; نظرة في إشكالية التحول الديمقراطي | مجلة المجتمع

العنوان نظرة في إشكالية التحول الديمقراطي

الكاتب د. نجيب عاشوري

تاريخ النشر السبت 22-سبتمبر-2001

مشاهدات 62

نشر في العدد 1469

نشر في الصفحة 66

السبت 22-سبتمبر-2001

شهدت عدة بلدان عربية في العشريتين السابقتين محاولات متعددة لإرساء تجارب للتحول الديمقراطي المتدرج، مع الحفاظ على الأنظمة القائمة، والعمل من خلال ما تتيحه من فضاءات محدودة، سعيًا لتوسيعها، والوصول شيئًا فشيئًا لترسيخ أهم أهداف الديمقراطية وهو التداول السلمي على السلطة.

وقد مرت على هذه التجارب فترة تزيد على العشريتين، دون أن يتحقق في هذا السبيل شيء يذكر، بل على العكس تشهد تراجعًا كبيرًا ونكسات متواصلة، مما أفضى إلى إفراغ معظم هذه التجارب من كل محتوى.

وما يبدو من تقييم إيجابي لبعض هذه التجارب في الوقت الراهن ناتج عن جدتها – التجارب السابقة لاقت هي الأخرى ترحيبًا في بدايتها – وناتج أيضًا عن المقارنة بين الانفتاح النسبي الذي توفره وبين الانغلاق الذي سبقها، وفي كل الحالات لم تصل أي من هذه التجارب إلى إرساء تحول ديمقراطي حقيقي.

وقد حان الوقت للتساؤل عن حدود مثل هذه الوسائل.

في البداية، نلمح إلى أن هذه الطريقة تبدو مغرية نظرًا لأنها توهم بإمكانية إجراء تحولات ديمقراطية دون دفع ثمن في المقابل، الشيء الذي دفع أغلب الفاعليات السياسية إلى الانخراط في هذه التجارب والتبشير بها فترة من الزمن، قبل أن يصاب أغلبها بالإحباط.

وفيما يلي محاولة لتناول هذا النمط من تجارب التغيير السياسي، لتحديد دوافعه، وأسباب فشله:

مما هو مجمع عليه، أن هذه التجارب كانت ردًا على انتفاضات وهبات شعبية عامة في محاولة لامتصاص نقمة الشارع وغضبه بإحداث نوع من تنفيس الضغط على المستوى السياسي، لتجنب تفاقم الأحداث.

ويتم هذا التنفيس بفتح مجال العمل السياسي والاجتماعي بشكل نسبي وانتقائي، لبعض القوى السياسية ذات الحضور الجماهيري.

ونظرًا لخلفيته تلك، فإن حدود هذا التحول هي بالضبط حدود الامتداد الزماني للنقمة الشعبية، حيث يتناسب مقدار ما يتوفر من حريات مع المظاهر الملموسة، أو تلك المتوقعة للغضب الشعبي، وحالما تعود الأمور إلى الهدوء، وتنزاح نذر الغليان في الشارع تضيق المساحات شيئًا فشيئًا، وتتقلص فضاءات التعبير الحر والممارسة المستقلة.

والسبب في ذلك هو، من ناحية انعدام أي قناعة لدى جل تلك الحكومات بجدوى التحول الديمقراطي وضرورته، ومن ناحية أخرى عدم تبلور وعي شعبي ضاغط في هذا الاتجاه، ذلك أن الهبات الشعبية التي كانت الدافع المباشر وراء هذه التحولات إنما كانت بواقعها اقتصادية بحتة، ولم ترتق إلى مستوى رفع شعارات سياسية واضحة تجمع عليها الفئات الشعبية المنتفضة وترفعها في وجه الحكام، وتستمر في ضغطها الجماهيري إلى أن تتحقق تلك المطالب.

وهذا لا يعني بحال أنه لم تكن تكمن وراء الأسباب الاقتصادية أسباب سياسية، بل هذا مؤكد، غير أنه لم يتبلور في شكل وعي عام، دافع وضاغط.

وبالنتيجة، فإن الأنظمة تعمد إلى الرد على المطالب الاقتصادية بحلول ذات طابع سياسي، وتفرغ الجانبين من محتواهما، والسبب في ذلك أنها، وبكل بساطة، عاجزة عن الرد الفعلي على المطالب الاقتصادية، فتقوم بعملية تحويل الانتباه لعلمها بأن تفريغ شحنات الاحتقان في الشارع السياسي يؤدي إلى تخفيض مستوى الغضب عمومًا، مما يكسبها –حسب ما تعتقد - مزيدًا من الوقت.

والتساؤل الذي يُطرح بإلحاج هو عن كيفية التعامل مع مثل هذا الوضع، بالنسبة للقوى ذات المصلحة في التغيير الحقيقي.

فمن الواضح أنه لا يمكن رفض تلك المبادرات على محدوديتها، غير أن المحذور هو مقايضة السعي إلى تحول حقيقي بالانخراط في تحول مزيف، والمساهمة في الحفاظ على وضع برامج مكانه دون تقدم حقيقي، بدعوى الخوف على جملة من المكاسب المحدودة جدًا والواقعة تحت سقف منخفض جدًا، وغير القابلة للتطور، هذا هو المأزق الذي وقعت فيه قوى عديدة، فما يا ترى الوسيلة المثلى للتعامل مع مثل هذه الحالات؟!

الرابط المختصر :