفع ما بذمته لصاحب القرض فطلب منه القاضي تقسيط المبلغ كل سنة عشر ليرات فرفض المدين، فجعل القسط خمس ليرات كل سنة، فرفض المدين، وهكذا حتى وصل إلى ليرة واحدة، والمدين يرفض، وهنا أعلن السلطان عن شخصه وقال للقاضي: هل تعضه أنت أم أعضه أنا؟