; في السياسة الشرعية..الحلقة (32).. قيام الدين بالكتاب والميزان والحديد | مجلة المجتمع

العنوان في السياسة الشرعية..الحلقة (32).. قيام الدين بالكتاب والميزان والحديد

الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي

تاريخ النشر الثلاثاء 01-يونيو-1982

مشاهدات 55

نشر في العدد 573

نشر في الصفحة 31

الثلاثاء 01-يونيو-1982

  • الذي يتفحص التاريخ السياسي والعسكري للإنسان فوق هذه الأرض يلاحظ أن التنازع والصراع والحروب قد احتلت الجزء الأكبر من التاريخ الإنساني وأن فترات السلم والهدوء لم تتحقق إلا نادرًا وأنها لا تطول مهما كانت مفيدة للإنسان ويعلمنا تاريخ الإنسان السياسي والعسكري أن الحقائق السياسية والعسكرية اليابسة المتحققة فوق الأرض أبعد أثرًا في صياغة المستقبل من كل الأفكار والنظريات والأشعار ومن يتفحص القرآن الكريم وسيرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- يلحظ أن كليهما يؤكدان تلك المقولة والإسلام لم يحقق هذا الانتشار الكبير في العالم إلا عندما انطلق أبناؤه من التسليم بأن اليد العليا خير من اليد السفلى وأن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف.

ولو تفحصنا حتى حقائق هذا العصر السياسية للمحنا القوة والحديد من ورائها.

فالعالم لا يعترف بالضعيف ولا بحقوقه مهما استندت على كل الشرعيات المتعددة.

يكفي أن نعرف أن خمسين مليون نسمة يموتون سنويًا من الجوع في العالم وأنه مع هذا مئات الملايين من أطنان القمح والسكر والزيوت والفواكه والخضروات تلقى عمدًا في المحيطات البعيدة وذلك للمحافظة على سعرها التجاري في الأسواق العالمية.

ولنسأل أنفسنا من يقف وراء ذلك؟ إنها الرأسمالية العالمية التي تصدر لنا المواد الاستهلاكية بالأسعار التي تحددها هي وبالكيفيات التي تحددها هي.

علام تستند الرأسمالية في علاقتنا بها وعلاقتها بنا؟ على تبعيتنا لها وسيطرتها علينا السياسية والاقتصادية والعسكرية أي على كل أنماط وشكليات القوة.

  • منذ البداية أدرك المعلم الأول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن دولة الإسلام ودين الإسلام لا يقوم إلا بالكتاب والميزان والحديد.

كتاب يهدي به وميزان به تقوم الحقوق الإنسانية وحديد ينصره وبه تقوم الحدود على الكافرين والمنافقين.

لذلك كان للرسول -صلى الله عليه وسلم- كوكبة من المجاهدين ترافقه في السفر والغزو تسمى «الكتيبة الخضراء»؛ قال ابن هشام: وإنما قيل لها الخضراء لكثرة الحديد وظهوره فيها.

وخلال فتح مكة يأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- العباس أن يحبس أبا سفيان بوادٍ حيث يرى جند الله ويقول: «يا عباس إحبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها».

ويمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كتيبته الخضراء لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد فيقول أبو سفيان سبحان الله يا عباس من هؤلاء؟ فيقول له العباس هذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المهاجرين والأنصار فيقول أبو سفيان ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة.

كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يؤكد دائمًا للمؤمنين بأنهم الأعلون وبأن يدهم هي العليا وكان يردع كل الرايات الأخرى أن ترتفع فوق راية الإسلام حتى الذين تجاسروا على سب الإسلام مثل عصماء بنت مروان التي وضعت أربعة أبيات من الشعر في ذلك فإنا بالرسول -صلى الله عليه وسلم- يستحث همة عمير بن عدي ليقتلها ويقول له: ألا آخذ لي من ابنة مروان؟ فسرى عليها عمير في بيتها وقتلها ثم أصبح مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال له يا رسول الله إني قد قتلتها، فقال: نصرت الله ورسوله يا عمير «أنظر إبن هشام - جـ ٤ ص ۲۰۹». 

ولم يكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والجماعة الإسلامية الأولى ينتظر الخطر حتى يدهمه بل كان يدهم ويباغت الأعداء في دورهم.

يقول الصحابي الجليل عبد الله بن أنيس دعاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: إنه قد بلغني أن ابن سفيان بن نبيح الهذلي يجمع في الناس ليغزوني وهو بنخلة أو بعرفة فأته فاقتله.

قلت: يا رسول الله انعته لي حتى أعرفه.

قال: إنك إذا رأيته أذكرك الشيطان وآية ما بينك وبينه أنك إذا رأيته وجدت له قشعريرة.

قال: فخرجت متوشحًا سيفي حتى دفعت إليه وهو في ظعن «النساء في الهوادج» يرتاد لهن منزلًا وكان وقت العصر.

فلما رأيته وجدت ما قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من القشعريرة فأقبلت نحوه وخشيت أن تكون بيني وبينه مجادلة تشغلني عن الصلاة فصليت وأنا أمشي نحوه أومئ برأسي فلما انتهيت إليه قال: من الرجل؟ قلت: رجل من العرب سمع بك ويجمعك لهذا الرجل فجاءك لذلك.

قال: أجل إني لفي ذلك.

قال: فمشيت معه شيئًا حتى إذا أمكنني حملت عليه بالسيف فقتلته ثم خرجت وتركت ظعائنه «نساءه» منكبات عليه فلما قدمت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرآني قال: أفلح الوجه، قلت: قد قتلته يارسول الله.

قال: صدقت.

ثم قام بي فأدخلني بيته فأعطاني عصا فقال: امسك هذه العصا عندك يا عبد الله بن أنيس.

قال: فخرجت بها على الناس فقالوا: ما هذه العصا؟ قلت: أعطانيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأمرني أن أمسكها عندي.

قالوا: أفلا ترجع إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتسأله لم ذلك؟ قال: فرجعت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقلت: يا رسول الله لم أعطيتني هذه العصا؟ قال: آية بيني وبينك يوم القيامة إن أقل الناس المتخصرون يومئذ «أي المتكئون على المخاصر والمخاصر مفردها مخصرة العصا».

قال: فقرنها عبد الله بن أنيس بسيفه فلم تزل معه حتى مات ثم أمر بها فضمت في كفنه ثم دفنا جميعًا.

أنظر «ابن هشام– جـ ٤– ص ۱۹۷».

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بقتل الذي يتجسس على الجماعة الإسلامية ففي صحيح البخاري:

«حدثنا أبو نعيم، حدثنا أبو العميس عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم عين «أي جاسوس» من المشركين وهو في سفر، فجلس عند أصحابه يتحدث ثم انفتل «أي انصرف» فقال النبي صلى الله عليه وسلم اطلبوه واقتلوه فقتلته– أي سلمه بن الأكوع– فغفله سلبه «أي أعطى النبي صلى الله علي وسلم ابن الأكوع سلب ذلك الجاسوس» «انظر البخاري– جـه– ص ١٧٤».

  • إن الدعوات والدول التي تقوم عليها لا تدوم ولا تسود عن طريق التمني والمناشدة الصاخبة للنزعات السلمية والاستسلامية والانهزامية، بل تقوم على الكتاب الذي يهدي والعدل الذي يقسط بين الناس وأولًا وأخيرًا الحديد الذي يحمي ويردع يحمي حوزة الإيمان وأهله ويردع كل المستكبرين والمنافقين «و إن الله يزع بالسلطان مالًا يزع بالقرآن».

كان النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا زار المريض استحث فيه القوة وحرضه على القتال إذ كان يدعو له بالقول : «اللهم اشفِ عبدك يشهد لك صلاة، وينكأ لك عدوًا».

الرابط المختصر :