; كيف نفكر استراتيجيًا؟ | مجلة المجتمع

العنوان كيف نفكر استراتيجيًا؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 17-نوفمبر-1998

مشاهدات 60

نشر في العدد 1326

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 17-نوفمبر-1998

  • الشرق أوسطية الجديدة تعني إضافة قوة المنطقة لإسرائيل لتفرض سلاحها على شعوب الأرض وتحكم العالم من «أورشليم القدس».

الكتاب الذي بين أيدينا دراسة قيمة ونفيسة للمرحوم اللواء د. فوزي طايل، الذي أكد في مقدمته أنها عمل عقلي مرجعيته الكتاب والسنة، يستهدف تجديد إيمان الأمة، وتنقيته مما التبس به من ظلم أو شبه ظلم بسبب ما أحاط بها من تهديدات وما نفذ إلى داخلها من تشوهات تمس هويتها، كما أنه دعوة للنهضة وليس دعوة للالتفات إلى الوراء أو إشعال نيران الصراع الفكري بداخل الأمة. 

والدراسة من القطع المتوسط وتقع في 415 صفحة صدرت عن مركز الإعلام العربي.

ومؤلفه- يرحمه الله- كان أستاذًا للاستراتيجية الشاملة بأكاديمية ناصر العسكرية، وله العديد من المؤلفات وقد توفي في فبراير ١٩٩٦م قبل أن يرى هذا الكتاب النور.

يتناول المؤلف في الفصل الأول مبحثين هما:

 القرآن الكريم والسنة النبوية.

 ويقول في معرض كلامه عن منظومة القيم الإسلامية: تعد القيم الإسلامية هي معيار الصواب والخطأ في المجتمع وتتصف هذه القيم بالثبات، وتنقسم منظومة القيم الإسلامية- في رأي الكاتب إلى القيم العليا وهي تلك القيم التي ينهار المجتمع بدونها وتتجسد في: العلم، الإيمان، العمل، تكريم الله للإنسان، وحدة الأمة، العدل، الشوري، وإتقان العمل، والنظافة، والتعاون.. إلخ.

بعد ذلك تأتي الفضائل الخلقية التي تتجمل بها الحياة مثل العفو والرحمة والتسامح والصبر والشكر.. إلخ.

إرهاصات النظام العالمي الجديد: برز اصطلاح «النظام العالمي الجديد» إلى حيز الاستخدام بعد انهيار نظام القطبية الثنائية في قيادة العالم بانهيار السوفييت وبروز النظام ذي القطب الواحد والذي تتزعم فيه الولايات المتحدة قيادة العالم، وحتى نستطيع تصور مستقبل النظام العالمي الجديد لا بد من دراسته بشكل تحليلي من عدة محاور:

المحور الأول: الميراث التاريخي.

المحور الثاني: انتقال مركز الحضارة من الشرق إلى الغرب.

المحور الثالث: المسألة الشرقية.

المحور الرابع: الصهيونية العالمية تركب موجة المد الإمبريالي..

بدايات الفكر الجيوبوليتيكي: يعني الفكر الجيوبوليتيكي: «إعادة ترتيب الأوضاع الجغرافية باستخدام القوة المسلحة للتلاؤم مع الأهداف الجغرافية لدولة ما»، وقد ظهر مضمون هذا الفكر على مسرح الأحداث في القرن التاسع عشر نتيجة التصادم بين نظرية «القوة البرية الروسية» ونظرية «القوة البحرية الأمريكية» حيث ترى روسيا كدولة إمبريالية أن منطقة القوقاز تعد قلب الأرض، من يسيطر عليها يسيطر على أوروبا، ومن ثم يصل بسهولة إلى المياه الدافئة في المتوسط والهندي وذلك طبقًا للنظرية البرية.

أما النظرية البحرية فترى أن التفوق الأمريكي في المحيط الهندي- مفتاح البحار السبعة- يمكنها من السيطرة على مركز القوة العالمي الجديد، وبالتالي التحكم في أمور السياسة الدولية، ونتيجة لهذا التضاد ظهرت «منطقة الارتطام»، وهي الواقعة بين حوضي البحر الأسود والمتوسط شمالًا، والمحيط الهندي جنوبًا، وهي قلب الأمة الإسلامية أو ما يسمى الآن بالشرق الأوسط.

وحتى تقضي القوى العالمية على التواصل بين أطراف الأمة الإسلامية وقلبها، كان من الضروري زرع جسد غريب وهو الدولة الصهيونية في فلسطين- ليس لخدمة اليهود فقط- بل لحماية المصالح وضمان تفوق تلك القوى العالمية.

وتمت المعاهدات والاتفاقات بين القوى العالمية من أجل تقسيم الوطن العربي أو الشرق الأوسط وظلت الأمة الإسلامية طوال العقود الأربعة الأولى من القرن العشرين في حالة غيبوبة، وفرضت عليها وصاية المحتل الأجنبي، كما تم غزوها ثقافيًا- الفكر الليبرالي والماركسي- أيضًا ومع بداية الحرب العالمية الثانية في ۱۹۳۹م بدأت أمريكا في وضع قواعد «لنظام عالمي جديد» يفرض على الأمة السلام الصهيوني الدائم!.

قوتان عظميان وحرب باردة: خرجت الأيديولوجيتان: الليبرالية والاشتراكية من رحم الصهيونية العالمية، وعلى الرغم من تضادهما إلا أنهما اتفقتا في نقل مسرح الصراع إلى الأرض الإسلامية في «العالم الثالث» أو مسرح الجنوب، وذلك مقابل إبعاد خطر الصراع المسلح عن أوروبا، وكذلك ضمان أمن الكيان الصهيوني في المنطقة، والحيلولة دون فاعلية أي تجمع إسلامي.

 كان أي صراع بين القوتين العظميين يدور على أراضي أمتنا الإسلامية بالوكالة، أي دون مواجهة حقيقية مباشرة بينهما، ولكنهما تحركان الأحداث لصالحهما دائمًا، وتقفان في أي صراع ضد الطرف الإسلامي.

آليات إقامة النظام العالمي الجديد 

مثلت حرب الخليج الثانية أول اختبار للنظام العالمي الجديد الذي تربعت على عرشه الولايات المتحدة، ولهذا النظام عدد من المبادئ والأهداف، أما أهم المبادئ فهو إشاعة السلام الدائم- الصهيوني- وكذلك أهم أولوياته صياغة مفهوم شرق أوسطي جديد يذوب فيه مفهوم الأمة العربية، وبالتالي الاعتراف بإسرائيل كدولة شرق أوسطية، ومنع التسلح وكل ما من شأنه المساس بأمن وسلامة إسرائيل.

تمثلت أهم أهداف أزمة الخليج ۱۹۹۰م في إقامة جو ملائم للتفاوض بين الدول العربية وإسرائيل، وهي مفاوضات- مملة، بطيئة، طويلة، كما أرادتها وحددتها إسرائيل، وتعد هذه المفاوضات شرطًا مسبقًا لحل القضية الفلسطينية، وأوضح مؤتمر مدريد للسلام الخطوات العريضة للسياسة الإسرائيلية التالية عليهم، من ترتيبات أمن تقوم على نزع السلاح، والتحكم في التسلح، والتفتيش مثلما يحدث في العراق الآن ونسيان عداوة الأمس والدخول في علاقات شراكة مع الإسرائيليين. وسيق العرب إلى مؤتمر مدريد، ولعبت فيه الولايات المتحدة دور الحكم والوسيط والضامن، وقد سبق مؤتمر مدريد مباحثات سرية ورسائل تطمينات أمريكية للفلسطينيين وغيرهم. 

وقد خلت تصريحات الوفود العربية من المضامين الإسلامية، وامتلأت تصريحات اليهود بالبعد العقدي المعبر عن إقامتهم لدولة إسرائيل في أرض الميعاد، ودعوة البلدان العربية على لسان إسحق شامير، «أناشدكم إلغاء الجهاد ضد إسرائيل»، وكانت نتائج هذا المؤتمر وما تلاه وصحبه من مفاوضات ضئيلة هزيلة لا تتجاوز «غزة وأريحا» وهي بضعة كيلومترات، وفي المقابل حصلت إسرائيل على وعد من عرفات بمحاربة حركات الجهاد الفلسطيني بمساندة إسرائيل وأمريكا.

النظام الشرق أوسطي الجديد: هذا النظام الجديد فكرة صهيونية خالصة، وهدف قومي لإسرائيل، فالشرق أوسطية الجديدة تعني إضافة قوة المنطقة إلى إسرائيل لتفرض سلاحها على شعوب الأرض، وتحكم العالم من «أورشليم القدس»، وذلك أن الشرق الأوسط هو الدائرة الثانية للحركة الصهيونية، و«الشرق الأوسط»، هو الوريث التاريخي «للمسألة الشرقية»، والتي تعني للحركة الصهيونية منطقة تمثل معظم الأمة الإسلامية ومقدساتها وثرواتها، ولأنه من المستحيل الاستيلاء عليها بالقوة المسلحة، فقد كان البديل هو الاتفاق على إحداث تكامل- كما يقول المؤلف- أشبه باتفاق الذئب مع الغنم.

المحور الأول- النظام الشرق أوسطي جزء من النظام العالمي الجديد: تضع أمريكا فكرة إقامة النظام الشرق أوسطي في أعلى درجات أولوياتها، باعتبارها أهم آليات تحقيق أهداف الأمن القومي الأمريكي، حيث إن الشركات الأمريكية «اليهودية» ستجد في هذا النظام فرصة لدخول سوق ضخمة في الشرق الأوسط، وباعتبار مصر مفتاح الشرق الأوسط، وباعتبار مصر مفتاح الشرق، ركزت أمريكا على الحكومة المصرية، واستجابت الأخيرة للضغوط الأمريكية منذ عام ۱۹۸۷م، لتنظيف المجال الداخلي أمام الاستثمارات الأجنبية بصفة عامة «والصهيونية الأمريكية» بصفة خاصة.

وكان ذلك بمثابة توجيه ضربة قاصمة للاقتصاد الإسلامي المتمثل في شركات توظيف الأموال «والمعاملات الإسلامية غير الربوية» وصودرت أموالها بطرق ملتوية تحت ستار القانون، كما استخدمت مصر كرأس حربة موجهة إلى قلب الصحوة الإسلامية، والتي أطلقوا عليها أسماء التطرف والإرهاب، وإضافة لفظ إسلامي لكل مصطلح تخريبي أو تدميري.

المحور الثاني- أوروبا والبديل البحر متوسطي: إذا كانت الشرق أوسطية فكرة صهيونية، تستهدف التمكين لإقامة المشروع الصهيوني كخطوة نحو الدولة العبرية، فإنها فكرة أوروبية صليبية تستهدف استعادة أوضاع الدولة الرومانية إلى ما قبل الإسلام، وقد طرحت أوروبا فكرة تقسيم الشرق الأوسط إلى جزئين تسيطر فيه على المغرب العربي، وبالتالي الدخول إلى إفريقيا أو الرابطة «الأوروإفريقية»، وذلك بالتركيز على مصر والمغرب كمدخل لأن بلاد الشمال الإفريقي هي الامتداد التاريخي للحضارة الأوروبية وثقافتها، وأن وجود منظومتي قيم مختلفتين على جانبي المتوسط سوف يكون عائقًا أمام السوق الأوروبية.

ومما سبق يتضح أن فكرتي «النظام الشرق الأوسطي» و«البحر المتوسط»، فکرتان متناقضتان ولكنهما تتفقان حول أمرين: الأول، العداء للإسلام، والثاني: محاولة الهيمنة الاقتصادية على منطقة قلب الأمة الإسلامية، كمرحلة أولية في طريق التخطيط للهيمنة الاقتصادية العالمية.

مركزية السيطرة على الاقتصاد العالمي: منذ إنشائها، خصصت منظمة الأمم المتحدة، أحد فروعها للمشكلات العالمية الاقتصادية، وهو المجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي يقوم بتنسيق الأداء الاقتصادي العالمي، ولكن منظمات حكومية أخرى قامت بين أكبر الدول المصدرة للخامات الاستراتيجية ومن أهمها منظمة الدول المصدرة للبترول «OPEC»، وبعد قيام الأمم المتحدة بثلاثين عامًا، أعلن فشل النظام الاقتصادي العالمي، واعتزم إنشاء نظام اقتصادي عالمي جديد، من خلال حوار الشمال- الجنوب، أي الدول الغنية التي تمتلك التكنولوجيا ودول العالم الثالث التي تمتلك المواد الخام.

وسيطرت الاستثمارات الأجنبية بواسطة الشركات الأجنبية العملاقة- متعددة الجنسيات- على هذه الأسواق، وحولت بلادنا إلى سوق استهلاكية لمنتجاتها، بمواصفات غير التي تنتجها في بلادها، كما تم  الترويج للاقتصاد الحر، وبهذا توجه ضربة مزدوجة للاشتراكية في قيمها الاقتصادية التي تقوم على الاقتصاد الموجه، وإمكان تسلل الشركات العملاقة اليهودية وسيطرتها على الاقتصاد العالمي.

وتقوم الهيمنة الاقتصادية على عدة محاور:

المحور الأول- تحالف الدول الصناعية الكبرى: سعت الولايات المتحدة لممارسة الهيمنة العالمية الاقتصادية من خلال تحالف الدول السبع الصناعية الكبرى «أمريكا- اليابان- ألمانيا- بريطانيا- فرنسا- كندا- إيطاليا»، وطرحت تلك الدول في مؤتمر القمة السابع عشر لها، طرحت فكرة مبادلة ديون الدولة النامية بالبيئة، بمعنى الهيمنة على الموارد الطبيعية من مياه وغابات وعلى النشاط البشري بالدول النامية.

وفي محاولة قانونية مبدئية للسيطرة على البيئة، عقد مؤتمر قمة عالمي في ۱۹۹۳م، في ريودي جنيرو، وكان من أهدافه- غير المعلنة- تحقيق مركزية السيطرة على البيئة العالمية، والحقيقة أن تحالف الدول الصناعية الكبرى ليس من أجل الحفاظ على البيئة، ولكنه من أجل فتح فرص عمل جديدة أمام شعوبها، وفتح أسواقنا أمام سلع وخدمات تحقق لهم المزيد من نهب الثروات، وجاءت اتفاقية الجات والتي تستهدف حرية حركة السلع وحركة رأس المال والخدمات لتفتح الباب أمام القوى العظمى التصديرية- الولايات المتحدة- لتحقيق الهيمنة المركزية على الاقتصاد العالمي.

المحور الثاني- ضبط المواليد ومزية نقص الموارد: لما كانت الموارد محدودة حسب نظرية القس توماس مالتوس البريطاني، فإن كل زيادة سكانية سوف تتبعها زيادة في إنتاج الغذاء، والسلع الأخرى، وقد جاء مؤتمر «السكان والتنمية» والذي تم عقده في القاهرة ١٩٩٤م، وقد تمت فيه صياغة الفلسفة الأمريكية التي تقوم على أساس أنه لا توجد أماكن كافية للجميع في قارب النجاة، لذلك يجب ترك البعض يغرقون، ومن ثم فإنه يجب التخلص من ثلث العالم الفقير اليائس، ويتم ذلك من خلال ضبط المواليد.

الترويج لثقافة السلاح: تقوم فكرة «ثقافة السلاح»، على أساس توجيه الطاقة البشرية بعيدًا عن القتال، وكل ما من شأنه أن يستثير الميل نحو التدافع، واستبدال ذلك بأفكار تشكل ثقافة عالمية يتفق عليها الجميع من خلال ما عرف بالمجتمع الدولي World Society، وذلك لتحويل الصراعات بين الدول إلى صراعات محدودة داخل الدول، وهذه الصراعات من أجل السيطرة على التسلح، من خلال طريقتين هما: التوسع في إنشاء المناطق منزوعة السلاح في التسويات الحدودية بين الدول، واستهلاك موجودات الأسلحة في الحروب الأهلية والعرقية والطائفية.

وهدم فكرة الدولة: حيث اهتم الفكر العالمي الجديد بما يسمى مجتمع العالم، والذي تهدم فيه فكرة الدولة، وتذوب فيه الفوارق بين الدول، ويجوز طبقًا للعالمية تدخل القوات الغربية من أجل توفير الغذاء والصحة لكل إنسان على وجه الأرض، وبالطبع لأهداف خفية وليست لأسباب إنسانية.

وهدم نظام الأسرة: تقوم ثقافة السلام في جانب منها على غمس الناس في شهواتهم، وفتح الباب أمام العلاقات الشاذة وتقنينها، وحماية أصحابها، هناك أنماط متعددة للأسرة، ولا ينظر للجنس «رجل أو امرأة» عند إقامة العلاقات الجنسية.

إزالة الخصومات والثقافات العقدية: إن الثقافة العقدية تمثل الدافع الأساسي وراء التدافع البشري، ويتصور صانعو «النظام العالمي الجديد» أن توحيد الثقافة لكل البشر سيغلب التفاهم على الصراع والتدافع، وهدف الغرب من توحد الثقافة هو أن تصدر دول الشمال المتقدم أمرًا ما، فتستجيب إليه دول الجنوب دون تردد أو مناقشة. 

محاربة الإرهاب: استخرج صانعو النظام العالمي الجديد لفظ الأصولية من خلفياتهم الثقافية، وعلى الرغم من أنه لا يعطي المضمون نفسه في الإسلام، إلا أن بلداننا التقطوا هذا المصطلح للدلالة على الداعين إلى التمسك بالدين، فوصفوهم بالمتشددين أولًا، ثم بالتطرف والأنكى من هذا، أنهم استحدثوا لفظًا جديدًا- الإرهاب- ليعبر عن استخدام العنف في الوصول إلى السلطة، أو فرض الرأي، أطلقوا هذا اللفظ على هؤلاء الدعاة وللأسف أصبح الإرهاب مرادفًا لكلمة الإسلام.

الكتاب: كيف نفكر استراتيجيًا؟

المؤلف: لواء أ.ح. د. فوزي محمد طايل

 الناشر: مركز الإعلام العربي

 

الرابط المختصر :