العنوان نموذج لقدرة العمل الخيري والأهلي على النجاح
الكاتب مجاهد الصوابي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أغسطس-2000
مشاهدات 56
نشر في العدد 1411
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 01-أغسطس-2000
قرية «تفهنا الأشراف» من الفقر والأمية والبطالة إلى البحث عن مستحقين لزكاة المال!
تحقق النجاح باجتماع أبناء القرية المقتدرين.. الذين قرروا إنفاق الزكاة في مشروعات إنتاجية.
مركز إسلامي لبحث الأولويات.
لجنة مصالحة تنتزع فتيل أي خلافات.
كليات جامعية ومراكز للتصدير.
تقديم أدوات الحرف - لا الأموال - للفقراء.. وتنظيم دورات للفتيات على فنون إدارة المنزل.
يومًا بعد يوم، يثبت العمل الخيري والأهلي قدرته على الانتقال بحياة الناس - ببركة الله- من الفقر إلى الغنى، ومن البطالة إلى العمل، ومن المرض إلى التداوي والشفاء، ومن الجهل إلى العلم والمعرفة، مما جعله ضرورة من ضرورات الحياة للأمة المسلمة، وصار يحقق في أيام ما تعجز عن تحقيقه الحكومات في سنوات.
وفي السطور التالية نموذج لقرية فقيرة من قرى مصر استطاعت أن تضرب المثل في هذا المضمار، فصارت اليوم من أغنى قراها، وهو نموذج قابل للتطبيق في أي بقعة من عالمنا الإسلامي، بل لا بد من أن هناك نظائر له موجودة بالفعل، وقد توافر عليها رجال مخلصون وعزائم فتية وإيمان بالله لا يفتر، ولا يتردد.
تقع قرية «تفهنا الأشراف» في أغوار مركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية بجمهورية مصر العربية، وتبعد عن القاهرة ما يقرب من ١٢٠ كيلومترًا، وهي قرية فقيرة يبلغ عدد سكانها خمسة آلاف نسمة، وذات زمام زراعي محدود أقل من خمسمائة فدان ولم يكن بها شخص واحد في أي مرحلة تعليمية قبل عام ١٩٦٦م، وكانت معروفة بتصدير عمال التراحيل للمناطق المحيطة، ولم يكن لدى أهالي القرية اتصال هاتفي بالمحافظة التي ينتمون لها نظرًا لصغر مساحتها، ووقوعها في آخر حدود المحافظة، إلى أن جسد أبناء هذه القرية معجزة بكل المعاني منذ ۱۹۸۲م، وحتى اليوم من خلال العمل الأهلي الخيري، وبالجهود الذاتية لهم بوقف مشروع متواضع لله بهدف تمكين التعليم الأزهري بالقرية من الوقوف على قدمه، حتى صار الحلم الصغير واقعًا مبهجًا، وأصبح بالقرية الصغيرة أربع كليات جامعية أزهرية، ومدينة جامعية للطلاب تسع ألف طالب وأخرى للطالبات تسع ٦٠٠ طالبة، وخمسة معاهد أزهرية وحضانة تخدم ٣٥٠ طفلًا، ومستشفى مركزي، ومحطة للسكة الحديد، وسنترال هاتفي، ومجمع إسلامي للخدمات، وكلها أقامها أهالي قرية «تفهنا الأشراف» بالجهود الذاتية.
ولا تتوقف المشروعات حاليًا، بل تتجه للتزايد بعد أن قرر الأهالي الدخول في مشروعين كبيرين كل عام، وبذلك استطاعوا القضاء على الفقر وحولوا الأرامل والمطلقات إلى طاقة منتجة، وتم تشغيل العاطلين من الحرفيين وخريجي الجامعات، والنتيجة أنهم لا يجدون مستحقًا لزكاة المال فيقريتهم، مما دفعهم إلى إخراج زكاة أموالهم لفقراء القرى المجاورة، كما أدى وجود لجنة للمصالحات إلى عدم وصول أي قضية لمخفر الشرطة، حتى إن أحد مكاتب المحاماة بالقرية تحول إلى مأذون بعقد الزواج لعدم وجود «زبائن».
البداية مزرعة:
المجتمع ألتقت المهندس صلاح عطية رئيس مجلس إدارة المركز الإسلامي بتفهنا الأشراف لمعرفة تفاصيل هذا النموذج المثير، فقال: في عام ١٩٨٢م اجتمع عدد من أبناء القرية لوضع حد لمشكلة الفقر بها، فقمنا بحصر أصحاب الوسايا والأملاك من الأغنياء، وكل من يستطيع أن يؤدي زكاة فركزنا على أهمية جمع الزكاة كخطوة أولى لمعالجة الفقر، ثم تلا ذلك أن قمنا بإنشاء مزرعة، وكانت هي بداية قصة هذا التحول باشتراك تسعة من الشباب الذين تعارفوا خلال فترة التجنيد، واتفقوا على إنشاء مزرعة للدواجن بعد انتهاء فترة تجنيدهم تكلفت ألفي جنيه، ونظرًا لتواضع أحوالهم المادية فقد باع بعضهم مصاغ زوجته ليستطيع الوفاء بنصيبه في الشركة وخلال كتابة عقد الشركة قرروا تخصيص نسبة 10% من الربح لإنفاقها في وجوه الخير، وسميناه سهم «الشريك الأعظم» وعندما وجدنا حصيلة الربح كبيرة جدًا وأكثر مما كنا نتوقع قررنا زيادة نسبة سهم «الشريك الأعظم» إلي 20% من الربح في الدورة التالية شكرًا لله على ما تحقق من حصيلة كبيرة، وكان نتاج الدورة التالية كبيرًا جدًا فقررنا زيادة نسبة سهم«الشريك الأعظم» لوجوه الخير من الربح إلى 30% وتكرر النتاج الكبير في الدورة التالية، فزدنا النسبة إلي 40% وهكذا استمرت الزيادة إلى أن أصبحت 100 % في إجمالي عشر مزارع.. وهكذا كانت البداية عملًا خيريًا بسيطًا أخذ يتنامي شيئًا فشيئًا حتى صار يغطي جميع إنفاق القرية.
ويضيف المهندس عطية: بمرور السنين زاد عدد المزارع وتم إنشاء مصنع للأعلاف وأخر للمركزات، وثالث لعلف الماشية مع الاتجار في الحاصلات الزراعية، وتصدير الموالح والبطاطس والبصل لبلدان عدة خارج مصر، إذ أصبح النشاط التجاري من الأنشطة الرئيسة في مجال عملنا، كما تمت إقامة مزارع أخرى في التل الكبير حتى أصبح حجم الاستثمارات حاليًا نحو ٣٥ مليون جنيه، وتقوم الشركات الثلاث التي تضم المشروعات بدفع ما عليها من ضرائب لخزينة الدولة بعد خصم نسبة 7%.
يدرسون بالمجان:
ويضيف: ومن حصيلة الأرباح قمنا بإنشاء حضانة كبيرة بها ٣٥٠ طفلًا يدرسون بالمجان، ثم معهد أزهري ابتدائي مكون من ٥٣ فصلًا، ثم معهد أزهري إعدادي للبنين وآخر للبنات، وتلاه معهد أزهري ثانوي للطلاب، وآخر للطالبات.
كما أنشأنا مجمعًا للخدمات بالقرية من أربعة طوابق يضم سنترالًا ومشغلًا لتعليم الفتيات ومكتبة عامة، ومقرًا للجنة المصالحات، كما استطعنا - بفضل الله وتوفيقه -إقامة محطة للسكة الحديدية تتوقف عندها القطارات ما بين طنطا والزقازيق علاوة على أننا قمنا بشراء سيارات خاصة تتبع المركز الإسلامي، وتقوم بجلب طلاب الحضانة من القرى المجاورة مجانًا، ويتم منح اشتراكات مجانية لطلاب المعاهد الأزهرية بالسكة الحديد، بالإضافة إلى توزيع الزي الأزهري مجانًا للطلاب والطالبات، وقبل شهر رمضان بيومين تقوم سيارات بتوزيع عبوات دقيق وسمن على كل بيوت القرية البالغ عددها نحو ألف منزل، وحتى منزل، وكل ذلك بفضل ريع المشاريع الموقوفة لله.
ويؤكد المهندس صلاح أن الأمر لم يقتصر على إقامة المعاهد الأزهرية والخدمات مثل مشروع الصرف الصحي، ومشروع التشجير خارج القرية وداخلها، وزراعة ألف نخلة بلح، بل امتد إلى الجانب الاجتماعي، إذ كانت البداية في عام ١٩٨٤م، باجتماع عام لأهالي القرية قرروا خلاله إنشاء مركز إسلامي يتولى تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه من مشروعات خيرية، وذلك من خلال لجان عمل إحداها للتعليم، والأخرى للزراعة، ولجنة للشباب، ورابعة للصحة، وخامسة للمصالحات وسادسة للزكاة.
زفاف اليتيمات:
من المعتاد لأهل القرية في أول جمعة من رمضان كل عام أن يقيموا إفطارًا جماعيًا يحضره كل أبناء القرية المقيمين، بحيث يجهز كل منزل «صينية طعام».
وعقب صلاتي عيدي الفطر والأضحى يقيمون احتفالًا تعقد فيه المسابقات الشعبية التي يشارك فيها الكبار، مستخدمين حيوانات الحقل بقصد إدخال البهجة إلى الجميع لكي ينسى الرجل أرملته المتوفاة، وينسى الأب ابنه الغائب في الخارج إلى غير ذلك من مثيرات الأحزان، كما يقومون بتجهيز الفتيات الفقيرات للزواج من الإبرة للبوتوجاز وحتى أدق لوازم البيت، وأغلبها مصنوع في «تفهنا الأشراف».
وحول استراتيجية القضاء على الفقر التي طبقت في القرية، يروي رئيس لجنة الزكاة والخدمات الاجتماعية بالمركز الإسلامي صلاح متولي - الذي يعمل موجهًا للغة العربية - أن لجنة الزكاة بدأت بحصر السكان والفقراء في البداية بحيث تم جمع الزكاة من السكان حسب نشاطهم، فالمزارع يعطي من محصوله، والتاجر يعطي مما لديه من سلع حتى الأطباء بالقرية اتفقنا مع كل واحد منهم على القيام بمتابعة حالات محددة من مرضى القرية الفقراء كزكاة عن عملهم.
وفي إنفاق الزكاة وجدنا أن إعطاء الفقراء أموالًا سائلة يترتب عليه إنفاقها في وقت قليل دون القضاء على الفقر، فقمنا بتوزيع ٤٠ شاة عشراءعلى الأرامل، وكان الهدف من كونها عشراء أن تلد السنة بسرعة، وفي التالية قمنا بتوزيع «2» عجل جاموس على الرجال الفقراء ومع كل «عجل» حبل ووتد، ونصف أردب ذرة، وكنا قد اشترينا أرضًا لبناء المنشآت التعليمية عليها، وكانت خالية فخصصنا لكل فرد من أصحاب العجول ستة قراريط يزرعها برسيمًا ثم اتجهنا إلى الشباب العاطل بتقديم أدوات الحرف سواء للنجارة أو الميكانيكا أو الحدادة، ومع أصحاب الحالات المرضية قمنا بعمل أكشاك أو تقديم عربات مجهزة ببضاعتها والحصول على شهادة صحية لهم ، على أن تتم المتابعة عن بعد لهؤلاء بتوصية تجار الجملة بتسهيل إمدادهم بالسلع وضمانهم عند التعثر دون أن يشعروا بذلك كي يجيدوا تجارتهم.
أما الفتيات اللاتي لم يكملن تعليمهن فقد تم عقد دورات تدريب لهن على ماكينات الخياطة، وشمل التدريب الخياطة إلى جانب يوم لتعليم إدارة المنزل، وإعداد الحلوى ومحو الأمية وبعد الدورة تأخذ الفتاة ماكينة خياطة و«مزورة» وأربع قطع قماش وأربع بكرات خيط مجانًا لتبدأ عملها وتشق طريقها مودعة الفقر لتصبح إضافة اقتصادية جديدة في المجتمع، وقد تم تخريج ثلاث دفعات.
متخصصون لفض المنازعات:
ويذكر طارق القرموطي عضو مجلس إدارة المركز الإسلامي والموظف بكلية الشريعة أن إنشاء لجنة فض المنازعات كان يهدف إلى إحداث سلام اجتماعي بين الأهالي، وقد أصبح معتادًا أنه عند حدوث خلاف بين شخصين أن يتقدما ببلاغ إلى أعضاء متخصصين حسب نوعية المشكلة، فإذا كانت أحوالًا شخصية يمثل فيها «حملة ليسانس الحقوق». وإذا كانت نزاعًا على أرض زراعية يكون من أعضائها مهندس زراعي وعدد من المزارعين.
وقبل الجلسة يوقع الأطراف على شيكات لضمان الجدية في الالتزام بحكم اللجنة. ولا توجد طعون في قرارات اللجنة لأنها محايدة، كما يتم تسجيل القضايا في محاضر مسلسلة كي يمكن الرجوع إليها، واستنساخ صور منها ولو بعدسنوات عدة والنتيجة أنه لا توجد قضية من القرية في مخفر الشرطة أو المركز، وحتى إذا أفلتت قضية فإن المأمور ينصح أطرافها باللجوء للجنة المصالحات، ومن النتائج أيضًا أن المحامين ركزوا نشاطهم بالقرى المجاورة.
ويقول صلاح منصور - عضو مجلس إدارة المركز- موظف بالمدينة الجامعية للطالبات - إن أهالي القرية تحمسوا للتبرع للمشروعات، بعد أن حسبوا الأمر جيدًا فوجدوا أن الأب إذا علم ابنه الجامعي في محافظة أخرى سوف يتكلف الكثير، في حين أنه بمساهمته البسيطة في بناء كليات داخل القرية لن يتكلف مصاريف المواصلات والإقامة لابنه، بالإضافة إلى أن تلك المشروعات توفر فرص عمل لأبناء القرية.
وتشير دراسة حول تجربة «تفهنا الأشراف» أجراها الدكتور محمد أحمد عبدالهادي عميد المعهد العالي للخدمة الاجتماعية بكفر الشيخ إلى تشكيل لجان نوعية بالقرية وقيام لجنة الزراعة برئاسة أقدم مهندس زراعي بتقديم الإرشادات الزراعية للفلاحين ودراسة سبل زيادة الإنتاج الزراعي، واهتمام لجنة التعليم برئاسة أقدم ناظر مدرسة بمحو الأمية وفصول التقوية لمحاربة الدروس الخصوصية، وتوفير لجنة الصحة برئاسة أقدم طبيب الرعاية الوقائية والقوافل الطبية للقرى المجاورة، وكونت لجنة الشباب فرقًا رياضية من خلال مركز الشباب، وفرقًا للخدمة العامة لمواجهة مشكلة وقت الفراغ وتصريف طاقات الشباب في الأنشطة الرياضية والاجتماعية.
ويرى الحاج أحمد شاكر مدير المركز الإسلامي أن أهالي قرية الشعراء بمركز دمياط كانوا يرغبون في إقامة معهد أزهري بقريتهم، لهذا قام بعض من رجال القرية بزيارة تفهنا الأشراف، ودعوا المهندس صلاح عطية رئيس المركز الإسلامي بها لزيارة القرية، فتبرع لهم بجزء من التكلفة ثم أسهم معهم في جمع التبرعات للمعهد من أبناء القرية، وهكذا لم تكتف تفهنا الاشراف، بنجاحها بل أسهمت في تصدير هذا النجاح إلى القرى المجاورة.