; بطولة في جروزني.. ومشاهد دامية في قرى الشيشان | مجلة المجتمع

العنوان بطولة في جروزني.. ومشاهد دامية في قرى الشيشان

الكاتب محمد العباسي

تاريخ النشر الثلاثاء 02-أبريل-1996

مشاهدات 109

نشر في العدد 1194

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 02-أبريل-1996

▪ مراسل مجلة «لوبوان»: قناعتي بعد التقائي مع الشيشان.. لن يستسلم أحد!!

▪ ٩ مليارات دولار من أوروبا لروسيا.. و٢٣ مليون دولار من ٧٠ دولة إسلامية للشيشان!!

▪ الشاعر المجاهد موسى أحمدوف: استمرار الحرب سيساهم في توحيد القوقاز تحت الراية الإسلامية

أكثر من ١٦ شهرًا أو يزيد، وتحديدًا منذ 11 ديسمبر ١٩٩٤م وروسيا الاتحادية تمارس أقصى أنواع الإرهاب الدولي ضد الشعب الشيشاني المسلم، بسبب رغبته في الاستقلال المعلن رسميًا عام 1991م عندما تفكك الاتحاد السوفييتي، وهو القرار الذي ألغاه مجلس الدوما يوم ١٤ مارس ١٩٩٦م، واعترض عليه الرئيس يلتسين معتبرًا إياه مؤامرة ضده!! لم يجرؤ أحد على سؤال الرئيس بوريس يلتسين في قمة «مكافحة الإرهاب» بشرم الشيخ حول قيامه بممارسة إرهاب الدولة في الشيشان، والذي نتج عنه مقتل ۸۰ ألف شيشاني يشكل المدنيون منهم ۹۰%، بل إنه في يوم الاجتماع ۱۳ مارس كانت الطائرات الروسية تصب حممها على رؤوس المدنيين الفارِّين من جحيم القتال في قرى الشيشان بعد تدمير منازلهم.

لم يجرؤ أحد على سؤاله لأن القمة كانت بهدف إرهاب الشعوب التوَّاقة إلى الاستقلال واحترام الذات، كانت لحماية إرهاب الدولة ودعم القتلة الإسرائيليين ضد أهالي الشهداء القتلى الذين أنجبوهم وتسببوا في تذكير العالم بقصة سرقة الأوطان، سواء في فلسطين، أو الشيشان، أو كردستان.. إلخ.

▪ تجفيف المنابع

فالمشهد الحالي في الشيشان ليس وليد شهر مارس ١٩٩٦م ولكنه مستمر منذ شهور، بل وسنوات سواء هنا أو هناك، فتصفية المقاتلين تحتاج أولًا إلى تجفيف المياه التي يسبحون فيها هربًا من القتلة.. وبالتالي يجب تصفية الشعب أولًا لتبقى الأسماك بلا مياه فيمكن صيدها بسهولة.. فالجيش الروسي يمارس منهج تصفية الشعب أولًا وتدمير القرى وتشريد النساء والأطفال، فما يحدث حاليًا في قرى تسيرنوفودسك، وسامشيك، إذ قتل الروس في الأخيرة ٦٠٠ مدني يوميّ 15، 16 مارس، وهجرها ۲۰ ألف بدءوا مسيرتهم لجمهورية أنجوشيا المجاورة، وكذلك ما يحدث في قرية باموت جنوب غرب الشيشان يعتبر امتدادًا لسياسة الروس ضد المسلمين مثلما حدث عام ١٩٩٤م ضد عشرة آلاف أنجوشي هربوا من بلادهم متوجهين للشيشان عندما دعم الطيران الروسي أوستيا أثناء حدوث اشتباكات بين الأنجوشيين والأوستينيين الشماليين، إلا أن الطائرات لم ترحمهم، وما زالت عمليات تدمير قرى شاتوي، وأرجون، وجود رميس، وشالي ماثلة في الأذهان ألم تعترف صحيفة «سفودنيا»، بأنه في 7 أبريل ١٩٩٥م تم تدمير سامشيك بسكانها، وهو ما حدث ضد قرية بیر فامايسكايا الداغستانية في ١٥ يناير ١٩٩٦م، عندما اقتحمها راضييف مع المقاتلين الشيشان وأخذ رهائن روسيا، ألم تدمر القوات الروسية قرية أرشتي الأنجوشية في ۲۲ فبراير ١٩٩٦م، تحت زعم اختباء المقاتلين الشيشان فيها، وهو ما حدث أيضًا في تسيرونوفودسك في ٣ مارس ويستمر في قرى جديدة، إذ إن الخطة الروسية تستهدف استئصال الشعب الشيشاني الذي نجح في إذلال القوات الروسية، فكل ألف روسي يقابلهم 4 مقاتلين شيشان نجحوا في مواجهتهم رغم الفارق العددي والتفوق التسليحي للروس، وهو ما يستعصي فهمه على الاستراتيجيين الذين لا يعرفون قيمة الإيمان وقوة الإرادة.

بل على الصعيد الاقتصادي فإن الدول الغربية أعطت إدارة يلتسين قرضًا قيمته 9 مليارات دولار ووعدته بـ ۱۱ مليارًا بواسطة صندوق النقد، بينما بلغ حجم المساعدات الإنسانية للشعب الشيشاني المسكين وفقًا لما قاله الكاتب مصطفى نجاتي يوم ۱۹ مارس ١٩٩٦م في صحيفة «تركيا»، ومن المدافعين عن قضايا المسلمين بلغ ۲۳ مليون دولار، أعطى الشعب التركي منها 80% رغم أن العالم الإسلامي يضم ٧٠ دولة وتجمعًا، وليس ١٤ دولة أوروبية!!

▪ العودة للعاصمة

ورغم كل ذلك نجح المقاتلون الشيشان في الوقت الذي حددوه في العودة إلى العاصمة جروزني التي تحتلها القوات الروسية وتمكنوا من السيطرة عليها طوال شهر مارس ليؤكدوا للعالم كما سبق وأن أشرنا في أعداد سابقة أن الانسحاب من جروزني كان تكتيكيًا لهدف استراتيجي، انسحابًا من أجل هجوم هنا أو هناك كما أن عودة المقاتلين الشيشان للعاصمة أكدت قدرتهم على النجاح في السيطرة على أية مدينة أو قرية يريدونها.

ولذلك اعترف مراسل مجلة «لوبوان» الفرنسية في عدد فبراير ١٩٩٦م بأنه توصل إلى قناعة تامة بعدما التقى مع الشيشانيين بدءًا من الجندي إلى القائد، ومن التلميذ إلى البروفيسور، ومن الصغير إلى المعمر بأنه لن يستسلم أحد، وأن في الوقت الذي تزداد فيه قوة مقاومة المقاتلين الشيشانيين فإنه لا توجد فرص لنجاح الجيش الروسي في هذا البلد، فالروس غرقوا بالفعل في المستنقع الشيشاني، مشيرًا إلى أنه شهد بنفسه كيف يفر الجنود الروس أمام المقاتلين الشيشان كالأرانب المذعورة، إذ إن في الليلة الواحدة يتمكن الشيشانيون من شن ٢٥ هجومًا ناجحًا في ٢٥ مكانًا مختلفًا.

▪ القوقاز نحو الوحدة

بل إن القادة الشيشان أكدوا للمراسل الفرنسي أن استمرار إرهاب الدولة الروسية مفيد لهم من الناحية الاستراتيجية، إذ إنه سيؤدي إلى توحيد القوقاز تحت الراية الإسلامية، فشعوب القوقاز ستثور جميعها ضد الظلم الروسي، وأن كونفدرالية الشعوب القوقازية ستتحقق إن عاجلًا أو آجلًا.

فالشاعر المجاهد موسى أحمدوف يقول: إن مقابل كل شهيد يسقط يقتل روسيين على الأقل، ولو استمرت الحرب فسيتوحد القوقاز تحت الراية الإسلامية، وأن الشيشانيين لن يتوقفوا عن الجهاد إلا وفقًا لشروط ثلاث هي الانسحاب الروسي من كل الأراضي الشيشانية، والاعتراف بحق الشعب الشيشاني في الاستقلال، والقبول بجمهورية الشيشان المستقلة.

ووفقًا لرواية المراسل الغربي للموقف الداخلي في الشيشان، فإن السلاح متواجد وبوفرة، إذ إنه شهد بنفسه عملية شراء السلاح من الجنود الروس هذا بخلاف ما يستولي عليه المقاتلون أثناء القتال كما أن المقاتلين كثيرون، والأموال موجودة، بل إن الشيشان يقومون حاليًا بتكرير البترول بطريقة مبسطة ومن خلالها يحصلون على احتياجاتهم من البنزين الذي يبيعونه بسعر رخيص، حتى الفلاحين يعملون بطاقة مضاعفة من أجل توفير الغذاء.

▪ أرضية المواجهة

فعلى هذه الأرضية يخوض المقاتلون الشيشان معركتهم ضد المحتلين الروس، إلا أن نقطة ضعفهم الوحيدة هي في أن الذين يدفع ثمن كل هجوم ناجح ينفذونه هو الشعب الشيشاني البطل الذي يوفر لهم حوائط دفاعية بأجساد كل المواطنين ومخابئ في أرواحهم رغم الثمن الباهظ الذي يدفعونه، فعلى سبيل المثال نجح المقاتلون الشيشان يوم ۲۲ مارس في قتل ٢٤ روسيًا وجرح ٨٦، وفقًا لتصريح رسمي روسي، فقامت الطائرات على الفور بقصف المدنيين العزل وتدمير منازلهم، لأن موسكو تدرك أن المخبأ الآمن للمقاتلين في وجدان الشعب وداخل روحه وفشلت كل تلك العمليات في إجبار الشعب على عدم احتواء مقاتليه أثناء العمليات، بل إن الاستخبارات الروسية اعترفت بقلة معلوماتها في الشيشان، مما أدى إلى تعيين رئيس جديد لها هو فاتيل بارسوكوم.

وبالتالي فإن أي انسحاب شيشاني من أي موقع كان يكون بهدف تخفيف الضغط من على الشعب الأعزل، فقرية سامشيك خرج منها ٢٠ ألف إلى الأنجوش بعد أن قتل الروس فيها ٦٠٠ مواطن واستمرار القتال حتى اليوم وطلب بافل جراتشيف.. وزير الدفاع الروسي الذي كان قد قال إنه سينهي العملية في ساعتين- التفاوض مع الرئيس الشيشاني جوهر دوداييف الذي تعتبره موسكو مطلوبًا للمحاكمة، ومجرمًا، فإن ذلك كله يعتبر نصرًا شيشانيًا، واعترافًا روسيًا برئاسة دوداييف، والذي اتهمه يلتسين في شرم الشيخ بالإرهاب الدولي.

بل إن الذي يرفض التفاوض حاليًا هو دوداییف مشيرًا إلى أن ما يتردد في موسكو من تصريحات حول خطة سلمية أو إجراء مفاوضات يأتي لأسباب انتخابية، مشيرًا إلى أن الحل الأمثل هو الانسحاب من الشيشان والاعتراف بحق الشعب الشيشاني في تقرير مصيره.

▪ تجميل كاذب

وبالطبع فإن الرئيس يلتسين في حاجة ماسة لتحسين صورته في الشيشان، خاصة وأن الشعب الروسي ومجلس الدوما والأحزاب تعترض على غزو الشيشان، وبما أنه فشل في تحقيق نصر عسكري هناك فلا بد أن يبحث عن طريق آخر لتبرير ذلك الفشل مثل البحث عن «شماعة»، يعلق عليها الأخطاء، والمرشح لذلك هو جراتشييف وزير دفاعه، ومن الداعمين لهذا الاتجاه الجنرال كورجاكوف والمسؤول عن أمن الرئيس يلتسين، وكذلك فيتال بارسكوف- رئيس الـ G. B.k.. الاستخبارات، والذي أصبح رجل يلتسين الأول بدلًا من جراتشييف، وهو ما أشار إليه رمضان عبد اللطيف عضو مجلس الدوما، إذ قال إن هناك معركة سرية بين الاستخبارات والجيش بل إن مجلة «نارفيسمايا الروسية»، قالت في مقال تحت عنوان «الشيشان الرمز الكودي للانتخابات» وفقًا لما نشرته صحيفة «تركيا» يوم ۲۱ مارس ١٩٩٦- أن هناك لعبة كبرى في الشيشان يمكن أن تنسحب القوات الروسية منها في أبريل «نيسان» بهدف إنجاح يلتسين في الانتخابات.

فيلتسين في مأزق صعب خاصة وأنه لم تبق إلا عدة شهور عن موعد الانتخابات التي ينافسه فيها زعيم الحزب الشيوعي السابق الذي أعلن عن مبادرة لحل المشكلة الشيشانية في الوقت الذي وعد فيه بإعادة الاتحاد السوفييتي، وإذا كان دوداييف قد صرح بأن أسوأ شيوعي أفضل من يلتسين، فإن الموقف أصبح صعبًا للأخير الذي لا يعرف ماذا سيفعل لضمان تأييد الجماهير له يوم ١٦ يونيو المقبل.

▪ تكتيك فاشل

ولذلك فإن تكتيك يلتسين سيعتمد على إطلاق صواريخ من المبادرات السياسية والدعاوى السلمية لحل المشكلة الشيشانية مع ضمان الحفاظ على هيبته في الوقت الذي قد يضحي فيه بمساعديه ورجاله، ليضع الشيشانيين في موقف صعب يمنعهم أدبيًا من عدم تصعيد المواجهة خلال الفترة المقبلة خاصة في شهر مايو ويونيو، إذ إن منافسه يستفيد من ازدياد حدة الصراع ولذلك فإن المقاتلين الشيشانيين سيخوضون حربًا شرسة ضد الرئيس يلتسين في المرحلة المقبلة لإسقاطه وسيستخدمون كافة ما في جعبتهم من سلاح وذخيرة لكشف خطة يلتسين الذي يلوح بالتسوية السلمية قولًا ويواصل الحرب عملًا.

وستكون تلك المواجهة حربًا لتكسير العظام بين الجانبين قد يلجأ فيها يلتسين إلى إبادة الشعب الشيشاني عن بكرة أبيه، إذا شعر بأنه سيفقد السلطة، وعندها قد ينفذ دودائیف تهدیده بشن هجوم كيماوي على أهداف روسية.

فيلتسين الذي يأتي بعد جينادي زيوجانوف في استطلاعات الرأي يؤكد ثقته بالفوز، مؤكدًا أن مجلس الأمن القومي الروسي أقر خطة تسوية سلمية للنزاع في الشيشان بإجماع الأصوات سيقدم تفاصيلها في نهاية مارس.

كما أن الرئيس الروسي يواجه مشكلة كبرى تكشف ازدواجيته السياسية، فبينما يرفض استقلال الشيشان فهو يرفض في نفس الوقت عودة الاتحاد السوفييتي، ويرى أن قرار مجلس الدوما بإلغاء قرار تفكيك الاتحاد السوفييتي في ديسمبر ۱۹۹۱م والذي وافق عليه ٢٥٠ ضد ۹۸ صوتًا لا يتمتع بأية قيمة قانونية، ويستهدف تعطيل الانتخابات وزعزعة الوضع السياسي الداخلي، ولمواجهة ذلك اتفق مع روسيا البيضاء على إقامة كونفدرالية بهدف احتواء آثار قرار الدوما فهو لا يعرف ماذا يريد؟ هل إعادة الاتحاد السوفييتي من جديد أم حله؟! فهو يدافع عن التفكيك ويصر على استمرار ارتباط الشيشان التي ستسقطه عن الكرملين.

الرابط المختصر :