العنوان نحو مجتمع الحرية والسعادة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-1972
مشاهدات 93
نشر في العدد 120
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 03-أكتوبر-1972
هذه نظرة في الأفق البعيد، يقول تعالى في سورة الحديد ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحديد: 25) «1» صدق الله العظيم.
الرسل، والبينات، والكتاب والميزان، كل هذا ليقوم الناس بالقسط، وليس هذا وحسب، فالله القوي العزيز يعلم أن كل هذا الذي ذكر في مطلع الآية لن يكفي لإقامة القسط، بل لا بد من قوى أخرى تدخل المعركة ليكون النصر ويكون القسط في الأرض.
أنزلنا الحديد فيه بأس شديد ثم الناس المؤمنون بالغيب وبعد هذا لا بد من أن تتدخل إرادة الله لتمنح النصر لمن يحملون السلاح طالبين الموت في سبيل الله أو تكون كلمة الله هي العليا فيقوم القسط في الأرض.
واللام في «ليقوم» هي لام التعليل، فكل ما ذكر علته القسط في الأرض وبين الناس، ويسأل سائل: أية تناقضات هذه؟ ففي سورة أخرى من كتاب الله جاء قوله تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56) «۲»
فهو هنا يعلل الخلق بالعبادة، وفي سورة الحديد يعلل العبادة بالقسط فالعبادة غاية في سورة الذاريات ووسيلة في سورة الحديد.
فعدا عن أن سورة الذاريات مكية، ولم يكن باستطاعة المخاطبين بها إلا العبادة الفردية وسورة الحديد مدنية، أي أنه كان للمخاطبين بها دولة وقانون وكان باستطاعتهم أن يطبقوا على أنفسهم كل ما يأمرهم به الله عز وجل، عدا عن هذا فإن القسط جزء من العبادة لا ينفصل عنها، وهو غاية يسترضي بها المؤمنون ربهم، وبها يعبدونه، بل إن إقامة القسط في الأرض هي قمة العبادة بكل مراحلها.
ولهذا يشير حديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «لتُنقَضَنَّ عُرَى الإسلام عُروة، فكلما انتقدت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضًا الحكم وآخرهن الصلاة» «۳».
فقاعدة الإسلام كما يشير الحديث الصلاة وهي عبادة فردية بين العبد وربه، وإن كان لها بعض المظاهر الجماعية كصلاة الجمعة والجماعة، وقمة هذا الدين حسب تمثيل الحديث النبوي الشريف الحكم، وحكم الإسلام لا يكون إلا قسطًا، بل إنه إذا ما خالطه شيء من غير القسط صار غير الإسلام، وهذا هو انتقاده المقصود في الحديث الشريف، إذن مجتمع القسط غاية في ذاته، وهو مجتمع يحصل فيه الإنسان على أكبر قدر من الحرية والسعادة والاطمئنان، مجتمع ليس خِلوًا من الذنوب والأخطاء، كما يتصوره البعض، ولكنه مجتمع لا يسكت على الذنوب والأخطاء ولا يتهرب أفراده من مسؤولية ما يصدر عنهم، بل يتحملون نتائج أعمالهم بكل رضا واطمئنان حسنة كانت النتائج أو سيئة، مجتمع لا يباح فيه الخطأ بقانون ولا تسري فيه الرذيلة بتشريع، وإنما قد يحدثان خطأ فيزالان بالقانون والتشريع، والقسط لا يمكن أن يتفق مع الرذيلة، ولا أن يعايشها ساعة واحدة، فأما القسط وأما الرذيلة فإن إباحة عمل واحد من تلك الأعمال التي سماها الإسلام ذنوبًا يكفي لهدم مجتمع القسط، ولنأخذ أمثلة: مجتمع يطبق فيه كل شرع الله، ويباح فيه الكذب، كيف سيكون شكله؟ وإلى أین سينتهي مطافه؟ ولنتأمل، الكذب مباح، والشهادة لا قيمة لها، والحق؟ كيف يمكن الوصول إليه؟ وصاحب الحق كيف يمكن أن يحصل على حقه؟ بل كيف يمكن معرفته هو أولا؟ بل إن مجتمعًا يتفشى فيه الكذب تفشيا وحسب أعني أن الكذب فيه غير مباح بالقانون، في مثل هذا المجتمع ما الفرق بين الحق والباطل؟ وأين يمكن أن نجد الحق وأن نمیزه؟
وخذ ذنبًا آخر، الزنى، والعلاقات الجنسية المحرمة في الإسلام، وتصور مجتمعًا مثاليًّا في كل شيء ولكنه يبيح العلاقات الجنسية بلا ضابط، كيف ستكون حياته؟ المعروف أن الإنسان لا يشبع جنسيًّا، بل كلما ازدادت ممارسته للأعمال الجنسية كلما ازداد إقبالًا عليها، هذه حقيقة يصدقها الواقع ويعرفها الممارسون، ويجهلها الصغار من دعاة التقدمية ويتجاهلها الكبار منهم، إباحة العلاقات الجنسية تؤدي إلى شَبَق دائم، وشهوة لا تنطفئ نارها، ولنفرض أن شخصًا في سلك القضاء اشتهى امرأة معينة لجمالها، وكان لتلك المرأة أو لقريبها مصلحة عند ذلك القاضي، ألا يَدفُقُ شوقُه لقضاء شهوته لخرق العدل؟ وليس هذا فرضًا يفرض، بل هو بعض الواقع، ألم تتكرر مئات الحوادث من مثل هذا في عالمنا العربي؟ وهي في سواه أكثر وأَحرَى، ألا نسمع أن كثيرًا من الموظفين الكبار في عالمنا الإسلامي لا يملكون من المؤهلات إلا الزوجات الجميلات أو الشقيقات الحسناوات أوليس ذلك خرقًا فاضحًا لأبسط مبادئ القسط، وسؤال واقعي آخر: أو لم تكن العلاقات الجنسية الخبيثة واحدة من السدود الصعبة في طريق تكافؤ الفرص «1» في عالمنا العربي؟ ثم أليس تكافؤ الفرص هو أول مقومات الحرية التي هي إحدى أهم دعائم القسط ونتائجه في آن؟
وما قيل عن الكذب والزنى يمكن أن يقال عن كل ما اعتبره الإسلام ذنبًا، ومن هنا نخرج بنتيجة وهي أن القسط لا يمكن أن يقوم إلا على أعمدة راسخة من الفضيلة الكاملة، والإنسان المؤمن هو الذي ترجح الفضيلة في نفسه كل نفع مادي عاجل، فليست الفضيلة فضيلة ما لم تكن على هذا المستوى، وهو ليس بالصعب إذا رُبِّيَ الإنسان تربية ربانية صحيحة، وانطلق في هذه الحياة من تصورات صادقة، وفي حياة العصبة المؤمنة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام أمثلة وضاءة، فما الذي دفع تلك المرأة التي زلت يومًا فزنت فتحركت فيها دوافع الإيمان الصادق فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تريد التكفير عن نفسها وهي تعلم سلفًا أنه لا يكفر ذنبها إلا قتلُها رجمًا حتى الموت، ومثل هذه المرأة كل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، آمنوا بالله، وأحبوا نبيه ودينه وشرعه، أكثر من حبهم أنفسهم وأهليهم ولم يكونوا متبرعين بهذا الحب بل كان شرطًا أساسيًّا في إسلامهم، وعلامة يعرف بها صدق إيمانهم، يقول تعالى في سورة المجادلة «1» ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ صدق الله العظيم.
هذه صفحة بناة مجتمع القسط الذين يرتبطون بالله وبما رضي لهم من شرع أكثر من ارتباطهم بأنفسهم وكل وشائج الدنيا، فهم كما وصفهم الله العليم بقلوبهم: لا يحبون ولا يصادقون من حاد الله ولو كان الابن أو الأخ أو الأب أو العشير، بل إنهم هم الذين طلقوا أزواجهم الكوافر بمجرد نزول قوله تعالى ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (٢)
فعند نزول هذه الآية كان لعمر بن الخطاب زوجة على غير الإسلام فطلقها طاعة لأمر الله جل وعلا (٣)
بمثل هؤلاء الرجال والنساء يقوم مجتمع القسط، ولن يقوم بأقل منهم، وهؤلاء الذين تخلوا عن كل شيء في مقابل الحصول على رضا الله لم يوجدوا فجأة، ولم يتربوا في ساعة من نهار، إنما رباهم القرآن في ثلاث وعشرين سنة، وكانت عين رسول الله صلى الله عليه وسلم ساهرة عليهم، وقلبه مملوء بحبهم والحرص عليهم، حتى وصلوا تلك القمة السامقة في فترة من الزمن لم تعش البشرية مثلها قبل ولا بعد حتى غدت حياة تلك الفترة حُلمًا يراود كل الذين عملوا على درب التغيير.
أقام الإسلام مجتمع العدل على هذه القواعد المتينة من الرجال والنساء، وما كان ليقوم بأقل منهم لا عددًا بل إيمانًا وحبًّا لله ولدينه وهذا ما أشار إليه تعالى في سورة النساء ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65) صدق الله العظيم.
وفي هذه الآية الكريمة التي بدأها الله بقسم بنفسه، في موقف عظيم رهيب، يضع فيه جل وعلا أمامنا الحد الأدنى من الإيمان، لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، فإذا ما حكموك فقد أصبحوا في عداد المؤمنين، أما قبلها فلا، وليس هذا فحسب، وليس من أجل هذا ذكرت الآية في هذا المكان وإنما من أجل أمر أجل وأهم ذلك الذي أجده في قوله تعالى:
﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65) فلا حرج في النفس ولا ضيق في الصدور ولكن تسليم مطلق لحكم الله وحكم نبيه، ولهذا أهميته القصوى في بناء مجتمع القسط فالتسليم المطلق النابع من القلب المطمئن بالإيمان هو الضمانة الوحيدة لإقامة حكم الله، وبغير هذا الدافع الذاتي والإقبال المطمئن على تنفيذ حكم الله على النفس قبل الآخرين لا يقوم في الأرض قسط، والإنسان الذي يتقبل الحكم وفي نفسه منه ريبة لا يبالي أن يتهرب من هذا الحكم إن استطاع إلى ذلك سبيلًا، وما أكثر ما يستطيع الإنسان التهرب من حكم لا يريده، فقد قيل في هذه الأيام: إن القانون لا يطبق إلا على الأغبياء، وليس معنى هذا أنه في مجتمع عداده ملیون إنسان يجب أن يملأ الإيمان مليونًا من القلوب حتى يقوم القسط وإلا فلا يقوم، لا بل يكفي أن تكون أقلية مؤمنة مخلصة لإقامة حكم الله، تعاني في سبيل هذه الفكرة حتى تصبح من خلال معاناتها قدوة، وتثبت من خلال هذه المعاناة أن حبها لهذا الحكم يفوق كل حب، إلا أن يكون حب صاحب الحكم، فإن أثبتت ذلك عمليًّا نالت إعجاب قومها، وإن كانوا على غير عزمها وتصميمها، ونالت رضى ربها واستحقت نصره، فتقوم هذه الفئة «بأمر الله» بتسلم زمام الأمر وإقامة مجتمع القسط الذي تكون هي حارسة عليه، كل فرد فيها يقف على ثغرة من ثغرات ذلك المجتمع بإخلاص وتصميم، حتى لا يؤتى مجتمع القسط من قِبَلِه، ولا تمضي فترة قصيرة حتى تطمئن الأكثرية لحكم الله، وتجد فيه راحة وهناء فتصبح هي الأخرى حارسة لهذا الحكم فلا يؤتى من جهة، أما إذا لم تكن الأقلية موجودة بل كانت الأمة كلها قابلة للحكم وفي نفسها حرج فما أسرع ما ينهار وما أقرب أن يسقط لعدم وجود من يضحي في سبيله ويقدمه على نفسه وعاجل مصالحه.
من هنا كانت الإشارة الإلهية الرائعة، ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65). ولا يغني عن هذه الإشارة سواها من القول في هذا الأمر.
ابن الشرق
«1» (الحديد: ٢٥)
«٢» (الذاريات: ٥٦)
«٢» (مسند الإمام أحمد)
«۱» وصلني أن مسؤولًا كبيرًا في قطر عربي أعلن حاجته إلى موظفات للدائرة التي يديرها، وفي الصباح جاءته فتاة تطلب عملًا، فرفض طلبها معتذرًا بعدم وجود شواغر، فذكره صديق له بإعلانه فقال بالحرف الواحد «ألا ترى وجهها يشبه كوشوكه» - المسؤول الكبير يحمل درجة الدكتوراه.
«1» (المجادلة: ٢٢)
«٢» (الممتحنة: ١٠)
«۲» (تفسير القرطبي: ص١٨)
الرابط المختصر :