; دراسة جديدة في عقوبة الإعدام | مجلة المجتمع

العنوان دراسة جديدة في عقوبة الإعدام

الكاتب عبدالحليم خفاجي

تاريخ النشر الثلاثاء 22-أغسطس-1972

مشاهدات 66

نشر في العدد 114

نشر في الصفحة 23

الثلاثاء 22-أغسطس-1972

الأصول والمعايير
قبل
محاولات تبرير الإلغاء.. والإبقاء
كل مجتمع ينظر إلى نوع "الفعل" وحجمه.. من خلال تصوره للإنسان والحياة
بقلم: الأستاذ عبد الحليم خفاجي المحامي
«الإعدام بين الإلغاء والإبقاء» موضوع قديم جديد، ولكنه دائمًا مثير، وزاد من إثارته في نفسي ما فوجئت به من انشغال مجتمع الكويت وصحافته بهذا الموضوع بمجرد أن لمست قدماي أرض هذا الوطن على إثر تنفيذ عقوبة الإعدام في أحد الذين ارتكبوا جريمة القتل ولمَّا يجف دم قاتل قبلَه لقي نفس الجزاء.
وكان موضوع الإعدام وفاعليته وما يسبقه وما يتلوه من ظروف أو آثار في محيط الفرد أو المجتمع هو حديث الليلة الأولى التي تنسمت فيها عبير الكويت.
وكان إعجابي بالحرية التي تتناول بها الصحافة كافة الموضوعات في الصباح شيئًا جديدًا يضاف إلى رصيد هذا الوطن الجديد الذي أخذت تتضح معالمه شيئًا فشيئًا كلما تجولت على أرضه أو تعمقت في صحافته ومجتمعه..
وشاركت موجات الأثير في هـذه القضية الدائرة فنقلت إلينا خبرًا عن طريق إذاعة الكويت يقول بأن المحكمة الدستورية العليا في الولايات المتحدة الأمريكية قــــد اتخذت اليوم «29-6-72» قـرارًا بأغلبية 5 أصوات ضد 4 باعتبار عقوبة الإعدام غير دستورية ومن ثم سيستفيد من هذا القرار حوالي 700 شخص.
بهذا تهيأت الأسباب في نفسي -من موضوع مثار على المستوى المحلي والعالمي ومن حرية متاحة على جزء من أرض الوطن العربي- لكي أُسهم برأي جديد في هذه القضية الجديدة دائمًا..
وما أراني سأضيف جديدًا إلى موضوع عقوبة الإعدام إن أنا تناولته بالطريقــــة التقليديــــة التي يقف فيها أنصار بقـاء العقوبة في جانب ويقف دعاة إلغائها في جانب آخر، كل بما لديه من حجج، ولي على هذه الطريقة ملاحظتان:
الأولى: أنها كانت صالحة على مدار القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين حيث كان يسود وجه الكرة الأرضية نظام اجتماعي متجانس سواء في الدول الكبيرة أم الصغيرة، في الدول المستعمرة أو المستعمرات، وهو النظام الاجتماعي الرأسمالي، ولم يكن بين مختلف الـدول إلا اختلاف في الدرجة لا في النوع، وكان يسوغ أن تعقد المؤتمرات الدولية لهذا الغرض.
أما في النصف الثاني من القرن العشرين فإن أهم تغير أصاب وجه الكرة الأرضية هو ظهور أشكال جديدة من النظم الاجتماعية، بعضها ظفر بالتطبيق وبعضها في طور الدعوة، تقوم على أسس مختلفة كل الاختلاف عن المجتمعات السابقة عليها، ومن ثم تباينت في نظرتها إلى عقوبة الإعدام.
والذي يسوغ الآن: أن تعقد مجموعة الدول ذات النظام الاجتماعي المتجانس مؤتمرًا خاصًّا بها لبحث شرعية هذه العقوبة على ضوء فلسفتها ومبادئها وحاجتها الخاصة إلى حماية تقدم نظامها الاجتماعي...
كأن تعقد مجموعة الدول الرأسمالية مؤتمرًا خاصًّا بها ومجموعة الدول الشيوعية مؤتمرًا خاصًّا بها.. وحتى الداعية إلى أي نظام جديد واضح الأصول كالإسلام مثلًا يسوغ أن يعقدوا مؤتمرًا خاصًّا بهم، وذلك أحرى أن يأتي بنتيجة.
يلاحظ أنني فرقت بين النظام الشيوعي والاشتراكي؛ لأن دول الكتلة الشرقية تسعى لتخطي المرحلة الاشتراكية لتصل إلى العصر الشيوعي، أما المجتمعات النامية والتي حمَّلت نفسها التسمية الاشتراكية في ظروف تاريخية وسياسية ليس هنا مجال تقييم فهي مجتمعات من نوع مغاير لأن عقائدها وشرائعها ستقود مستقبلها إلى شكل جديد، فهي تفرقة باعتبار الحال من جهة وباعتبار المآل من جهة أخرى.
الملاحظة الثانية: إننا بغرض انتقالنا لدراسة عقوبة الإعدام داخل أحد هذه الأنظمة الاجتماعية فلا يغيب عنا أنه لا يمكن دراستها مستقلة عن بقية أجزاء النظام كله، وخاصة الأساسين العقيدي والمادي، أو بمعنى أيسر الفلسفة والاقتصاد؛ فهما المحوران اللذان يكفيان ويشكلان لا مفهوم وضرورة عقوبة الإعدام وحدها إنما مفهوم وضرورة جميع القيم وكافة العلاقات الاجتماعية والسياسية.
الأصول أولًا
باستصحاب هاتين الملاحظتين نكون أقدر على فهم التفاوت الشديد بين وضعية عقوبة الإعدام من نظام اجتماعي لآخر، ونكون أقدر على فهم مبررها داخل كل نظام على حدة مما يحدونا في الدرجة الأولى إلى دراسة الأصول التي يقوم عليها كل نظام لنقترب من التقدير الصحيح للإعدام، ومن المبرر القوي لتوقيعه كعقوبة.
وإن ساغ أن تعقد مؤتمرات دولية فإنما يسوغ لدراسة هذه الأصول والالتقاء فيها على فهم واعتقاد فتتلاقى في الفروع من ورائها ويُسلّم بعضها على بعض في يسر وسلام..
اختلاف في كل شيء
وبما أن الأصول «العقيدة والاقتصاد» في النظام الاجتماعي الرأسمالي غيرها في النظام الشيوعي غيرها في النظام الاشتراكي غيرها في المجتمع الإسلامي، فإنه من الطبيعي تبعًا لذلك أن تتفاوت الآثار الاجتماعية والسياسية من مجتمع لآخر كلما أمعن في التطبيق، وأن تصطبغ الحياة كلها داخل كل مجتمع بصبغة أصوله.
فالعلاقات بين الناس وقيم التعامل واحتياجات الاستقرار في مجتمع فلسفته المادية ونظامه الاقتصادي قائم على ملكية الدولة لجميع وسائل الإنتاج يختلف بالقطع عن علاقات وقيم واحتياجات مجتمع آخر فلسفته «والأصح عقيدته» الإيمان بالله واليوم الآخر ونظامه الاقتصادي يحترم الملكية النظيفة التي تؤدي وظيفتها الاجتماعية، وهي غير الملكية الرأسمالية المستغلة ويحترم الملكية العامة كحل من حل الضرورة لهـا شروطها، كما أن العلاقات والقيم والاحتياجات تختلف عن مثيلتها في مجتمع رأسمالي فلسفته خليط من الإيمان والمادية ونظامه الاقتصادي مفروط العقد أوجد صراع الطبقات.
كل لون من هذه المجتمعات له مفهومه الخاص في الوجود، والإنسان له تقييماته الخاصة للأفعال وله احتياجاته الخاصة وله أيضًا تخوفاته الخاصة، ومن هنا كانت الحراسة التي يضعها كل مجتمع حول نفسه في صورة تشريعات عقابية مختلفة من مجتمع لآخر؛ فكل مجتمع يقرر أي الأفعال تمثل خطرًا عليه، أي على أصوله، وأيها تدفع عجلة تقدمه أو تعوقها...
وما العقوبات جميعها -ومنها الإعدام- إلا حراسة غير منظورة يفرضها المجتمع حول نفسه تختلف عن الحراسة المنظورة المتمثلة في رجل الشرطة والأمن، وكان من الطبيعي أن تختلف هذه الحراسة من نظام اجتماعي إلى آخر تبعًا لاختلاف احتياجاته، تلك الاحتياجات التي تبلورها عقائده وأساليب حياته، فما يعتبر داخل أحد الأنظمة الاجتماعية جريمة قد يعتبر داخل نظام اجتماعي آخر عملًا مشروعًا، والواقع الملموس يعطينا هذا التفاوت الصارخ فيما آل إليه أمر تجريم الأفعال بصفة عامة وفي عقوبة الإعدام بخاصة.
الإعدام في مختلف المجتمعات
1- في داخل المجتمعات الرأسمالية:
نجد أن الحكم بالإعدام مألوف في جرائم الخيانة العظمى أو القتل مع سبق الإصرار، وقليلًا ما تتجاوز هذا النطاق إلى جرائم أخرى كاليمين الكاذبة «شهادة الزور» حيث يعاقب عليها بالإعدام في ولاية ميسوري بأميركا.
وقد ألغت بعض الدول الرأسمالية عقوبة الإعدام وبعضها عاد إليها بشروط كإيطاليا، وفي بريطانيا 1955 رفض مجلس العموم اقتراحًا بإلغائها كتجربة.
وآخر ما حملته الأنباء ذلك القرار الذي اتخذته المحكمة الدستورية العليا في أمريكا في 29-6-72 بأغلبية 5 أصوات ضد 4 باعتبار عقوبة الإعدام غير دستورية.
2 - في داخل المجتمعات الاشتراكية الوطنية:
نجد أن الصورة لا تبعد عن السابقة كثيرًا لأن هذه المجتمعات قريبة عهد بالحياة الرأسمالية القائمة على النشاط الفردي والمشروعات الخاصة، ولكن اعتماد هذه الدول على جبهة القطاع العام في مجال التنمية قد ولَّد فيها الدعوة إلى إيجاد تشريعات حمايته باعتبار بعض الأفعال جناية قد يصل الحكم فيها إلى الإعدام.
وفي أعقاب القرارات الاشتراكية التي اتخذت في مصر عام 1961 نشط الكُتّاب في تأكيد هذا الاتجاه.
فقد كتب الأستاذ بهاء الدين في جريدة الأخبار بتاريخ 13-5-61 يقول «إن البلاد النامية في المرحلة الصعبة من مراحل التنمية، مرحلة وضع كل الموارد الممكنة في مجال الاستثمار والتنمية والتصنيع، في هذه المرحلة بالذات تشعر البلاد النامية أن جبهة الإنتاج لا تقل خطرًا عن جبهة الحرب، وأن الخيانة في جبهة الإنتاج لا تقل خسة وغدرًا وضررًا عن الخيانة في جبهة القتال».
وتحت عنوان «قانون العقوبات بين الرأسمالية والاشتراكية»
كتب الدكتور أحمد خليفة بأهرام 11-7-61 يقول: «في مجتمع اشتراكي تتولى فيه الدولة بنفسها إدارة وتوظيف كثير من الأموال يكون خطرًا اجتماعيًّا داهمًا أن تتسرب المصالح الخاصة إلى هذه الأموال العامة، فإذا بالاشتراكية تحمل أوزار وأخطار الرأسمالية التي يراد القضاء عليها».
ويختم مقاله صائحًا «دعونا ننظر إلى القيم الجديدة والآفاق البعيدة التي يتعين على الدولة أن تحيطها بالحماية والرعاية».
وحول هذا المعنى كتب الدكتور جمال العطيفي في مقاله «الجريمة والعقاب في المجتمع الاشتراكي».
«واتساع نطاق القطاع العام وتملُّك الشعب لأدوات الإنتاج لا بد وأن يدعو إلى التفكير في اعتبار بعض الأفعال المباحة في المجتمع الرأسمالي أفعالًا إجراميةً خطرةً على المجتمع».
3 - في داخل المجتمعات الشيوعية مما يلفت النظر أن الحكم بالإعدام في هذه المجتمعات يبلغ أقصى اتساع له، ويذكرني ذلك بما كانت عليه عقوبة الإعدام من اتساع في البلاد ذات النظام الإقطاعي في عصور أوربا الوسطى حيث بلغ عدد الجرائم التي يحكم فيها بالإعدام في بريطانيا وحدها 200 جريمة وإليك شاهد ذلك..
في روسيا: بعد قيام الثورة الشيوعية 1917 وصل عدد الجرائم المعاقب عليها بالإعدام إلى 70 جريمة، ولكن نظرًا لكثرة المشاريع التي تحتاج للأيدي العاملة ولكثرة الأفعال التي يمكن أن يعاقب مرتكبها بالإعدام رُئي تفاديًا لتبديد القوى العاملة إلغاء عقوبة الإعدام 1947 واستبدالها بالأشغال الشاقة المؤبدة ليتسنى الاستفادة من الطاقات في إعادة تعمير البلاد التي خربتها الحرب، وبعد أن استنفذ الإلغاء غرضه أعيدت عقوبة الإعدام مرة أخرى 1950 بالنسبة لجرائم الخيانة العظمى..
وفي 1954 أعيدت بالنسبة لجرائم القتل مع سبق الإصرار وفي مايو 1961 صدر قانون يوسع دائرتها ويقضي بالإعدام في جرائم التزوير والرشوة ونهب المؤسسات العامة وارتكاب الجرائم داخل السجون والمضاربات المالية وجرائم البلطجة وغيرها.
في رومانيا: نصت المادة الثانية من قانون العقوبات الصادر في 13 يناير 1949 على الحكم بالإعدام في جرائم التخريب والتآمر بلغ عددها أكثر من 25 جريمة.
في تشيكوسلوفاكيا: وضع قانون للعقوبات تجاهل جميع التقسيمات التقليدية للجرائم كالجنايات والجُنَح والمخالفات، واكتفى بأن نصّ على أن «الخطر على المجتمع» هو المقياس الوحيد الذي يحدد عقاب كل جريمة على أساسه، وقد اهتم بالإعدام في جرائم للتخريب والإهمال وعرقلة القرارات العامة أو اتخاذ موقف سلبي منها... إلخ.
الحقيقة الغائبة
من هذه الصور الواقعية يتبين لنا أن الموضوع أكبر من مجرد سوق حجج تقليدية في صالح بقاء عقوبة الإعدام أو إلغائها..
هذه الظواهر الواقعية تفتح أعيننا على مزيد من الدراسة والتنقيب عن العلل الكامنة في أصول كل بناء اجتماعي ومفاهيمه وفي ميزان الربح والخسارة في عالم المادة والقيم على السواء، وبعدها سنجد أن تفاوت النظر إلى عقوبة الإعدام مردّه إلى تضارب الأصول التي تنبني عليها المجتمعات وعدم التقائها مردّه إلى أن كل نظام اجتماعي له:
1 - فلسفته الخاصة أو بمعنى أدق عقيدته الخاصة في الوجود والإنسان والحياة..
2 - وله على ضوء عقائده وقيمه تخطيطاته الاقتصادية والاجتماعية.
فكان طبيعيًّا بعد دخول هذه الأصول ميدان التطبيق أن تتفاوت هذه المجتمعات في التقديرات وفي الإحساس بالحاجة إلى أنواع خاصة من الحماية ممثلة في التشريعات العقابية على أفعال أبرزتها قيمها واضطرها إليها أسلوب حياتها، وما أصاب الحق مَن أرجع السبب إلى الاقتصاد وحده، لسبب بسيط وهو أنه لا يمكن تبرير الاتجاه الاقتصادي نفسه إلا تبريرًا عقائديًّا..
والآن
وقد علمنا من الاستعراض السابق كيف أن النظم الاجتماعية الحاضرة غير متفقة في الأصول مما عكس أثره على عقوبة الإعدام من حيث مفهومها أو من حيث مبررها، وقد رأينا مقدار هذا التفاوت الشديد في عدد ونوع الأفعال المعاقب عليها بالإعدام من نظام إلى آخر..
وإذا كان الاختلاف بين الأصول له دلالة أساسية فهي أن هذه الأصول باستثناء أصول الإسلام لا زالت في دائرة الظن والاحتمال ولم تصل بعد إلى مستوى الحقائق العلمية المُسلَّم بها وإن حاولت الدول في مجال الرغبة أو في مجال الاستهلاك السياسي انتحال صفة العلم والتقدمية لمبادئها.
ولكن هل كان هذا الظن والاحتمال شفيعًا لدى النظم المختلفة أو لدى العلماء الذين يقررون الإعدام على الأفعال التي تنال من هذه الأصول؟ لم يحدث وكأنهم وصلوا إلى الحق الذي لا حق بعده، ذلك مبلغهم من العلم..
في حين أن الدراسة المنصفة تؤكد أن كثيرًا من هذه الأفعال التي توصف بأنها جرائم ما هي في جوهرها إلا محاولات إنسانية لفك القيود التي تكبل الكرامة وتعوق أو تحرف الاختيار الحر، فكلما حاولت الفطرة السليمة أن تفك قيدًا أو تنال حقًّا فطريًّا عاجلها العقاب الذي لا يمكن تدارك آثاره، عاجلها الإعدام مشفوعًا بكثير من النعوت التي تصل إلى الخيانة العظمى في ظل بعض الأنظمة الاجتماعية، في حين أننا لو نظرنا إلى ذات الفعل الذي دفع حياته ثمنًا له بمنظار نظام اجتماعي آخر لوجدناه عملًا إنسانيًّا بالغ التضحية في سبيل حرية الإنسان وكرامته ولاستحق من أجل ذلك مقامًا بين الصديقين والشهداء.
صور من المتناقضات
ومن صور هذه المتناقضات أن المضاربات المالية في روسيا تعتبر جريمة عقوبتها الإعدام، في الوقت الذي يعتبر هذا العمل مشروعًا بل أساسيًّا في بناء النظام الرأسمالي الذي يشمل أكثر من نصف دول العالم..
والإضراب عن العمل في البلاد الشيوعية خيانة عقوبتها الإعدام ما لم يكن مأذونًا به من قبل، في الوقت الذين يعتبر فيه نفس العمل «عملًا» دستوريًّا في كثير من الدول، هذه أمثلة قليلة عن واقع كبير..
فكيف تستسيغ عقولنا هذا التناقض وكيف تطيب نفوسنا بأن يكون الإنسان لديها مجرمًا أثيمًا وطاهرًا شريفًا في وقت واحد، أن يكون خائنًا وشهيدًا في وقت واحد لمجرد أن الحظ ساقه في ظل هذا النظام أو ذاك؟
مرد ذلك طبعًا إلى الأصول «العقيدة والاقتصاد» معًا وأكرر مرة أخرى:
أنه ما أصاب الحق مَن أرجع السبب إلى الاقتصاد وحده لأنه لا يمكن تبرير الاتجاه الاقتصادي نفسه إلا تبريرًا عقائديًّا.
بل إن الاختلاف في الدرجة الأولى يوجد بين العقائد في المجتمعات وبين مفهوم الحياة عندها وقيمة الإنسان تبعًا لذلك، وما الاقتصاد وغيره من كافة التشريعات الاجتماعية إلا سلوك اجتماعي يأتيه الإنسان أو المجتمع على ذكر من مطالب عقيدته أو فلسفته.
فوجب إذن الارتفاع عن المبررات المصلحية التي هي بطبيعتها وقتية ومكانية لنصل إلى مبرر الحق الخالص الذي هو بطبيعته أبدي وشامل فنزن به أعمالنا في مختلف الظروف صيانة للأرواح وارتفاعًا بالآدمية من مهاوي الضياع..
وكلنا يعلم أن هذه المجتمعات على اختلاف مبادئها لا تُماري في أن الثلاثة أكبر من الواحد لأنها حقيقة علمية حسابية، ولا في أن المثلث المتساوي الأضلاع متساوي الزوايا لأنها حقيقة علمية هندسية؛ فلماذا لم يصل بها الالتقاء في الأصول إلى مثل هذه الحقائق العلمية الثابتة؟ وما دامت لم تصل بعد إلى ذلك وهو أمر له أسبابه التي تخرج عن دائرة بحثنا..
فكيف إذن تبني هذه المجتمعات على الظن والاحتمال حكمًا يقينًا في صورة سلب الحياة من إنسان بهذه البساطة لارتكابه فعلًا لم تتفق المجتمعات بعد على تحديد درجة جرمه، مثلما لم تتفق بعد على فهم معنى الحياة التي يُراد سلبها.
لم تعد حقيقة غائبة تلك أن المجتمعات الحالية هي الجانية والإنسان هو الضحية.
إن المجتمع البشري يمر اليوم بمرحلة مخاض حضاري كتلك التي مر بها في عصور أوربا الوسطى ولكن بصورة أبشع، حيث إن مفكريه يتحاجُّون بالعلم بينما كان رجال الكنيسة في عصور أوربا الوسطى يحتجون بالإيمان عجزًا وتسليمًا؛ فمحنة اليوم أشد وضحاياها أكثر لأنها باسم العلم..
فترة الانتقال لازمة:
فهل أراني على حق إن طالبت النظم الاجتماعية المعاصرة -بعد ما رأينا من تفاوتها الشديد- بأن تعتبر نفسها في فترة انتقال خليق بها أن تتريث في وصفها للأفعال الإنسانية لأنها لا تملك للآن إمكانيات الوصف الصحيح، فما زال الإنسان هو ذلك المجهول كما قال كارليل..
وهل أعدو الصواب إن طالبت رجال التشريع والقضاء أن يتحرجوا في تقدير عقوبة الإعدام أو الحكم بها قبل أن يسألوا أنفسهم عشرات الأسئلة، كلها ليست حول الواقعة وإثباتها لأن ذلك فعل المشرع أو القاضي المحترف، وإنما هي قبل ذلك حول أصول النظم التي يمكّنون لها ونصيبِها من الحق، وذلك فعل الباحث الأمين، أدعوهم إلى التوقف وأن يظلوا في تحرجهم إلى أن يتحقق النظام الكفء الذي يملك وحده أهلية التقدير والحكم وهو ذلك النظام الذي تقوم أصوله على:
1 - عقيدة يقينية تحل محل الفلسفات العرجاء التي ثبت قصورها، عقيدة تعطينا التفسيرات الحقة للوجود والحياة والإنسان.
2 - تشريعات اقتصادية واجتماعية وسياسية على ضوء هذا الأساس العقائدي تفتح آفاقًا جديدة في العلاقات والقيم وبالتالي في الأفعال المُجرَّمة بصفة عامة وتلك التي يعاقب عليها بالإعدام بصفة خاصة.
في ظل هذا المجتمع الجديد سنضطر إلى مراجعة كل ما تحت أيدينا اليوم من تشريعات عقابية وسيقدر كل ما تحت أيدينا اليوم من تشريعات عقابية وسيقدر الإعدام تقديرًا صحيحًا وستدعونا إليه حاجات ومبررات جديدة لا تصطدم بالنواميس ولا تعنّت الفطرةَ البشرية، ونكون آمنين شر القصور في جميع أشكاله على بساط من الحق والعدل والرحمة.
وعندئذ سنجد أنفسنا وجهًا لوجه أمام الإسلام العظيم الذي صرفنا الاستعمار والتقليد عنه زمنًا طويلًا، وكلما أمعنا في دراسته برزت لنا سلامة أصوله وأصالتها، ولا يزيدها تقدم العلم إلا وضوحًا وجلاءً، مصداقًا لقوله تعالى ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الحج: 54).

(للبحث صلة)
 

الرابط المختصر :