; في مجتمع القسط.. يرتفع الإنسان إلى مستوى خلافة الأرض.. وفيه يختار الإنسان طريقه.. وكل أعماله | مجلة المجتمع

العنوان في مجتمع القسط.. يرتفع الإنسان إلى مستوى خلافة الأرض.. وفيه يختار الإنسان طريقه.. وكل أعماله

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 18-يونيو-1974

مشاهدات 74

نشر في العدد 205

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 18-يونيو-1974

في مجتمع القسط.. يرتفع الإنسان إلى مستوى خلافة الأرض.. وفيه يختار الإنسان طريقه.. وكل أعماله.. مجتمع القسط لماذا مجتمع القسط؟ هذا العناء الشديد، وهذا الجهاد الطويل، وهذه الشروط الصعبة التي لا يقوم مجتمع القسط إلا بها، هل تؤتي أكلها؟ وهل الربح فيها أكثر أم الخسارة؟ مجتمع القسط ذو التكاليف العالية قبل أن يقوم، ألا يغني عنه سواه؟ ألا يستطيع الإنسان أن يعيش في ظل مجتمع آخر؟ وأسئلة كثيرة أخرى تخطر بالبال، وربما كانت هذه الأسئلة وراء حكمة جعل آية الحديد مدنية لا مكية، فكأنها كانت تلخيصًا شاملًا لجهاد العهد المكي الطويل، لا بأيامه وحسب بل بصعوباته وظلمته ويأسه. فكأن الله -جلت حكمته- لم يشأ أن يثقل على المسلمين المكيين، فوق ما هم فيه من عناء، ونحن نذكر الآية هنا ونفصل موضوعها، لا للتثبيط والإثقال وعلى علم سلفًا بما سيواجههم، فمن أراد أن يبدأ رحلة طويلة، فإنه سيستعد لها الاستعداد اللائق بها، أما من يبدأ رحلة طويلة وهو مستهين بها مستقرب نهايتها، فإنه لا يحمل لها الزاد الكافي ولا الهمة الموصلة، فينقطع به الدرب فيكون كمن وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى» فخسر الدنيا والآخرة حقيقة لا مجازًا. وإني لعلى يقين من أن دعاة الحق لن يزدادوا بمثل هذا الحديث، إلا عزيمة، وهمة صادقة، وتصميمًا على المسير، مهما كلفهم ذلك، مزودين بزاد من الإيمان لا ينضب، ونور في القلب لا ينطفئ إن شاء الله، وهؤلاء الذين سيعملون على بناء مجتمع القسط، يعلمون علم اليقين أنهم لا يستطيعون العيش في مجتمع سواه، وإلا لما هبوا للتغيير، وليس سواهم بأقدر منهم على العيش في مجتمعات الظلم البشري، ولكن العصبة المؤمنة تكتشف قبل سواها، استحالة الحياة النظيفة الصادقة في ظل غير حكم الله. فالإنسان «۱» الخليفة، الحر، حامل أمانة التكليف، لا يستطيع أن يحيا حياته الصحيحة في مجتمع يعبد فيه الإنسان أخاه الإنسان، أو يعبد مجتمعًا أو جماعة منه تحت أي اسم كان، طبقةً أو حزبًا أو عشيرةً أو سواها. الخلافة في الأرض وإعمارها رکن أساسي من أركان الإنسان، بل تعد أول صفة عرفته بها كل كائنات العالم، عندما أخبر الله ملائكته بأنه سيخلق آدم، ولم يسمه يومها باسمه هذا آدم، بل بصفته الأبرز فيه إذ قال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ﴾ (البقرة: 30) صدق الله العظيم. هذا الجانب العظيم في الإنسان، الذي يفجر فيه طاقات هائلة، كيف بالله يمكن أن يتحقق في ظل حكم الإنسان للإنسان بقانون من صنع الإنسان، الناقص الضعيف؟ كيف يستطيع قانون من صنع العقل البشري مجتمعًا أو منفردًا أن يحيط بحاجات وطاقات عبد واحد من عباد الله، قرر أن يمارس وظيفته كخليفة في الأرض؟ والحرية.. وهي الصفة الثانية في الإنسان، إذ بدونها لا معنى للتكليف، ولا معنى للحياة التي لا تنتهي بالموت، بل لا بد فيها من بعث وحساب وجزاء. كيف بالله يمكن للإنسان أن يعيش حرًا يؤدي عباداته، وينفس عن خلجات صدره في ظل مجتمع بشري تحكمه قوانين بشرية، قد ترى في وقت من الأوقات أن التدين خطأ وتعطيل للطاقة، وقد رأت، ووجدت هذه الظروف فعلًا، لا أقصد المجتمع الشيوعي الذي يحارب فيه التدين وتوجه كل العبادة للدولة، والمجتمع الرأسمالي الذي يعبد فيه رأس المال وتشرك معه الشهوات والشهرة والإنتاج، بل مجتمعنا العربي الذي يسمي نفسه إسلاميًا «كذبًا على الله وعلى نفسه»، فإني ما زلت أذكر مقالات كتبت في صحف بلد عربي مسلم قبل نكسة حزيران بشهر واحد، جاء في أكثرها اعتدالًا هذه العبارة «إن التدين في حد ذاته رجعية وبرجوازية» «۲» وليس المهم وصف التدين بالرجعية والبرجوازية، ولكن المهم نقل هذه النظرية إلى مجال التطبيق العملي، وكان قد حدث هذا سلفًا. فكيف يمكن أن يحصل إنسان على حريته الحقيقية في مجتمع غير مجتمع القسط؟ وإذا لم تتوفر الحرية في مجتمع ما، فإن الإنسان والحيوان فيه سواء، وعندها يكون الموت أجدر بالإنسان من الحياة. وإذا كان لا بد من الموت، فليكن الموت في سبيل مجتمع حر للآخرين من بعدنا. لقد أكد الله على الحرية في جليل كلماته تأكيدًا يجعلها فريضة، ويجعل الموت في الدفاع عنها أو في سبيل الحصول عليها شهادة، فكأنها هي الحياة الحقة، ولا حياة بسواها. إن الذي لا يملك حريته الحقيقية ليس بإنسان حق، وهو عند الله في عداد المجرمين ظالمي أنفسهم، لقد حملنا الله أمانة الحرية وألزمنا بها عندما قال: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰ وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ «3». فإذا كنت أحمل مسؤولية عملي كاملًا، لا يحمله أحد عني، فلم أطع الظالمين فيما يريدون وأخالف الحق وما ترغب نفسي، ما دام الله سيحاسبني على ما صنعت يداي، سواء كان ذلك العمل منبعثًا من ذاتي أو تقليدًا للآخرين!! والخلافة والحرية هما معًا مقتضى التكليف، وهما معًا الأمانة التي حملها الإنسان مختارًا، ولم يحملها سواه، ولهذا أشار الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا﴾ «4» صدق الله العظيم. هذه الصفات الأساسية في الإنسان، المميزة له عن سواه من مخلوقات الله طرًا، لا يمكن أن تتحقق مجتمعة أو متفرقة، إلا في مجتمع القسط وفي ظل حكم الله تبارك وتعالى. ولنأخذ مثلًا تطبيقيًا على ذلك، الخلافة من جهة كصفة أساسية في الإنسان، والشيوع الجنسي كصفة من صفات مجتمع غير القسط، ومن غريب المغالطات قول أعداء العدل الأزلي، إن شيوع الجنس يسبب زيادة الإنتاج، وبالتالي تتحقق الخلافة في صورة أحسن!!! علمًا بأن هذه مغالطة مكشوفة، فإن انشغال الإنسان بالجنس هو العدو الأكبر للإنتاج عقليًا كان أو ماديًا، وبالتالي فهو عدو صفة الإنسان الأولى«الخلافة»، بل كيف يصدق عاقل أن إنسانًا ينشغل بالشهوة الجنسية ويقبل عليها بطرقها غير المشروعة في دين «والتي أصبحت مباحة في أديان البشر»، كيف يصدق عاقل أن مثل الإنسان المذكور، يستطيع أن ينجح في عمل مهما كان، صغيرًا نظريًا كان أو عمليًا؟ ومع كل هذا يكابر أولياء الشيطان. لا بد من مجتمع القسط بأحكامه وشرائعه وعلاقاته الاجتماعية، لا بد منه ليستطيع الإنسان القيام بما کلف به وقدر له أصلًا، ولسبب آخر لا يقل أهمية، ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة، ففي مجتمع القسط يختار الإنسان طريقه بحرية تامة، ويختار كل أعماله دون التأثر بأحد إذا شاء. وعندها فقط تكون الحياة البشرية صادقة وحقيقية. وإذا صدقنا أنه لا حياة للإنسان إلا في مجتمع القسط، وأنه هو المجتمع الذي أراده الله للإنسان، فهمنا أن الجهاد الطويل المرير الذي جاهده الأنبياء، وخاتمهم محمد -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه لم يضع سدًى، ولا كان ترفًا، وإنما كان ضرورة إنسانية للذين جاهدوا للحصول عليها أولًا، ثم للأجيال من بعدهم. واليوم: وقد أبعد حكم الله، ونحيت شرائعه، وقعدت الإنسانية عن القسط لترتكس في ظلمات صنعتها بيديها، اليوم وبعد كل هذا وجب علينا أن نتحرك لإعادة القسط إلى الأرض، وبناء مجتمع القسط، مهما كلفنا ذلك من تضحيات وعذابات وآلام، فإنه لن يقوم هذه المرة بأقل مما قام به في أية مرة سبقت، بل ربما احتاج جهودًا وضحايا أكثر، ونفسًا أطول، وصبرًا كصبر أولي العزم من الرسل. ولا أقول هذا من باب حشد الكلمات، ولكني أنطلق من معادلة هي أن الجاهلية قد استفادت كثيرًا من تجاربها الماضية، فهي أعتى من أخواتها السابقات وأعند، وهي أقوى وأكثر. وفي الجانب الآخر يحدث التحرك الإسلامي لأول مرة في تاريخ البشرية، دون قيادة تتلقى من الله الأمر، فالدعاة إلى الله هذه المرة، يملكون حقًا كل أدوات النبوة من كتاب وسنة وتاريخ، ولكن بلا نبي، ولهذا أثر كبير في سير دعوة الحق، وشر ذلك الأثر هو التشتت، فلكلٍ رأي، وكلٌ يرى أنه على صواب، فتكثر مدارس الإصلاح، ويكثر اختلافها، وهو أخطر عليها من كل أعدائها مجتمعين. ورغم كل هذه الصعوبات التي تقف في طريق مجتمع القسط، تبدو حقائق لا بد من ذكرها: أن تضحيات وآلام الدعاة إلى الله في سبيل الله لإقامة حكم الله، لا تساوي شيئًا إذا ما قورنت بضحايا أخطاء الشرائع الأرضية والفتن الدنيوية، إن أية فتنة تحل في أي مكان في الأرض، تحتاج وقودًا من أرواح البشر، يزيد أضعافًا مضاعفة عما يمكن أن يلزم لإقامة حكم الله في الأرض، هذا عدا عن أن التضحيات التي تقدم في سبيل الله، لإقامة حكم الله في الأرض تنتهي حال قيام هذا الحكم، أما ضحايا الأخطاء البشرية فمستمرة لا تنتهي، وتزداد كل يوم ولا تنقص ومن أراد دليلًا، فليطالع صحف العالم على مدار شهر واحد، وليحلل الجرائم التي تنقلها له الصحف في هذا الشهر، وليحصها ليعلم صدق هذا الرأي. فما دام الربح واضحًا تمامًا في قضية إقامة حكم الله، واستحالة الحياة في غير مجتمع القسط واضحة أيضًا، فلا بد أن يهب كل المتحمسين لدعوة الله، وبكل ما يملكونه من قوة لإقامة مجتمع القسط، مجتمع السعادة البشرية، ومجتمع الإنسان الحق. وعودة لآية القسط: ففي الآية الكريمة معادلة سرمدية لا يمكن حذف أي من عناصرها وهي رسل + میزان + مؤمنون الحديد «عامل مساعد» القسط. أما الرسل والميزان فبدلًا منهما كتاب الله، إذ لا أنبياء بعد محمد صلى الله عليه وسلم، والمؤمنون موجودون على قلة وضعف، ويبقى العامل المساعد وهو الحديد ليقوم القسط، ولكن لهذا العامل وقته «٥»، الذي يكفي للتدليل على زمنه أن هذه الآية كانت مدنية ولم تكن مكية، كانت بعد أن ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ﴾ «٦»، ولكن معادلة القسط لا تمنع طلب إقامته حتى من الجاهلين المعادين لله، فيالها من حكمة بالغة تلك التي نستشفها من آخر سورة مكية: سورة المطففين، عندما يئس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من قومه أن يسلموا أو يصدقوا أو يهادنوا الإسلام، وعندما كان مشرفًا على هجرهم ومغادرة بلده الذي أحبه، عندها أنزل الله على نبيه النصيحة الأخيرة، والقول الفصل ليوجهه للقوم الظالمين، ليعملوا به لعلهم يهتدون، وإن لم يعملوا به فسجين والكتاب المرقوم، و لنقرأ معًا آيات من مطلع السورة المكية الأخيرة: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَيۡلٞ لِّلۡمُطَفِّفِينَ ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكۡتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسۡتَوۡفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمۡ أَو وَّزَنُوهُمۡ يُخۡسِرُونَ أَلَا يَظُنُّ أُوْلَٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبۡعُوثُونَ لِيَوۡمٍ عَظِيمٖ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ كَلَّآ إِنَّ كِتَٰبَ ٱلۡفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٖ وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا سِجِّينٞ كِتَٰبٞ مَّرۡقُومٞ وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِۦٓ إِلَّا كُلُّ مُعۡتَدٍ أَثِيمٍ إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا قَالَ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ كَلَّاۖ بَلۡۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ كَلَّآ إِنَّهُمۡ عَن رَّبِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ لَّمَحۡجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمۡ لَصَالُواْ ٱلۡجَحِيمِ ثُمَّ يُقَالُ هَٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ﴾ (المطففين: 1 - 17). صدق الله العظيم هذه هي السورة الأخيرة والكلمة الأخيرة التي وجهها الله لجاهلية قريش، والكلمة الأخيرة لا تكون إلا كلمة فصل، خاصة أن كانت بعد جدال طويل مرير، لم يوصل لنتيجة غير التنافر والتخاصم والتباعد، فكانت كلمة الفصل طلب القسط، لا بين المسلمين والمشركين، فلم يعد المجتمعان مجتمعًا واحدًا بعد أن هاجر أكثر المسلمين إلى الحبش ويثرب، بل بين الجاهليين أنفسهم، فيا لها من عظمة، حتى في أحلك الساعات يدعو ألد أعدائه للعدل والحق، وليس معه يريدهم أن يعدلوا، ولكن مع أنفسهم، فهل يملك دين مثل هذه العظمة؟ وفي هذا الموقف أتذكر دعوة أحزاب بلادنا، خاصة الماركسية منها، وهي تدعو إلى التخريب وعدم الإنتاج، بحجة أن ذلك يسقط نظام الحكم في هذا البلد العربي أو ذاك، فأين ترهات الأرض من دين السماء؟ كلمة الفصل تبدأ بالويل للمطففين، منقصي حقوق الناس، وأي ناس؟ إنهم الجاهليون! فالويل لمن يظلم إنسانًا حقه، مهما كانت هوية الإنسان، وهذا يوحي لنا بأن الحق بين البشر فوق أي اعتبار، والحفاظ عليه أهم من أي عهد، لذا نجد الله -عز وجل- في هذا المقام وفي جو سورة المطففين، يتهدد القوم آكلي الحقوق بيوم البعث والحساب: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، إنه يتوعد الجاهليين وجزاء تطفيفهم بالذات، وذلك في صيغة الإشارة لهم بأولئك وهي اسم إشارة للبعيد، ومن أبعد عن الله من القوم القاسطين؟! ولو لم يكن عليهم إلا هذه الإشارة بالإبعاد، لكفاهم حسرة يوم يبعثون. ثم يصفهم بالفجار، ويضع كتابهم في سجين، ثم يعلل شركهم بتطفيفهم ﴿كَلَّاۖ بَلۡۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ﴾ فكأن ما أكلوه من أموال الناس باطلًا قد ران على قلوبهم، وطمس على بصائرهم، فحال بينها وبين رؤية الحق وإبصار النور، فكان كفرهم وكان شركهم فكانت سجين. وبهذا الدين الناتج عن أكل حقوق الناس، سيكون دین آخر وحجاب أثقل وأصعب ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ وهذا الضرب من العقاب «الذي يشير إليه القرآن في مواطن كثيرة» هو مقتضى العدل، فالقوم الذين حجبوا قلوبهم وأبصارهم مختارين عن رؤية الحق، استحقوا أن تحجب بصائرهم عن رؤية الله مجبرة يوم الحساب. وفي الدعوة إلى القسط في مجتمع يرفض الإسلام كليةً وابتداءً، ثم تأتي هذه الدعوة في الوقت الذي يتآمر فيه ذلك المجتمع على حياة رسول الإسلام -صلى الله عليه وسلم- لدليل قاطع على أهمية القسط عند الله وفي مبادئ هذا الدين، فكأن طلب القسط من الجاهلية في مكة، كان الكلمة السواء بين أبناء الإنسانية جميعًا، وهي تشبه إلى حد بعيد، كلمة السواء التي قبلها من أهل الكتاب في ختام حواره معهم: ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۢ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡ‍ٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ﴾ «7». وإذا كانت كلمة السواء بين الإسلام والكتابيين هي كلمة التوحيد، فما ذلك إلا لأن أهل الكتاب أوعى قليلًا من الجاهليين، فعندهم بقايا ديانات وبقايا نبوات، ثم هم يقولون كلمة التوحيد خالصة أو مشوبة، فكانت كلمة السواء معهم أرقى وأوضح، وهي في نفس الوقت متضمنة لكلمة القسط، الكلمة السواء مع الجاهلية التي لا تعلم عن دين الله شيئًا، فلم يكن ممكنًا اللقاء معها على غير هذا الخلق الأساسي في الإنسان -خلق القسط- وهذا دليل قاطع على أنه لن يقبل من مجتمع ما أقل من القسط، مهما كان المجتمع متأخرًا وهمجيًا، أقول هذا مع علمي الأكيد بأن القسط لا يمكن أن يقوم -في شرقنا العربي على الأقل- إلا على قاعدة من المؤمنين الصادقين، وبعد صراع طويل مع الجاهلية التي ترفض الإسلام، وأول ما ترفض فيه حاكمية الله، وما حاكمية الله إلا الحكم العدل المقسط. «۱» الإنسان في القرآن الكريم للمقاد. «۲» مجلة الكتاب العربي - القاهرة - عدد أيار سنة ١٩٦٧. «۳» ۳۸، ۳۹ من سورة النجم. «٤» سورة الأحزاب 72. «٥» سنوضح ذلك في الفصول القادمة. «٦» الحج 3٩. «۷» آل عمران «٦٤»
الرابط المختصر :