; الوضع السياسي في الصومال الغربي | مجلة المجتمع

العنوان الوضع السياسي في الصومال الغربي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 24-نوفمبر-1998

مشاهدات 75

نشر في العدد 1327

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 24-نوفمبر-1998

• سياسة القبلية الماكرة التي روج لها الاستعمار أفرخت في ستة أشهر فقط ١٤ حزبًا!

بعد سقوط الحكومة العسكرية الإثيوبية بقيادة منجستو هيلي مريم، استولت جبهة تكراي على مقاليد الحكم في أديس أبابا، وسعت إلى بسط نفوذها في المناطق المختلفة من إثيوبيا من جهة، وكسب تأييد الجبهات المسلحة التي كانت تكافح ضد نظام منجستو من جهة أخرى.

ولم يوجد في إقليم الصومال الغربي جبهات مسلحة ومنظمة حين سقوط نظام منجستو، بل كانت هناك جبهتان خارج الإقليم هما: جبهة تحرير الصومال الغربي «wsif» والجبهة الوطنية لتحرير أوجادين «onlf».

فأما جبهة تحرير الصومال الغربي، فقد أخذت الدور البارز في نضالها ضد الحكم الإثيوبي منذ منتصف السبعينيات، مما أدى إلى حرب القرن الإفريقي بين الصومال وإثيوبيا ۱۹۷۷م، وقد تضاءل دور الجبهة بعد تلك الحرب، ولم يبق منها في النصف الأخير من الثمانينيات إلا الاسم بسبب الانعكاسات السلبية لحرب ۱۹۷۷م، ومحاولات التسوية بين الصومال وإثيوبيا، والتدهور الاقتصادي والسياسي والاجتماعي الذي يشهده الوضع الداخلي لجمهورية الصومال، السند الحقيقي والعمق الاستراتيجي لجبهات التحرير في الصومال الغربي، وكانت مقديشو المقر الرئيس للجبهة، ولذلك تتأثر الجبهة بحالة القوة أو الضعف للجمهورية الصومالية.

أما الجبهة الوطنية لتحرير أوجادين Onlf فقد تأسست عام ١٩٨٥م في سورية، وتكونت من عناصر شابة، وكانت هذه الجبهة تقوم ببعض أنشطة إعلامية خارج المنطقة.

وبناء على ما تقدم، فقد حاولت جبهة تكراي الاتصال بالجبهات في الصومال الغربي، فلم تجد إلا رموز جبهة تحرير الصومال الغربي الموجودين في مقديشو، ولذلك فقد تم نقل العناصر القيادية من الجبهة وعلى رأسهم أمينها العام الشيخ عبد الناصر معلم إلى أديس أبابا، وحاولت التعامل مع شيوخ جبهة تحرير الصومال الغربي كممثلين شرعيين لإقليم الصومال الغربي، بسبب نضالهم المسلح ضد نظام منجستو، وعلاقتهم السابقة مع الجبهات المعارضة في ذلك الوقت.

ومن جانبها، فقد نقلت الجبهة الوطنية لتحرير أوجادين نشاطها إلى الصومال الغربي، وحاولت ترجيح الكفة إلى جانبها.

وفي النصف الأخير من عام ١٩٩١م، تكون في الإقليم حزبان إسلاميان هما: الاتحاد الإسلامي في أوجادين، وحزب التضامن الإسلامي، ومن ثم أصبح عدد الأحزاب السياسية في الإقليم أربعة، صارت تمثل القوة الأساسية للعمل السياسي في الإقليم، وقد جرت أول انتخابات في الإقليم في شهر أغسطس ١٩٩٢م لانتخاب نواب الشعب.

ولم يتوقف تكوين أحزاب جديدة، وظهرت في الساحة عدة أحزاب قبلية منذ أواخر ۱۹۹۳م.

أحزاب قبلية

وقد تنبه العقلاء إلى ما قد يترتب على فتح الطريق أمام الأحزاب القبلية من تشتت القوة السياسية في أحزاب بعضها لا يعدو أن يكون مجرد اسم، فنظموا اجتماعًا عامًّا لتوحيد الأحزاب السياسية، وتأسيس حزب واحد يتبنى قضية الصومال الغربي، ويحمل هموم المواطنين ويسعى إلى الحصول على حقوق المسلمين كاملة.

وقد انعقد ذلك الاجتماع في شهر نوفمبر ۱۹۹۳م في مدينة دريدوا، وحضره أعضاء من الأحزاب الموجودة آنذاك، وممثلون من فئات المجتمع المختلفة، وكان التوجه السائد هو إيجاد كيان سياسي موحد، ولكنه باء بالفشل، بعد أن تمسكت الجبهة الوطنية لتحرير أوجادين Onlf باسم أوجادين كاسم لهذا الكيان، مدعية أنه الأشهر.

ورفضت القبائل الأخرى هذا الاسم؛ لأنه اسم لقبيلة معينة، ولكل قبيلة اسمها، إلا أن الذي يجمعنا هو الصومال، ولم يستطع الطرفان إقناع الآخر، فانتهى الاجتماع بعدم الاتفاق على شيء.

وما دام التفاخر القبلي له مكانته في الإقليم، فقد قررت القبائل الأخرى أن تنشئ أحزابًا سياسية تحمل اسمها الصريح.

والجدير بالذكر أن الأحزاب التي كانت تحمل أسماء القبائل الصريحة آنذاك لم تكن إلا اثنين وهما: الجبهة الوطنية لتحرير أوجادين، وجبهة تحرير عيسى وجرجرا، مع العلم أن أوجادين وعيسى وجرجرا ثلاث قبائل صومالية، وقد أطلق الإمبراطور الحبشي هيلاسلاسي هذه الأسماء على مناطق الصومال الغربي، وروج هذه الأسماء عبر وسائل الإعلام المتاحة أمامه، وذلك لتأجيج نار العصبية بين القبائل التي تقطن تلك المناطق، ومن ثم إثارة الخلافات المصطنعة بين الأشقاء.

ولا غرو إذا قلنا: إن هذه السياسة الماكرة قد أتت بعض ثمارها، إذ أصبحت تسمية الأقاليم به الصومال الغربي أو «أوجادين» أو غيرها الشغل الشاغل لأبناء الإقليم وغيرهم، بل أصبحت حجر العثرة أمام جمع الشمل ولو ظاهريًّا.

وكما أسلفنا، فقد أوجبت كل قبيلة على نفسها أن تفتح لنفسها حزبًا سياسيًّا، ولذلك تعد الشهور الستة التي تلت ذلك الاجتماع فترة تكوين الأحزاب القبلية، حيث قطعت رقمًا قياسيًّا، وبلغ عددها أربعة عشر حزبًا أو أكثر في مجتمع لا يبلغ أربعة ملايين نسمة، ويفتقر إلى كوادر سياسية وقيادات مدربة.. ويعاني من الانقسام القبلي والجهل المتفشي، وتحمل أغلب هذه الأحزاب أسماء قبلية صريحة.

وقد تأججت العصبية وزاد التنافس بين القبائل، وتم استخدام وسائل خبيثة في ذلك التنافس، وارتفعت نسبة التجسس بين القبائل، وسعت كل قبيلة إلى التقرب من النظام القائم في أديس أبابا، وكسب رضاه بأي ثمن، بل تطورت الأمور -أو قل تراجعت- إلى صراع قبلي مسلح، وحدثت مواجهات دامية بين العشائر.

أما جبهة تكراي الحاكمة، فقد شجعت هذا التوجه في أول الأمر، ولكن عندما خشيت من انفلات الأمور من يدها، حاولت السيطرة على الصراع القبلي واحتوائه، وشجعت توحيد الأحزاب في الإقليم الخامس من إثيوبيا، ومنعت استخدام اسم أوجادين عبر وسائل الإعلام الرسمية.

ويمكن أن نقول: إنه منذ منتصف عام ١٩٩٤م اتجهت الأحزاب إلى تكوين تكتلات وتحالفات سياسية، وانحسرت الكيانات السياسية إلى حزبين سياسيين، وجبهتين مسلحتين، واختفت الأحزاب الصغيرة من الساحة.

والحزبان هما الرابطة الديمقراطية للصوماليين الإثيوبيين ESDL، الذي يترأسه الدكتور عبد المجيد حسين، وزير من الحكومة الفيدرالية -سابقًا- ويمثل الحزب المحافظ والحزب الديمقراطي للصومال الغربي WSDP والذي يترأسه السيد حسن جري قلنلي الرئيس السابق للإقليم الخامس والذي يمثل المعارضة السلمية.

أما الجبهتان المسلحتان، فهما الجبهة الوطنية لتحرير أوجادين، والاتحاد الإسلامي في أوجادين، وقد انشطرت الجبهة الوطنية لتحرير أوجادين فيما بعد إلى فصيلين؛ فصيل مسلح يترأسه الشيخ إبراهيم عبد الله، وفصيل غير مسلح يترأسه نائبه السيد آدم ويرس.

وأصبح حزب ESDL خلال السنوات الماضية أقوى الأحزاب السياسية في الإقليم الخامس لما يحصل عليه من مساندة قوية من قبل الحكومة الفيدرالية وقد استلم مقاليد الإدارة في الإقليم شهر أغسطس ١٩٩٥م واستمر في الحكم حتى أكتوبر ۱۹۹۷م.

أما حزب WSDP فقد أصبح يمثل المعارضة السلمية غير المسلحة ولم يكن له أثر يذكر في السياسة، إلا أن مسئول الحزب السيد حسن جري قد حاول تفعيل الحزب وتنشيطه مطلع العام الماضي، وقام بجولات لهذا الصدد داخل إثيوبيا وخارجها، إلا أن المنية وافته شهر إبريل ۱۹۹۷م، وكان السيد حسن -رحمه الله- شخصية محترمة، وتعتبر وفاته نهاية للحزب نفسه.

ولذلك يمكن القول: إن حزب ESDL وفصيل ONLF غير المسلح قد سيطروا على الساحة السياسية في الإقليم خلال العامين الأخيرين، وقد اتحد الحزبان في يونيو من هذا العام وكونا حزبًا جديدًا يسمى الحزب الديمقراطي الشعبي الصومالي SDPP واختير الدكتور عبد المجيد حسين 26/ 7/ 1998م رئيسًا للحزب.

ولا غرو أن الحزب يحمل التسمية الصومالية صراحة رغم أنه حزب رسمي في إثيوبيا، إذ إن الصوماليين في الإقليم الخامس «أو الصومال الغربي ككل»، يتحفظون من استعمال اسم «إثيوبيا» صراحة، ولذلك لم تقبل الأحزاب السياسية في الإقليم أن تلحق بـ«إثيوبيا» إلا حزبًا واحدًا وهو الرابطة الديمقراطية للصوماليين الإثيوبيين ESDL، وكان متهمًا بموالاة الحكومة الفيدرالية.

وفي بداية شهر سبتمبر الجاري غير الجناح المسلح من الجبهة الوطنية لتحرير أوجادين قيادته، ويتوقع -كما تفيد بعض المصادر- أن يؤثر ذلك على سياسات الجبهة، وأن تغير نضالها إلى نضال سياسي بدل النضال المسلح الذي تضرر به سكان الإقليم، وقد يرسم الخارطة السياسية في الإقليم من جديد.

ورغم أن الصومال الغربي حصل على استقلالية نسبية ولو شكليًّا، إلا أننا نلاحظ أن إدارة الإقليم لم تشهد استقرارًا يذكر منذ بدايتها عام ۱۹۹۲م، بعد الانتخابات الأولى التي جرت في الإقليم أغسطس ۱۹۹۲م، ومنذ ذلك الوقت فقد تولى رؤساء ستة مسئولية الإقليم؛ أي رئيس واحد لكل سنة تقريبًا.

صورة مشبوهة

وأغرب من ذلك أن كل واحد من هؤلاء الرؤساء خلع من منصبه بصورة مشبوهة، وتم اعتقاله عقب عزله من المنصب.

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: ما الأسباب والدوافع لهذه التغييرات المتتالية والاعتقالات التي تعقبها؟!

طرحنا هذا السؤال على عديد من المحللين والمهتمين بشئون الصومال الغربي، فدارت إجاباتهم متقاربة ومتكاملة حول المحاور الآتية:

1- السبب الحقيقي وراء هذه التغييرات المتتالية وعدم الاستقرار السياسي والإداري الذي يشهده الإقليم يرجع إلى سياسة «فرق تسد» الاستعمارية التي تبنتها أقلية تكراي الحاكمة إزاء الأقاليم الإسلامية بعامة، والإقليم الصومالي بخاصة.

حكام أديس أبابا

ووفق هذه السياسة تسعى الطبقة الحاكمة في أديس أبابا إلى تأجيج الصراع القبلي وتشجيع التنافس العشائري وإثارة الخلافات الداخلية ومساندة قبيلة معينة ضد قبيلة أخرى في مرحلة معينة! ولذلك تعمل على إطاحة مسئول معين من منصبه إرضاء لقبيلة معينة.

٢- أن حكومة إدارة الإقليم وعلى رأسها مسئولها تسعى دومًا لتقوية صلاحياتها، ورفع سلطاتها والحصول على نوع من الاستقلالية من الحكومة الفيدرالية، وقد يبلغ الأمر إلى التفكير بحق تقرير المصير، وهذا ما لا تسمح الحكومة الفيدرالية، بل يزعجها، ومن ثم تخطط لعزل رئيس الإقليم الحالي تأديبًا له.

3- أن الأقلية الصليبية -صانعي القرار في إثيوبيا- لا تريد تنمية الأقاليم الإسلامية والإقليم الصومالي بخاصة، بل تسعى ألا يخرج من تخلفه المشين في الجوانب التعليمية والصحية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وتحاول تغطية سياستها هذه وتجعل لها كبش الفداء.

4- الفساد الإداري الذي اشتهرت به الإدارات المتعاقبة في الإقليم: إن الفساد الإداري سمة بارزة لهذه الحكومات الإقليمية، وهذا الفساد قد يزيد على يتصوره البعض في بعض الأحيان.

فقد كانت الميزانية المقررة للإقليم لسنة معينة ۳۱۸ مليون بر «العملة الإثيوبية»، ولكن نفدت هذه الميزانية خلال الأشهر الثلاثة الأولى من تلك السنة، فهل تم إنفاق الميزانية في تلك المدة الوجيزة؟ وأين فواتيرها؟

ومن الأهمية بمكان أن نشير إلى أن هذه التغييرات الكثيرة لا تقتصر على المسئولين الكبار بل تشمل المسئولين الصغار والموظفين وحتى الحراس والفراشين؛ إذ كل مسئول جديد يطرد الموظفين السابقين ويأتي بموظفين جدد لا يحترمون قوانين الخدمة المدنية، ويحدث ذلك كله تحت سمع وبصر الحكومة الفيدرالية، بل بعد الحصول على الضوء الأخضر منها.

ويرفع الموظفون السابقون شكاواهم ودعاواهم ضد المسئول الجديد حتى تتم إطاحته هو نفسه.. وهكذا دواليك.

ومن هنا يئن سكان الإقليم بين مطرقة المكر الإثيوبي الصليبي وسندان الانحطاط الداخلي وفقدان القيادة الكفء.

الرابط المختصر :