العنوان الحج شعيرة إسلامية وركن به يتحقق المسلم بمعنى الإسلام والوحدة
الكاتب قيس بن محمد آل الشيخ مبارك
تاريخ النشر الخميس 01-سبتمبر-2016
مشاهدات 62
نشر في العدد 2099
نشر في الصفحة 19
الخميس 01-سبتمبر-2016
الحج.. دعوة لوحدة الأمة
تجرُّد من الدنيا وارتحال إلى الآخرة..
الحج إلى بيت الله دعوة لوحدة الأمة، وهو توحيد الأمة لله تعالى، وهو سبب رئيس لوحدة الأمة الإسلامية وارتباطها بدينها الحنيف؛ لأن الحج شعيرة إسلامية، وركن به يتحقق المسلم بمعنى الإسلام، وهو رحلة يسافر فيها العبد مرتحلاً عن أهله وماله وولده إلى ربه متجرِّداً عن الدنيا وغرورها، منصرفاً عما فيها من مظاهر الزينة والزخرف، يحدوه الأمل في قبول تلبـيـته واستجابة دعوته في رحلته إلى بلدٍ:
بها كعبة الحُـسن التي لِـجَمالها قلوب أولي الألباب لـبَّـت وحـجَّـتِ
وإذا كان في إدراك الـعـقــلاء مقاصد الشريعة من الأوامر والنواهي ما تستأنس به نفوسهم، فيكون ذلك مريحاً لها، معيناً على أداء الأوامر بجميع شرائطها وأركانها، فإن الله سبحانه أنزل على عباده أوامرَ ونواهيَ لم يجعل للنفس حظاً فيها، ولم يجعل للعقل سبيلاً للوقوف على كثيرٍ من حِـكَـمِـها ومعانيها.
ومن هذه الأعمال فريضة الحج وما فيه من طواف وسعي ورمي وتجرُّد عن المخيط والمُـحيط وغير ذلك، فلعل في تشريعها على هذا الوصف ما يُـحَـقِّـق الإنسان بمعنى عبوديَّته لله تعالى؛ لأنه يقوم بأعمالٍ وحركاتٍ لا معنى لها غير الانـقـياد التام والطاعة المطلقة، وهذا هو أظهر معاني العبودية وهو مقصود الحج الأعظم، وكأني بالحاج حين يقترب من تلكم البقاع المقدسة التي ستكون برهانه ووسيلته ليُـظهر لِـمَـولاه أبلغ صورةٍ من صور عبوديته له.
خفِّـف الـوَطءَ واتَّــئِــد يا حادي
إنما أنت سائقٌ بِـفؤادي
ما ترى العيسَ بين سَـوْقٍ وشـوقٍ
لِـربيع الـرُّبـوع غَـرثى صَــوادي
يا سـميري رَوِّح بـمكة رُوحِــي
شـادياً إن رغبت في إسعادي
بل كأني به حين يصل تلك البقاع وتكتحل عيناه برؤية تلكم المشاهد ويفيض قلبه بمشاعر المهابة والجلال يتغنى ويقول:
القلب يحسد عيني لذَّة الـنَّـظر
والعين تحسد قلبي لذَّة الفكر
من أجل ذلك ما رُؤي الشيطانُ في يومٍ أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه يوم عرفة.
ومن أجل ذلك كان الحج موضعاً تُـحطُّ فيه الأوزار، وتغفر فيه الزلات، وتقال العثرات، ويَــحسن فيه ترك كثير من مظاهر التنعُّـم والترفُّه من المباحات، ويتأكد فيه اجتناب سائر المحرمات بل تـتـأكد مضاعفة السيئات.
ذلك أن المعصية كما يقول العلماء وإن كانت فاحشة في ذاتها فإنها في فناء بيت الله أفحش، وقد روي عن سيدنا عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «ما من بلد يؤاخذُ فيه العبد بالنية قبل العمل إلا مـكَّـة»، ثم تلا: (وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ {25}) (الحج)؛ فجعل الحساب على الإرادة المجرَّدة.
وقال ابن المنيِّـر رحمه الله: «اعلم أن تضييعه لِصلاةٍ واحدة سيئةٌ عظيمة لا توفِّيها حسنات الحج».
فواعجباً لِعبدٍ سافر للحج قاصداً بيت مالك الملك وملك الملوك، وهو على غير حال الذِّلَّة والافتقار بحيث يستكثر من مظاهر الزينة، وأطايب الأطعمة، وسبل العيش الرغيد، غير هيَّابٍ من ارتكاب المحرمات أو إسقاط الواجبات.. كيف لا يخجل حين يلهج إلى الله في الدعاء وهو مستهين به مستـخِـفٌّ بأوامره؟! وقد قال أبو عبدالله ابن الحاج العَبدري رحمه الله في كتابه «المدخل إلى تنمية الأعمال بتحسين النِّـيَّـات»: «إذا علم المُـكلَّف أنه تفوته صلاةٌ واحدة إذا خرج إلى الحج فقد سقط عنه الحج لِـفَـقدِهِ شرط الاستطاعة».>