العنوان أضواء جديدة على لعبة اليمين واليسار.. 4
الكاتب عبد الله المدرس
تاريخ النشر الثلاثاء 02-مارس-1976
مشاهدات 70
نشر في العدد 289
نشر في الصفحة 19
الثلاثاء 02-مارس-1976
هذا التحقيق السريالي للذات يمكن أن نجده بشكل آخر، لا يقل دمارًا، لدى رامبو، شاعر سبعينيات القرن الماضي، الفرنسي، السريالي، الشاب «لقد حفلت الأشهر الأولى من عام ۱۸۷۱ بألوان عيش متطرفة وبتجارب مزعجة قام بها رامبو إذ كرس شهر كانون الثاني لمطالعات واسعة حول السحر وما يتصل به في المكتبة العامة في شارلفيل. وفي شهر شباط هرب من البيت للمرة الثالثة وقصد باریس. وذات ليلة عثر الفنان أندريه جيل لدى عودته إلى بيته على راجو نائمًا في قبو فأخرجه هذا بعد أن أعطاه عشرة فرنكات. ورجع رامبو إلى شارلفيل جائعًا، صفر اليدين في آذار، ليغادرها من جديد إلى باريس في نيسان حين أمل في أن يشترك في (الكومون) وتطوع في فرقة (جنود الثورة). وبعد تجربة جسدية عنيفة في الثكنات-مورس معه الشذوذ الجنسي- عاد إلى شارلفيل في أيار حيث كتب الرسالة التي تعتبر اليوم بيانًا شعريًا حقيقيًا. كان قد أمضى الشطر الأعظم من الربيع في بؤر وملاه قذرة يشرب الجعة بكميات كبيرة ويدخن الغليون بلا انقطاع..» (٤١).
ليس هذا هو المهم، فما أكثر الشعراء الذين تاهوا في البؤر القذرة وشربوا بلا انقطاع ومارسوا الجنس وفق طرائقهم الشاذة، إنما المهم هو ما يعلقه مؤلف الكتاب على هذه التجربة العنيفة المدمرة التي بررها فرويد فأعطى بذلك الإشارة اليهودية المعروفة في تاريخ بني إسرائيل وفي بروتوكولاتهم على السواء (٤٢). ذلك أن فاولي يقرر ببساطة أن رامبو كان من خلال هذه التجربة يمارس بلا ريب (نوعًا من تحدي الذات وامتحان النفس بصورة إرادية، وبالكبرياء التي تميز مراهقًا عبقريًا، وكان يحاول بلوغ الصفاء الروحي عن طريق استنزاف الجسد، والتمادي في التصرف به تصرفات كانت خليقة بأن تصدم أمه وتصدم معها المقاييس البورجوازية(!!) (٤٣) كان يحاول الوصول إلى كل حالة من الوعي الباطني سوف يدعوها فيما بعد أو الرؤيا. لقد أمل في أن يرقى بروحه إلى مرتبة جديدة، بالحط من ذاته الجسدية والاجتماعية. كان رامبو في الحقيقة يمارس قهر الجسد بصورة ساخرة أو معكوسة وهو يحدد مبدأ حياته الجديدة فيقول: إن سعيه الإرادي إلى الانحطاط: (أتعهد نفسي، انهمك في الخلاعة) والأهم من ذلك أنه يبين علة هذا المبدأ (أجتهد كي أصير رائيًا) ٠٠ (١٤). لقد رأى رامبو «أن على الإنسان أن يختبر سموم الحياة ويستنفدها لكي يحفظ جوهرها.. ما ينتظره العالم أو العارف، لكن بعد أن يكون قد اجتاز بالمرض والجريمة والتجديف آنذاك فقط يعانق المجهول» (٤٥).
هكذا اقترن أسلاف السريالية في الأدب بموضوع العنف، «وجاءت السرية ووصف الرذيلة في الروايات القوطية لهوراس والبول وآن راد کلیف وماتوران ولويس، بمثابة إعادة نظر في المقاييس الاجتماعية والأخلاقية. وقد طالما أكد أندريه بريتون على مشاركة ساد في دراسة وعي الإنسان لذاته، واعتبر لوتر يامون كأنه ساد آخر يستوحي في إثارة قوة القسوة وجاذبية الجريمة، حتى لتصح تسميته مؤسس الحركة الحقيقي» (٤٦) باختصار إن السريالية تسعى إلى (التحرر الكامل)، وإن عبارة بريتون
الشهيرة (كلمة الحرية وحدها) لتكون موقف السريالي الأساسي (٤٧).
ولم تسلم اللغة أداة التواصل البشري، ووسيلة التعبير عن القيم والبداهات من معاول السرياليين الذين وجهوا ضرباتهم الأولى لقواعدها وتراكيبها، فأعطوا بذلك الإشارة.. الإشارة المتطرفة للموجات الأوربية المتلاحقة التي جاءت بعدهم وآخرها موجة الطليعيين من رواد العبث واللامعقول. (٤٨)
ونستطيع من خلال دراسة فاولي للشاعر الفرنسي رامبو أن نتلمس الخيوط الأساسية لموقف السرياليين من مسألة اللغة، والتي نوردها ملخصة قدر الإمكان.
إنه يتوجب على الشاعر، انسجامًا مع نزعته للتغرب، أن يصير غريبًا عن لغة قومه، عن اللغة المألوفة التي يسمعها ويستخدمها عادة، وأن يكشف اللغة الأخرى الكائنة في الذات الحقيقية أو الأسطورية.. وكل منا يحتفظ بكلمات لقفها في طفولته، وعلى الرغم من أنها تكون قد فقدت معناها بالنسبة إليه، فإنها تعمر أحلامه وعالمه اللاواعي.. وهناك عبارات أخرى تعيش فينا كصيغ مكثفة لحياتنا ومعتقداتنا كأغنيات تلخص ما نتمسك به دون فهم حتى أن النطق بهذه العبارات يهز حياتنا ويبعث فيها الحرارة.. إن الكلمات أساطير، إذ يمكن لصدى الحروف أن يكون قوي الوقع في نفوس البشر، حتى إننا ننقاد للكلمات أكثر مما ننقاد لأية قوة أخرى.. وهذا يعني أن الكلمات أكثر حقيقية من الأشياء التي تدل عليها أو الأفكار التي تعبر عنها.
آنذاك تكون الكلمات هي الحقيقية لا الأشياء التي تصفها. ولذلك يصبح إبداع القصيدة نوعًا من إعادة تنسيق الكلمات ووضعها بشكل غير مألوف لكي تقدم وجوهًا وألوانًا مختلفة من أسطورتها. هكذا لن يحاول رامبو والسرياليون والشعراء الحديثون بصورة عامة أن يوضحوا تجاربهم في أشعارهم، ولن يحاول بيكاسو أن يصف تجربته في لوحاته أنهم متواضعون، والأصح أنهم يائسون من فهم موضوع معقد ومتنوع كموضوع التجربة الإنسانية. إن جل همهم هو أن يقدموا طيفًا قزحيًا للحياة وأن يبتكروا نسقًا جديد اللإشارات وترتيبًا غريبًا مدهشًا للصيغ يلقي على الحياة أضواء وظلالًا جديدة دون أن يفسرها.
وإن الرؤى الخفيفة التي لا تحصى والتي تكمن في كل إنسان يمكن أن تنكشف عن طريق اتباع نظام خاص للحواس هو الاختلال هذه النظرية التي ترد بإيجاز في رسالة رامبو تتضمن كل طرائق السريالية وأساليبها كالكتابة الآلية واللاشعور وحلم اليقظة والتخدير والنزعة السحرية ونقض الذاكرة وتمجيد الذات.. لقد أصبح النسق الجديد في الخلق الشعري كما يلي: كلمة تخلق عالمًا, فتحاول أكارنا على الأثر أن تسامت الكلمات أو تناغمها.. ويعني استعمال اللغة هذا، أن اللغة ليست وسيلة معرفة بل هي وسيلة لنسيان المعرفة العادية التي تحصل عليها عن طريق ما يسميه رامبو بازدراء التقدم العقلي، تبقينا في حدود الأشكال الشائعة وأنظمة التفكير والعمل الزائفة. أما الطريقة الأخرى، طريقة فقدان النفس فهي شبيهة بأسلوب التعزيم في طقوس العبادة الدينية التي يمكن بوساطتها بلوغ ما يستعصي على التعبير.
وهذا أقصى ما يمكن بلوغه في تعريف فوضوية السريالية. (العبادة) التي كانت فيما مضي تعبيرًا عن المنطق والنظام، صارت في نظر رامبو الصيغة الجديدة للهذيان.
المبدأ المهم في هذا المذهب أو الآلية الشعرية وهو أن نبدأ عند خلق العقيدة بالكلمات بدلًا من أن نبدأ بموضوع أو عاطفة أو فكرة.. وهناك عدو ينبغي للسرياليين اجتنابه، وهو ما نشير إليه عادة باسم الحقيقة الواقعة، إنه أي موضوع أو أية تجربة واعية نسميها (الواقع) وهي تسمية خاطئة بشعة(!!)
إن الكلمات حين تستعمل وفق الطريقة السريالية تكون ذات معان مبهمة تستعصي على الفهم.. وليست طريقة رامبو الشعرية، كما تتضح من خلال ما تقدم، تجربة رفيعة جدًا وحسب، بل هي إلى ذلك تجربة خطرة، إنها تقتضي الكثير من الهدم، هدم النظم والتقاليد والنماذج المألوفة والقواعد التي بدا أنها أنظمة لا غنى عنها، مما يمكن أن يحول الشاعر، إلى إنسان يزدري النظام، إنسان فوضوي في مزاجه وتقنيته.. وقد اعتبر رامبو هذه الطريقة خطرة لأنها تفتح الباب أمام الدجالين والكتاب الذين لا يعرفون الأصول والذين يتصنعون الرؤيا.
والواقع أن الكثير من السرياليين الضعاف الفاشلون ادعوا صلات بينهم وبين رامبو وحاولوا أن يكرسوا نتاجهم بالانتساب إلى طريقته، أنهم نماذج من الفنانين الذين ورثوا تقنية خطرة وراحوا يقدمون شهادة خاطئة على أسلوب شعري معين.. فكانوا يفتقرون إلى البيئة والنظام الداخليين اللذين ميزا تجربة رامبو الإنسانية (٤٩).
وفي خاتمة الكتاب يعود فاولي مرة أخرى إلى الحديث عن مشكلة اللغة لدى السرياليين لكي يبررها أكثر هذه المرة- «إن الكتابة الآلية التي اعتبرت ذات يوم السريالي الأساسي، تعتبر اليوم تجربة أخفقت. لكن ما كان مقصودًا بها قد أدرك اليوم معنى أشمل، إذ إنها تفهم اليوم فهمًا أكمل. إن الكتابة الآلية كانت هجومًا على أنماط التفكير العادي واللغة العادية، كانت محاولة للنفاذ إلى ما وراء التناقضات والتعارضات التي تفسر تفكيرنا وتأملاتنا الواضحة. وقد اعتقد السرياليون اعتقادًا تامًا أنها واسطة لإدراك المطلق، وعكفوا على كشف الفراغ والزيف في الكلام المنطقي، كما كافحوا لتحرير الكلمات من عبودية البلاغة، فقد أملوا أن تظهر الكلمات حرة بفعل تمارين الكتابة الآلية ذلك أن اللغة التي أملوا أن يمسكوا بها هي اللغة الكامنة وراء صمت التفكير المباشر» ويخلص فاولي إلى القول بأن «من أكثر أهداف البرنامج السريالي حماسة، الرغبة في استبدال دراسة سيكولوجية الإنسان بذهول هذياني غثائي في طبيعته» (٥٠).
وفي مكان آخر يشير في تعليقه على نهج هنري ميلر في الكتابة إلى أنه «يقترب من النهج السريالي إلى حد بعيد، في لحظات الحمية والحرارة، أن ينبجس في دفقات غزيرة وكأن الكاتب منوم مغناطيسيًا، وموجه تملى عليه الكلمات إملاء، فهو لا يفرض على سرده شكلًا تصوره مسبقًا لأنه هذيان أكثر مما هو سرد» (٥١).
وهذه، قبل أن نمضي إلى ختام بحثنا هذا، نماذج (موجزة) (للهذيان) السريالي في الشعر والنثر:
«بلى، لأجلي، لأجلي أزهر، أنا المقفرة! تعرفين ذلك يا حدائق الياقوت الدفينة. بلا نهاية في وهاد عليمة مبهورة.
أيها الذهب المجهول، الذي يحفظ بريقه القديم
تحت النعاس المعتم، نعاس أرض أولى
وأنت أيتها الحجارة الكريمة التي تمنحين عيني
هاتين الجوهرتين الصافيتين بريقها المنغم،
وأنت
أيتها المعادن التي تعطين شعري الفتي
بهاءه القاتل وانسيابه الكثيف!
أما أنت يا امرأة ولدت في عصور خبيثة
لخبث مغاور العرافة
يا من تتحدث عن الفاني، أنت يا من تقول: إن العطر الوحشي الملذات سيخرج من وريقات ثيابي، رعشة عربي البيضاء
تكهني أن لازورد الصيف الرطب
الذي تميل إليه المرأة بالفطرة
لو رآني في حيائي الكوكبي الراجف
لمت! (٥٢)
«ذات مساء شبه ضبابي في لندن جاء يلاقيني
متسكع يشبه حبي
وقد رماني بنظرة
جعلتني أغض عيني خجلًا!
تبعث هذا الغلام الشرير
الذي يصفر ويداه في جيوبه
كنا بين البيوت نبدو
موجة مفتوحة من البحر الأحمر
أنا فرعون وهم العبرانيون» (٥٣)
«أيتها المحتضرة المجنونة يا أسيرة السهل
الضوء يختبئ عليك، فانظري إلى السماء:
لقد أغمضت عينيها لكي تهاجم حلمك
وأغلقت ثوبك لكي تحطم أغلالك
أمام العجلات المتشابكة
تضحك مروحة مقهقهة…
في شباك العشب الخائنة
تفقد الدروب صورتها
ألا تقدرين أن تحملي الأمواج
المبحرة على سفن من اللوز
في راحتك الدافئة اللطيفة
أو في غدائر رأسك؟
تريد صرخة واحدة أن تنفجر من الفجر المكمم
شمس دوارة تتلألأ تحت القشر
تمضي لكي تستقر على جفنيك المغمضتين
حين تنامين، أيتها الوديعة يتحد الليل بالنهار «…». (54)
«رائعتي! إنها مثل شظية تحت الظفر.
أسألكم الآن بينما تحدقون فيها. ترون فيها البحيرات التي خلف جبال الأورال؟ هل ترون كوتشوي المجنون يتعلق بمظلة ورقية؟ هل ترون قوس تراجانوس يخترق دخان آسيا؟ هل ترون الحبر الذي يتغذى منه الحبار؟ كلا، لا أظن! فأنتم لا ترون غير الملاك الأزرق البارد الذي جمدته الجموديات. بل إنكم لا ترون قضبان المظلة لأنكم لستم مدربين على النظر إلى قضبان المظلات. وإنما ترون ملاكًا، وترون جحش حصان. يمكنكم الاحتفاظ بهما، أدعهما لكم! ليس على الملاك آثار جدري الآن ، ليس عليه غير بقعة ضوئية تبرر أحشاءه المندلقة وأضلاعه المكسورة. الملاك قائم هنا ليوصلكم إلى السماء، حيث كل شيء يزيد ولا شيء ينقص الملاك هنا بمثابة العلامة الخفية، بمثابة ضمان على صحة رؤياكم. وليس للملاك غدة درقية متضخمة، الفنان هو الذي تتضخم غدته، الملاك هنا لكي يلقي فروع البقدونس في عجتك، ليضع البرسيم في عروة سترتك. يمكنني أن أمحو الميثولوجيا عن عرف الحصان، يمكنني أن أمحو اللون الأصفر الصيني، يمكنني أن أمحو الموعد عن الرجل الجالس في الجندول، أقدر أن أمحو الغيوم ونسيج الورق الذي لفت به طاقات الزهور وذات البرق المتشعب.. أما الملاك فلا أقدر أن أمحوه. الملاك علامتي الخفية». (٥٥)
(الهذيان) مرة أخرى، ونجيء نحن دائمًا متأخرين، فها هي الموجة الجديدة من أدبائنا وفنانينا تطرح على الناس سيلًا من (هذيان) مجنون، تحطمت فيه قواعد اللغة وبداهات الفكر والشعور وأخذت بخناقه نزعة سالبة لا تريد أن يكون لأي عمل أدبي أو فني معنى يقبله العقل ويحيط به التصور ويفسره المنطق.. إنه غثاء غير مفهوم ولا متصور ولا مفسر بالمرة، لا من كتابه ولا من قارئيه.. وليس صعبًا على الأديب أو الفنان (الذي لا يعرف الأصول) والرجال أو (الضعيف الفاشل) أن يهذي ويكسر، الطفولة وسذاجة قواعد اللغة وقواعدها التعبيرية ولكن الصعوبة الحقيقية في أن يطوع هذه اللغة، لا أن يكسرها، وفي أن يجتاز متاريسها، لكي يقدم للناس، بجهد متواصل خليق بكل فنان. عملًا إبداعيًا تذعن اللغة لنقله على جسورها الطويلة إلى أذهان الناس وأفئدتهم فيدركوه ويتصوروه ويفسروه.. في هذه المواقف تكمن القيم الحقيقية لكل إبداع (٥٦)
إن النحات- على سبيل المثال- عندما تجابهه تحديات ومصاعب الكتلة التي يعمل فيها أزميله، لا يسعى إلى تحطيم هذه الكتلة، ولكن إلى الالتفات حولها، وتطويعها وإرغامها على أن تستجيب لإرادة الإنسان وأحلامه وتطلعاته.. وهذا هو الفرق بين العمل المجاني الرخيص، السهل، وبين التفنن والخلق والإبداع.
والحق أن الذي يقرأ كتاب (عصر السريالية) يخرج بنتيجة أوسع وأكثر أهمية، وهي أن الغرب إذا كان يلعب معنا في صراعه الحضاري عامة والاستراتيجي-الاقتصادي- السياسي خاصة، لعبة اليمين واليسار، فإنه على مستوى (الفكر) يلعب (مع نفسه) لعبة التأرجح الأبدي القلق بين اليمين واليسار، والتطرف الدوري المريع صوب هذا الاتجاه أو ذاك. فما دامت العقيدة الأساسية المتوازنة، الشاملة مفتقدة هناك، وما داموا لا يملكون معايير موضوعية قديرة على مواجهة التحديات التاريخية، وثغرات الزمان والمكان، فإنهم سيظلون في حالة (ارتجال) دائم وانفعال متوتر ذي مقاييس وقتية، ومعايير نسبية تقودهم إلى اتخاذ أشد المواقف تطرفًا وتناقضًا وتضادًا.
إننا من خلال النزعة السريالية، ومن قبلها الدادائية، نلمس نزوعًا هائلًا للتدمير والتحطيم تشمل حتى بداهات اللغة ومعطيات العقل الطبيعية وسوية النفس البشرية وتتوغل بعيدًا باتجاه عوالم الأحلام والعقد والكبت والجنون بمواجهة عالم افتقدت علاقاته الخارجية مؤسساته الاجتماعية ودياناته وأخلاقه أي مبرر أو إغراء. ولشدة تطرف السريالية في موقفها هذا وصفها أراغون في روايته (فلاح باريس)، المنشورة عام ١٩٢٤ بأنها أحدث دوار يمنح للإنسان، وبسليل الجنون والظلام (داء آخر أعطى الإنسان: السريالية بنت الجنون والدجنة) (٥٧).
ونجد أنفسنا، من خلال عرضنا الموجز هذا، في صراع فكري، كحلقة من حلقات صراعنا الحضاري الشامل في العالم المعاصر، إزاء الصهيونية بشكل خاص.. وهذا الصراع يحتم علينا المزيد من (تأصيل) شخصيتنا، هنا في عالم الفن والفكر والأدب تمامًا كما يتوجب هناك في عالم السياسة والعقيدة والحرب وهذا (التأصل) الذي نجده منبثًا في حنايا كتاب الله ونداءات رسوله- عليه السلام- هو (البديل) الوحيد لهزيمتنا.. وأي اختيار غيره في عالم الفكر والسياسة أو العقيدة يجئ بمثابة انتحار أو تأكيد الهزيمة على الأقل.
إننا إزاء أحد موقفين لا ثالث لهما: أن (نقلد) الغالب ونتبعه فنفنى فيه ونضيع أو أن نمحص معطياته ونحللها وننقدها ونرفضها ونتقبلها فنجد ذاتنا…. وعلى هذا الضوء تبدو كثير من اتجاهات (الألغاز) و(التخريب) اللغوية والأدبية والفنية في تاريخنا المعاصر تراجعًا وانتحارًا، فلو تمكن العدو من دفع الأدباء والمثقفين والفنانين إلى الانغمار في ذواتهم وعوالمهم الباطنية والتسليم بمعطيات لا واعيتهم، والاستجابة لنداءات العقد والكبت والجنون، دون غيرها من النداءات أمكنه أن يسوقهم كما تساق الأنعام؟.
وفي مقابل هذا تبدو محاولات النقد والتمحيص والتقبل والرفض، تأصيلًا لشخصيتنا وتوكيدًا لذاتنا، في حمأة صراع رهيب، معقد متشابك، شامل.. خاسر فيه لا محالة من لا يملك شخصية ولا ذاتًا؟
ومرة أخرى، تبقى لعبة اليمين واليسار، هي اللغة السائدة في عصرنا هذا، سواء في ساحات الحرب والاستراتيجية والعقيدة والسياسة، أم في ميادين الأفكار والعلوم والأدب والفنون.
(41) نفسه ص ٦١ وهنالك دراسة تحليلية قيمة عن رامبو في كتاب
كوكن ولسون سقوط الحضارة، يمكن الرجوع إليها للاستزادة من التفاصيل.
(42) جاء في أحد البروتوكولات (وقد نشرنا في كل الدول الكبرى، الزعامة، أدبًا مريضًا قذرًا يغثي النفوس، وسنستمر فترة قصيرة بعد الاعتراف بحكمنا على تشجيع سيطرة مثل هذا الأدب) - ص 170
(43) انظر: البروتوكولات ص 130، 168، 177.
(44) عصر السريالية ص 61-62.
(45) نفسه ص 71
(46) نفسه ص 289
(47) نفسه ص 257
(48) انظر عن موقف هؤلاء الكتاب من اللغة بحث- (فوضى العالم في المسرح الغربي المعاصر) للمؤلف (قيد الإعداد).
(49) انظر عن مسألة اللغة بالتفصيل عصر السريالية ص 65-77
(50) انظر بالتفصيل المرجع نفسه ص 282-285
(51) نفسه ص 268
(52) مقاطع من قصيدة (هيرودياو) لمالارميه: عصر السريالية ص 99-100
(53) مقطع من قصيدة (أغنية العاشق المعذب) لأبولينير- عصر السريالية. ص 132
(54) مقاطع من قصيدة (المرأة الأولى) لاليوار. عصر السريالية ص 212-216
(55) مقطع من كتاب هنري ميلر (الربيع الأسود) مخاطبًا إحدى اللوحات السريالية ص 270-272 بعنوان (الملاك علامتي الخفية) عصر السريالية ص وانظر تحليل فاولي المسرحية كوكتو (أورفيوس) (دم الشاعر) عصر178- 197 للاطلاع على نماذج أخرى للهذيان السريالي في مجالي القصة والمسرحية كذلك.
(56) انظر عن هذه المسألة كتاب (في النقد المعاصر) فصل أزمة التعبير- للمؤلف.
(57) عصر السريالية ص 194.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل