; (الخلوّ) بين الحلال والحرام ردًا على القلعجي والبهنساوي | مجلة المجتمع

العنوان (الخلوّ) بين الحلال والحرام ردًا على القلعجي والبهنساوي

الكاتب محمد سلام مدكور

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يناير-1979

مشاهدات 89

نشر في العدد 430

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 30-يناير-1979

كان الدكتور القلعجي قد نشر بحثًا في المجتمع انتهى فيه إلى أن أخذ المالك الخلو من المستأجر عند نهاية مدة العقد حلال وكان رد الأستاذ البهنساوي عليه بأنه ليس حقًا وبالتالي فهو حرام وقد كتب الدكتور مدكور تعليقًا على البحثين ننشره فيما يلي: 

حول ما أثير في موضوع الخلو للأستاذ الدكتور محمد سلام مدكور الخبير بموسوعة الفقه الإسلامي بوزارة الأوقاف بالكويت

«شاءت إرادة الله أن ابتلى بمقتل ابنتي الطبيبة في حادث سيارة بالكويت، واستسلمت لقضاء الله وسألته أن يلهمني الصبر. والحمد لله فقد أسبغ علي من نعمة الصبر ما جعلني أتحمل هذه الصدمة القاسية بنفس آمنة مطمئنة لكنني في الواقع لم أتمكن من تركيز تفكيري لبحث مسألة علمية بالصورة التي تعودتها وارتضيتها.

ولما طلب مني كل من الأستاذين الفاضلين اللذين كتبا عن الخلو في مجلة المجتمع أحدهما يحله والآخر يحرمه ولعلهما يقصدان إخراجي من عزلتي، جزاهما الله عني خيرًا».

الواقع أن التشريع الإسلامي يهدف إلى صلاح كل من الفرد والجماعة، إلا أن النزعة السائدة فيه هي النزعة الجماعية. فهو لذلك يعمل غالبًا على الحد من سلطان الفرد إذا تعارض هذا السلطان مع صالح الجماعة، أو أساء الفرد استعمال هذا الحق، فإذا تعارضت مصلحة الفرد مع الصالح العام، قدم حق المجتمع على حق الفرد إزالة للضرر الأكبر بالضرر الأدنى اتباعًا لأخف الضررين.

ومن هذا تشريع الشفعة. فقد أعطى الفقه الإسلامي الشفيع حق تملك العقار المبيع للغير بما قام عليه من ثمن ومصاريف جبرًا عن المشتري والبائع. مع أن الأساس في العقود الرضا وأن من حق المالك أن يتصرف في ملكه كيف شاء.

ومن هذا نزع الملكية جبرًا عن صاحبها للمنافع العامة، واستيلاء الحاكم على الفائض من السلع التي يحتاجها الناس في معيشتهم بالقيمة لإمداد جنوده وإمداد المناطق التي انقطع عنها هذا النوع وكانت في حاجة إليه، وكذا استيلاء الحاكم على عمل الصانع وتكليفه بالعمل رغم إرادته بأجر المثل إذا اقتضى الصالح العام ذلك.

ولا شك أنه يدخل في ذلك أيضًا تحديد الإيجارات إذا استغل الملاك حاجة الأفراد للتأجير، أو استغل شاغل العين دون احتياجه الفعلي لشغلها حاجة الغير لها دون تبرير فقد حول الفقه الإسلامي كما يرى بعض الفقهاء لولي الأمر تسعير السلع وتنظيم هذه المعاملات لضبط العلاقات التعاقدية بين المتعاملين وتنظيمها بما يصدره من قوانين.

والحق: هو اختصاص يقرر به الشرع سلطة أو تكليفًا. وحقوق الأفراد في الفقه الإسلامي ليست حقوقًا طبيعية، ولكنها منح إلهية قيدت في استعمالها بمراعاة مصلحة الآخرين وعدم الإضرار بالجماعة فليس للفرد مطلق الحرية في استعمال حقه. بمعنى أنه السيد المطلق الذي يحد من سلطانه في ذلك أي إنسان حتى لو تعسف ذلك الحق وأضر بالآخرين. 

وقد قال الفقهاء. قد يمنع المرء شرعًا من عمل هو في الأصل مباح وفيه مصلحة إذا ترتب عليه الإضرار بالمجتمع. 

وللحق إطلاقات مختلفة عند فقهاء المسلمين. منها ما هو عام شامل لكل حق فيشمل الملك سواء أكان نقدًا أم منقولًا أم عقارًا أم دينًا أم منفعة أم أمرًا آخر كالحقوق المجردة.

وهي أمور اعتبارية  وأوصاف شرعية تجعل من ثبت له، قادرًا على تحصيل ما تعلقت به كحق الانتفاع وحق التملك. 

ومن الحقوق ما هي حقوق مالية تتعلق بالأموال ومنافعها كحق تملك الأعيان والمنافع وهذه قد تكون حقوقًا شخصية أقرها الشرع لشخص على آخر كحق المشتري في أن يتسلم من البائع الشيء المبيع وقد تكون حقوقًا عينية وهي ما يقرها الشرع لشخص على شيء.

فالرابطة في الحق الشخصي تكون بين شخصين بينما هي في الحق العيني تكون بين شخص وشيء. والحقوق المالية الأصل فيها أنه يجوز إسقاطها نظیر مال.

والإسلام إذ يعترف بالملكية الفردية، وبمنح هذه الحقوق فإنه يفرض على المالكين طائفة من التكاليف والالتزامات. 

-لمصلحة الجماعة- تنقبض وتسع على ضوء حاجات المجتمع وما تتطلبه سعادة الأفراد. فالشارع لم يطلق للمالك حق التصرف على وجه لا يحد من سلطانه فيه شيء ولا يصد هواه ورغباته قاعدة ولا قانون. ولكنه ملكه ملكية محدودة بقيود رسمها الله وبينها في كتابه وأوضحتها سنة رسوله. فإذا التزمها المالك وكان آمنًا على ملكة وتصرفاته وإن أخل بها فطغى وتجبر أو منع حق الجماعة فيه، أو بعد عن البر والتعاون وأساء استعمال الحق كان عرضة للأخذ بالشدة والقهر. 

ولقد قرر الإسلام مبدأ المنع من التعسف في استعمال الحق قبل أن تعرفها الحضارات القانونية فمنع احتكار ما تتعلق به حاجة الناس، وأجاز كما يرى كثير من الفقهاء التحكم في أسعار الأشياء التي لا غنى للناس عنها في معاشهم. وقد تكون معاملة من قسا قلبه بالشدة والقوة ما ينبه ضميره فيرضى طائعًا بما يحقق التعاون والوئام بينه وبين إخوانه في المجتمع مصداقًا لقول الإمام العادل عثمان بن عفان «يزغ الله بالسلطان ما لا يزغ بالقرآن».

وأخذ الخلو نشأ للتحايل على تدخل الحاكم في تحديد الإيجار أو التحكم فيه بمنع زيادته لفترة زمنية وحماية المستأجر وإعطائه حق البقاء في العين المستأجرة دون أن يكون للمالك حق إخلائه من العقار فيتجه بعض الملاك أو المستأجرين إلى الاحتفاظ بالعين المعدة للاستغلال شاغرة أو مغلقة دون مقتضى إلا بغية إيجاد أزمة في المساكن والحوانيت، ودفع المحتاج إلى الخضوع إلى ما يفرضه من الخلو في مختلف صوره، لأن المالك يعلم سلفًا أن المستأجر الذي سيتعاقد معه سوف لا يتمكن من إخلائه لأن قانون الإيجار يمنعه، ولأن المستأجر الذي في غير حاجة إلى العين يستغل حماية القانون له.

ويأبی إخلاءها إلا بعد حصوله على ما يفرضه من خلو دون مقابل إلا إذا كان في نظير الشرك، أو الاسم التجاري، وكلاهما في الواقع يتحايل على أمر ولي الأمر، وكلاهما في الواقع يستغل حاجة الناس ويتعسف في استعمال حقه.

وإن هذا يعتبر منهم احتكارًا، يقال في اللغة احتكر الشيء جمعه واحتبسه النظار لغلائه والحكر بفتح الحاء والكاف ما احتبس انتظارًا وتسببًا للغلاء. فمعاني الكاملة تدر حول الظلم في المعاملة وحبس شيء من الأشياء للاستبداد بشأنه والتحكم في منفعته.

وإن كان بعض الفقهاء قصر الاحتكار على الأقوات فإن بعضهم عممه. فقد نقل الحصكفي من الترنبلالية من الكافي أن الاحتكار، اشتراء الطعام ونحوه وحبسه إلى الغلاء... فكلمة «ونحوه» تجعل الاحتكار شاملا للقوت وغيره مما يحتاج إليه الناس ويكون من مستلزمات معيشتهم... وقد نقلوا من القاضي أبو يوسف الفقيه الحنفي قوله: كل ما أضر بالعامة حبسه قهر احتكار ...

كما جاء في المدونة برواية سحنون أنه سمع مالكًا يقول: الحكرة في كل شيء في السوق. وقد نقل الحطاب ذلك من الإمام مالك، ونقل من القرطبي المالكي ما يؤيد هذا العموم. وقد وردت عدة أحاديث في موضوع الاحتكار دون تقییده. ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحة وأبو داود في سننه عن سعيد بن المسيب عن معمر بن عبد الله العدوي قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «من احتكر فهو خاطئ» وفي رواية أخرى نص عليها مسلم وأحمد وأبو داود وقال المنوبي في الجامع الصغير إنه رواية عن الترمذي وابن ماجة أيضًا «لا يحتكر إلا خاطئ».

ومن ذلك حديث أحمد عن أبي هريرة قال رسول الله... «من احتكر حكرة - بمعنى الاحتكار- يريد أن يغلي بها على المسلمين فهو خاطئ وقد برأت منه قمة الله ورسوله».

قال السيوطي: رواه الحاكم عن أبى هريرة. ومن معقل بن يسار قال رسول الله: من دخل في شيء من أسعار المسلمين عليهم كان حقًا على الله أن يقعده بعظم من النار يوم لإقراره أي بمكان عظيم (رواه أحمد).

 وقال البركاني: لا شك أن أحاديث الباب بمجموعها تدل على عدم جواز الاحتكار والتصريح بأن المحتكر خاطئ. كان في إفادة عدم الجواز لأن الخاطئ كالمذنب العاصي ثم قال: وظاهر أحاديث الباب أن الاحتكار محرم من غير فرق بين القوت وغيره.

 وقال الصنعاني: لا يخفى أن الأحاديث الواردة في منع الاحتكار وردت مطلقة كما وردت مقيدة بالطعام. وما كان من الأحاديث على هذا الأسلوب فإنه عند الجمهور لا يقيد فيه المطلق بالمقيد لعدم التعارض بينهما بل يبقى المطلق على إطلاقه.

وهذا يقتضي أنه يعمل بالمطلق في منع الاحتكار بجميع صوره وأشكاله، ومن صوره فيما ترى الاحتفاظ بالمساكن والحوانيت ومنع تأجيرها مع شدة حاجة الناس لها لسكناهم ومعاشهم. لا يبغون من وراء ذلك إلا التحكم في الراغب في الاستئجار واستغلال حاجته بفرض قدر من المال بغير حق. واعتبار هذا من صور الاحتكار أقرب إلى تحقيق مقاصد الشريعة من التيسير على الناس ودفع الضرر ومراعاة مصلحة الجماعة.

والاحتكار-الذي منه في موضوعنا- محظور وقد اختلفت عبارات الفقهاء في التعبير من هذا الحظر فمنهم من صرح بالحرية ومنهم من صرح بالكرامة. والقائلون بالحرمة يستدلون على ذلك بحديثين: «المحتكر ملعون»، «من احتكر طعامًا أربعين ليلة فقد برئ من الله، وبرئ الله منه» يقول الكاساني الحنفي: ومثل هذا الوعيد لا يلحق إلا بارتكاب الحرام. وكذلك فقد صرح بعض فقهاء الشافعية بأن النهي المتعلق بالاحتكار نهي تحريم وكذلك ابن قدامة الحنبلي وابن حزم الظاهري.

ويصرح أكثر الحنفية بالكراهة ومرجع هذا فيما نرى اعتبارهم الأصولي في المكروه وهو أنه ما دل على منعه دليل ظني وأما كون الكاساني الحنفي صرح بالتحريم فلأنه أضاف إلى الاستدلال بالسنة الاستدلال بدليل عقلي وهو أنه اعتبره ظلمًا والظلم حرام. وحرمة الظلم مما علم من الدين بالضرورة فيكون حرامًا بالدليل القطعي. كما أن الحطاب من المالكية وإن كان لم يذكر إلا أن الاحتكار ممنوع فلعل هذا من احتياطات المالكية المعروفة عن أمامهم إذ كان يقول في كثير من الأمور أحب كذا وأكره كذا خروجًا من شبهة الدخول في قوله تعالى ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ (النحل: 116). وجدير ألا يكون تحرير الاحتكار بجميع صوره موضع خلاف وقد تهدد الشارع عليه بوعيد شديد قل إن يذكر في معصية من المعاصي وما ذلك إلا لأنه أمر يتعلق بالصالح العام فهو مظهر ضرر ودليل قسوة في قلب من سمحت له نفسه به وآية على جشعه.

وإذا كان البعض قد اشتبه عليه أن المال مملوك للشخص أو أنه صاحب الحق في التصرف فيه فله بمقتضى ذلك حرية التصرف في حبسه أو إخراجه وأن من طبيعة العقود الرضا لأن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ (النساء: 29) ، فإنا نلفت نظره إلى أن شريعة الإسلام تنادي بأنه إذا تعارض الصالح العام مع الصالح الخاص قدمت المصلحة العامة دفعًا للضرر الأكبر، وأن لولي الأمر بمقتضى الشرع أن يقيد الحق بما يمنع إساءة استعماله واستغلال حاجة الناس. ومن هنا يتجلى حقيقة ما منح الله للإمام العادل من سلطان يبطش به بكل جبار عنيد ويقاوم به بغي کل ظالم بالأسلوب الذي يمنع من وقوع هذا الظلم. وصدق رسول الله في قوله فيما يروى عنه «ملعون من ضار مسلمًا». ولا يخفى ما في أخذ الخلو من استغلال حاجة المضطر ومن في حكمه وتغليب المادة والتكالب عليها عن التعاون والتكافل الذي يدعو إليه الإسلام. وإن فيما ابتدعه الناس للتخلص من سلطان قانون المتحكم في الإيجارات وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر. الذي قصد به حماية الضعيف والضرب على أيدي الاستغلاليين. فيه من المضرة بالعامة ما فيه وتحقيق الاستغلال بأبشع صوره. من أجل هذا كان في وسعنا أن نجزم بأن احتجاز المكان المعد للاستغلال دون أن يكون المالك في حاجة لاستعماله. ومنعه عن التأجير للغير بأجرة المثل إلا إذا قدم له الراغب مبلغًا يفرضه عليه غير الأجرة ودون أي مقابل نوع من الاحتكار الذي يقصد به الإغلاء على الناس واستغلال حاجتهم، وكذلك احتجاز المستأجر المكان برغم انقضاء حاجته منه وعدم استعماله إياه مستندًا إلى حماية القانون له وأن المالك لا يستطيع إخراجه منه. ويهدف من وراء هذا الاحتجاز استغلال هذا الحق والتعسف فيه للاستفادة ممن يريد استئجاره بأخذ ما يفرضه عليه من مال يعرف باسم الخلو دون أن يكون نظير الاسم التجاري أو حق الجدك فإنه نوع من الاحتكار وفيه إساءة لاستعمال الحق وهو أمر غير مشروع وأكل لأموال الناس بالباطل. وأما أن نستند في حله إلى أنه حق مالي يصح الاعتياض عنه بالمال. أو أن الناس تعارفوا عليه وأن المعروف كالمشروط فهذا لا يستقيم لأن الحقوق كما قلنا منح إلهية مقيدة بعدم الإضرار بالجماعة وعدم استغلال الناس ومضارتهم. كما أن هذا العرف غير معتبر لمناقضته لمبادئ التشريع العامة، ولأنه من قبيل التحايل على الخروج على أمر ولاة الأمر بما أصدروه من قوانين منظمة للعلاقة بين المستأجر والمالك حماية للضعفاء وقد قرر علماء المسلمين أن ولاة الأمر من حقهم، بل من واجبهم أن يسهروا على مصالح رعيتهم وأن يسوسوا الناس بما يكفل لهم التعاون. وأن يقاوموا التحايل على الخروج على أوامرهم العادلة المنصفة.

هذا ما استطعت أن أصل إليه من رأي -في الظروف التي أنا فيها- ويغلب على ظني أنه الصواب فإن كنت قد أصبت الحق فمن الله التوفيق وإن كنت جانبته فمني ومن الشيطان والله أعلم بالصواب 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

189

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟

نشر في العدد 3

153

الثلاثاء 31-مارس-1970

شكر وتقدير