العنوان درس لمن احترفوا تضليل الشعوب: فضيحة مكتب «التضليل» الأمريكي!
الكاتب محمد رشاد خليل
تاريخ النشر السبت 18-مايو-2002
مشاهدات 55
نشر في العدد 1501
نشر في الصفحة 31
السبت 18-مايو-2002
بدأت الفضيحة بخبر سربته مصادر داخل وزارة الدفاع الأمريكية عن إنشاء مكتب مهمته نشر معلومات كاذبة في الإعلام العالمي
على الرغم من الحالة التي تعيشها أمريكا بعد أحداث سبتمبر والتي رفع فيها شعار: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة «ضد الإرهاب» فقد أثيرت ضجة حول مهمة ذلك المكتب
غير صحيح أن الاعتبار الأخلاقي في السياسة الغربية هامشي أو ثانوي ... ولكن المقلدين للغرب لا يأخذون إلا أسوأ ما عنده وإذا لم يجدوا شيئاً يقلدونه قلبوا الحسنات سيئات
اضطر الرئيس بوش للتبرؤ من المكتب وتم وأد الفكرة في مهدها.. كم من مكاتب تضليل مماثلة قائمة في دول أخرى.. لا تضلل الأعداء... وإنما تضلل الشعوب
كانت أحداث سبتمبر زلزالًا عنيفًا هز المجتمع الأمريكي من الأعماق بصورة أفقدت الجميع توازنهم سواء على مستوى صناع القرارات السياسية أو العسكرية أو الأمنية، أو على مستوى الفرد العادي، لقد أدت هذه الأحداث إلى وجود إحساس عميق بعدم الأمن على المستويين الفردي والقومي، الأمر الذي أدى إلى أن يعطي الكونجرس بمجلسيه الرئيس الأمريكي وإدارته السياسية والعسكرية والأمنية تفويضًا على بياض بأن يفعل أي شيء سياسيًا وعسكريًا وأمنيًا لحماية الأمن حتى ولو كان هذا على حساب المبادئ التي استقر عليها الدستور أو على حساب أمن الآخرين وحقوقهم، بل وعلى حساب حرية الأفراد وحقوقهم، وأصبح المجتمع الأمريكي يعيش في مناخ شبيه بالمناخ الذي عاشته مصر بعد هزيمة ١٩٦٧م، ورفع رئيس أمريكا نفس الشعار المخيف الذي رفعه عبد الناصر وهو: لا صوت يعلو على صوت المعركة، وهو الشعار الذي يعني بوضوح إسكات كل صوت للمعارضة، وسلب الجميع حرية التعبير والحقوق الدستورية والقانونية لحساب المعركة مع الأخذ في الاعتبار -طبعًا- الفارق الكبير بين ما يسمى دستورًا وقوانين في ظل نظام عبد الناصر، وبين الدستور والقانون في أمريكا، على الرغم من كل التجاوزات الدستورية والقانونية التي حدثت وتحدث اليوم في أمريكا.
لقد وصل الأمر إلى درجة أن أي نقد يوجه إلى سياسة الرئيس الأمريكي العسكرية، كائنًا ما كان يعد جريمة في حق الوطن، وقدحًا في وطنية الناقد، الأمر الذي أدى إلى أن يهرول الجميع لإظهار ولاتهم الوطني، بإظهار تأييدهم المطلق لكل ما يسمى بمحاربة الإرهاب صوابًا أم خطأ، حقًا أو باطلًا، عدلًا أو ظلمًا، إلى درجة أن أصبحت هناك حساسية شديدة عند كبار المسئولين الديمقراطيين -وهم الحزب المعارض- من أن يشتم من أقوالهم ما يفيد أنه نوع من الاعتراض أو حتى التحفظ.
بل إن رئيس الأغلبية الديمقراطية في الكونجرس تعرض لنقد شديد، بل إلى التشكيك في وطنيته عندما أبدى مجرد تساؤل عن حقيقة ما يجري بالنسبة للحرب ضد الإرهاب، وعن نطاق هذه الحرب زمانًا ومكانًا.
بل إنهم رفعوا شعارًا شبيهًا بشعار الحرية كل الحرية للشعب، ولا حرية لأعداء الشعب، وهو الشعار التي انتهك به عبد الناصر ونظامه كافة الحقوق الإنسانية والمدنية والسياسية لأي معارضة وخاصة الإخوان المسلمين.
وفي ظل هذا الشعار تقدم المدعي الأمريكي اشكروفت إلى الكونجرس بقوانين هي بكل المقاييس عدوان صريح على الدستور والحقوق السياسية والمدنية والقانونية التي كفلها لكل من يعيش على الأرض الأمريكية سواء كان مواطنًا أو زائرًا، ولقد مرت هذه القوانين في مجلس النواب ثم في مجلس الشيوخ دون مناقشة بصورة تذكرنا بعملية سلق القوانين فيما يسمى بالبرلمانات ومجالس الشعب في بعض البلاد العربية.
في مثل هذه الظروف الحرجة والمشحونة بالهوس الوطني يعد إبداء النقد ضد السياسة الأمريكية -التي تتعلق بما يسمى بالحرب على الإرهاب- شجاعة تستحق التقدير، كما يعتبر موقفًا مبدئيًا يستحق الثناء. كما أنها مواقف تسلط الضوء على جانب مهم من جوانب الحياة الأمريكية يحتاج منا نحن المسلمين في داخل أمريكا وخارجها أن نتعرف عليه وأن نستوعب دلالته وأن نستفيد منه، خاصة وأنه قد بدت في مواقف هيئات إسلامية وأفراد مسلمين مواقف مخجلة محزنة. فقد سارعت هيئات إسلامية إلى إظهار فروض الولاء والطاعة والتأييد المطلق للسياسة الأمريكية ضد ما يسمى بالإرهاب، وإلى إدانة جهات ودول إسلامية دون أدلة مقنعة، وإلى تأييد ضرب شعب مسلم أعزل بأحدث الأسلحة، وسارع أفراد الى التنكر لهويتهم الإسلامية، وإلى خلع الحجاب، وهجر المساجد، وتجنب المجتمعات الإسلامية، ورفع الأعلام الأمريكية بصورة فجة على الرغم من أنه قد أصبح واضحًا للجميع أن المسلم والعربي أصبح يحاسب على الشكل واللون والاسم حتى ولو كان من مواليد أمريكا، بل ومن سكان أمريكا الأصليين البيض منهم والسود.
... في ظل هذا المناخ المعبأ سياسيًا وأمنيًا وإعلاميًا وجماهيريًا ضد أي صوت ضد الحرب أو ضد الطريقة التي ندار بها أو ضد السياسة التي توجهها أو ضد أي شيء يتصل بها تكون الصوت الشجاع قيمة عظيمة لأنه يشبه صوت العقل في هدير عاصفة الجنون التي قد تأتي في انتفاعها المجنون على العدر والصديق.
وفي مقالنا هذا سوف نعرض نماذج لهذه الأصوات الشجاعة، وسوف نتجنب عن عمد الحديث عن أصوات أفراد ومؤسسات مصنفة، لا لأننا نقر هذا التصنيف الذي يستخدم كوسيلة للتشويش على الصوت المعارض، وإبطال مفعوله، وإنما نفعل ذلك الإبراز حقيقة أن الأصوات المعارضة تأتي من الخطوط الأساسية لمجرى السياسة الأمريكية والمجتمع الأمريكي، ولا تأتي من أصوات نجح اليهود -من خلال حملات التصنيف- في التقليل من تأثيرها على نسيج المجتمع الأمريكي مثل أصوات لاروش، وديوك وكثيرين غيرهما.
فضيحة مكتب التضليل
سوف تركز على الأصوات التي ارتبطت بما أسميه فضيحة مكتب التضليل، والتي كان لها مع غيرها الفضل في أن يعلن الرئيس الأمريكي تبرزه من هذا المكتب، وأن تجد وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» نفسها، وأن يجد وزيرها نفسه في موقف المتلبس بجريمة يحاول التخلص منها.
وتبدأ قصة الفضيحة بخبر سربته مصادر داخل البنتاجون نفسه إلى جريدة نيويورك تايمز عن إنشاء مكتب تابع لوزارة الدفاع ضمن خطة الحرب النفسية تحت اسم OSL، وذلك لنشر معلومات كاذبة في الإعلام العالمي بهدف التضليل الإعلامي disin formation.
ولكن قبل أن نتكلم عن قصة هذا المكتب والضجة التي قامت حوله وأدت إلى وأده في مهده -ولو مؤقتًا- فإننا ننبه إلى أن مكتب التضليل الذي أثار كل هذه الزوبعة قائم منذ عقود في بلدان أخرى باسم وزارات بأكملها لا يقتصر دورها على تضليل الأعداء وفي ظل ظروف استثنائية كما هو شأن مكتب التضليل الأمريكي OSL، وإنما تضليل شعوب تلك البلاد نفسها.
وعليه فإننا يجب أن نتنبه في نقدنا لأمريكا خاصة والغرب عامة، أن في هذه البلاد ومع كل الملاحظات والتحفظات شيئا يسمى الدستور والقانون والرأي العام، يحمي وفق ضوابط معينة حقوقًا للمواطن تصون له حقه في التعبير ضمن خطوط حمر لا يجوز تجاوزها، وقد تنجح قوى ضغط وسياسات بعينها في اغتيال بعض هذه الحقوق، ولكن في حدود. أما في بلاد عربية وإسلامية فقد تكون هناك أسماء مثل الدستور والقانون دورها الأساسي ليس هو صون حرية المواطن وكرامته وحقه في التعبير، وإنما تسهيل العدوان على حرية المواطن وكرامته وحقه في التعبير واستيفاء الشكل المطلوب ليأخذ العدوان شكله الدستوري والقانوني وذلك ليس من باب ما وصى به الرسول إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وهي الوصية التي تعني أن الإنسان -حتى في حالة ارتكابه ما يوجب العقوبة شرعًا-، له كرامة يجب أن تصان، وحقوق يجب أن تؤدي وإن الحيوان إن اقتضى الأمر ذبحه لمأكله فإن له حقوقًا يجب أن تؤدى، ومشاعر يجب أن تعتبر.
وإنما ذلك من باب أن المعتدي على حرية الإنسان وكرامته وحقه في التعبير يجب أن تكون صورته التي تظهر للناس أنه لا يتصرف إلا في حدود الدستور والقانون، فكل شيء بالقانون، وما ذنبه إذا كان قانون بلاده له مخالب وأنياب وعليه فإن علينا حينما نتكلم عما يجري عند الآخرين أن نعرضه على ما يجري عندنا، وأن نقيس حجم ما نفتقده وهو السبب فيما نحن فيه، وحجم ما عند الآخرين وهو السبب فيما هم عليه، وذلك حتى لا نلتمس لعجزنا المعاذير بتوجيه كل سخطنا إلى عدو خارجي.
تعليق ميشيل راين
في مقال في جريدة هيوستن كرونكل بتاريخ ۲۰۰۲/۲/۲۱م تحت عنوان على «البنتاجون» ألا يضيف المزيد إلى كومة للمعلومات المضللة. قال ميشيل راين Michael Ryan أستاذ العلاقات العامة بجامعة هيوستن، عن مكتب التضليل على الرغم من أن القرن الحادي والعشرين مازال في مهده فإن أول تباشير هذا القرن السيئة ربما يكون مشروع «البنتاجون» الذي يستهدف اختلاق قصص، بهدف تزويد الإعلام الأجنبي بمعلومات مضللة أو كاذبة.
وكجزء من حملة التضليل يبدو أن «البنتاجون» يريد أن يستخدم تكتيك استعمال طرف ثالث لتشويه سمعة الحكومات غير الصديقة والترويج للقيم الأمريكية.
إن المعلومات التي ستعتمد سوف يجرى بثها إلى إعلام الدول الصديقة وغير الصديقة عن طريق طرف ثالث موثوق فيه ليس له صلة ظاهرة بالجيش الأمريكي، لأن هذه المعلومات سوف تفقد مصداقيتها إذا عرف أنها قد جات عن طريق وزارة الدفاع الأمريكية.
إنه لمن المدهش، ومما يبعث على الضيق في الوقت نفسه أن هذه الخطة التي عارضها بعض المسؤولين العسكريين هي موضع اعتبار الحكومة الأمريكية والحقيقة التي تبدو عارية في وضح النهار في هذه الخطة تقول بأن الحرب ضد الإرهاب لن تكون لها قواعد تضبطها.
إن العالم اليوم قد أصبح غارقًا في بحر المعلومات المضللة، ولذا فإن الولايات المتحدة لا يجوز كجزء من سياستها أن تضيف المزيد إلى هذا الركام ومن الخطأ أن تبث أمريكا معلومات مضللة إلى إعلام الدول الصديقة، لأن ذلك سوف يجعل من الصعب جدًا بناء تحالف دولي ضد الإرهاب، بل إن هذه الصعوبة سوف تزداد إذا ضبط الجيش الأمريكي متلبسًا بزرع المعلومات المضللة في إعلام الدول التي لها أهمية استراتيجية بالنسبة لأمريكا.
من الواضح أن الإعلام المستهدف بهذه المعلومات المضللة سوف يثور غضبًا، وسوف يكون أقل دعمًا لأي تحالف.
بل إن استهداف الدول غير الصديقة بحملة المعلومات المضللة يعتبر فكرة رديئة، لأن الدول الصديقة لن ترحب بذلك، كما أن الدول غير الصديقة مثل روسيا والصين وباكستان - والتي رأت الاعتبارات خاصة تأييد أمريكا في حملتها ضد الإرهاب - سوف تصبح أقل تأييدًا حين تجد نفسها، على غير رغبة منها - شريكة في حملة المعلومات المضللة بل إن حملة المعلومات المضللة يمكن أن تساعد «الإرهابيين» أنفسهم وذلك بإعطائهم سببًا لأن يصبحوا قائلين: ألم نقل لكم من قبل إن الولايات المتحد في دولة سيئة انظروا كيف يحاول الأمريكيون تضليل أصدقائهم والسيطرة عليهم من خلال الخداع والتضليل لذلك فإننا نعتقد أن جعلة المعلومات المضللة لن تساعد أمريكا في حربها ضد الإرهابيين».
وإنه من الواضح أن الجهات المسؤولة عن حملة المعلومات المضللة في وزارة الدفاع الأمريكية هي نفسها ليست واثقة من فاعلية تأثير هذه الحملة، فقد قال رئيس مكتب استراتيجية التأثير الجديد في البنتاجون، والذي سوف يقوم بهذه الحملة لنيويورك تايمز، إن الأمر لن يقتصر على حملة المعلومات المضللة، وإنما حملة الدعاية السوداء -أي حملة الدعاية المضللة- وحملة الدعاية البيضاء -أي حملة المعلومات الصحيحة- سوف يجري تنفيذهما جنبًا إلى جنب.
على أنه سوف يكون لهذه الحملة بجانبيها تأثير سلبي إذا مضى «البنتاجون» في تنفيذها وذلك بسبب صعوبة تمييز المعلومات المضللة من المعلومات الصحيحة مما يفقد الثقة في المعلومات جملة.
وسوف يزداد الأمر سوءًا إذا قام الإعلام الأمريكي ببث هذه المعلومات المضللة داخل الولايات المتحدة وفي ذلك مخالفة صريحة للقانون الذي يمنع بث الدعاية المضللة داخل أمريكا، وإذا تم بث هذه الدعاية المضللة داخل أمريكا رغم مخالفتها القانون -مع تصور أن الناس سوف يقبلون كل ما تقوله حملة المعلومات المضللة- فإن الحقيقة تقول بأن هذه المعلومات المضللة لن تقبل على علاتها، فإن كل إنسان سوف يقرر لنفسه ما يقبله وما يرفضه منها وفقًا لمعايير القيم والمبادئ التي يدين بها.
وختم ميشيل تعليقه قائلًا إنه إذا انعدم الإحساس بالمسؤولية عند أصحاب الحملة فإنهم سوف ينطلقون بلا ضوابط وسوف يكون من نتيجة ذلك أن تفعل أمريكا نفس الأشياء التي تحارب ضدها.. ويستمر ميشيل قائلًا: ربما يرى البعض في قولي هذا نوعًا من السذاجة أو المثالية فليكن ذلك، لكن الأمر الذي أؤكد عليه هو أن أمريكا يجب أن تقف إلى جانب مبادئ الشرف والأمانة.
إن النشر المتعمد للمعلومات الكاذبة والمضللة هو عمل غير أخلاقي.
ثم أنهى ميشيل كلامه قائلا: إن كون أمريكا اليوم هي القوة الوحيدة العظمى يرتب عليها أن تلتزم بالشرف والأمانة. إن حملة الدعاية الكاذبة والمضللة لا تتناسب مع ما تمثله أمريكا، أو ما يجب أن تمثله.
السياسة والأخلاق
مما يلفت النظر في تعليق ميشيل أنه يربط السياسة بمبدأين مهمين من مبادئ الأخلاق هما: الشرف والأمانة، هذا الربط يلفت نظرنا إلى المفهوم الميكافيللي للسياسة وهو المفهوم المستقر والسائد في عرف نظم حاكمة في بلاد عربية وإسلامية، ذلك المفهوم الذي يقول بأنه لا أخلاق في السياسة، وأن الحاكم يتبع من الوسائل لتحقيق أهدافه السياسية التي تخدم دولته وشعبه ما يحقق هذه الأهداف حتى ولو كانت رسائل غير أخلاقية... حتى ولو كانت قائمة على الغش والتزييف والخداع والكذب، على أن هناك فارقًا أساسيًا بين السياسة الميكافيلية التي تطبق في الغرب الرأسمالي والسياسة الميكافيلية التي تطبق في دول عربية وإسلامية، وهو أن تستعمل وسائل الغش والتزييف والخداع والكذب لحساب مصالح الدول والشعوب وليس على حسابها، كما لا يستخدمونها لحساب أنفسهم، وحين يفعلون ذلك يحاسبون حسابًا عسيرًا، ولست في حاجة إلى أن أشير إلى القائمة الطويلة للسياسيين الغربيين الذين أزيحوا من مناصبهم وفقدوا اعتبارهم، أما في الحالة الثانية فإن أساليب الغش والتزييف والخداع والكذب إنما تستعمل لصالح الحكام على حساب دولهم وشعوبهم ولا نعرف سياسيًا واحدًا أزيح من منصبه أو فقد اعتباره أو حوسب على ذلك حيًا أو ميتًا.
وإن الذي يطلع على مباحث العلوم السياسية الحديثة في الغرب اليوم لا بد وأن يلفت نظره أن الاعتبار الأخلاقي في السياسة عندهم ليس اعتبارًا هامشيًا أو ثانويًا، وإنما هو اعتبارًا أصيلًا مهمًا، لكن المقلدين للغرب لا يأخذون إلا أسوا ما عنده، وإذا لم يجدوا شيئًا يقلدونه قلبوا الحسنات سيئات حتى تناسب مستوى الهبوط والتدني الذي ألفوه، والذي يستحيل عليهم أن يعيشوا خارجه.
تعليق هيلين توماس
ومن التعليقات اللافتة للنظر على مكتب التضليل. تعليق الكاتبة الأمريكية هيلين توماس Helen Thomas في مقال لها نشر في جريدة هيوستن كرونكل بتاريخ ۲۰۰۲/۲/۲۸م، قالت فيه إن الذين يقومون بتسريب المعلومات في كثير من الأحيان ينقذون الوطن من مغبة خطأ جسيم وإن آخر مثال على ذلك هو الإنذار الذي صدر عن مسؤولين في الحكومة يعملون في مشروع سري هدفه نشر معلومات كاذبة ومضللة في الخارج، لقد كانت فكرة هذا المشروع فكرة غبية كان من الممكن أن ترتد إلى أمريكا لتصيبها.
إني أحيي موظف البنتاجون المجهول الذي قام بتسريب خبر خطة إنشاء مكتب التأثير الاستراتيجي والذي يستهدف ضمن أشياء أخرى - زرع قصص كاذبة في الإعلام الأجنبي.
إن إذاعة خبر إنشاء ذلك المكتب على الملأ جعل المسؤولين عنه في البنتاجون بما فيهم وزير الدفاع رونالد رامسفيلد تحمر وجوههم خجلًا ويسارعون بالابتعاد بأنفسهم عن المسؤولية عن هذا المكتب.
وفي تعليق ينم عن الشعور بالضيق من كشف سر هذا المكتب قال رامسفيلد للصحفيين: لقد أنشئ المكتب بالفعل، فما الذي تريدونه؟!
وتعلق هيلين على ذلك قائلة: إن الأمر البالغ السوء هو أن رامسفيلد قد شعر بالضيق بسبب إفشاء سر إنشاء المكتب في الوقت الذي كان يجب أن يشعر بالضيق لأن المكتب يمكن أن يفسد شؤون البنتاجون بأكملها، فالخبراء والعاملون في مجال العلاقات العامة في البنتاجون يعلمون أن الأمر البالغ الأهمية بالنسبة للبنتاجون هو كسب الثقة.
لكن رامسفيلد بدون خوف لم يتخل عن فكرة محاولة التأثير على الرأي العام في الخارج، وقال: إن بعض مهام مكتب التأثير الاستراتيجي الذي مات سوف تتولاها أجهزة أخرى في البنتاجون.
وتستمر هيلين قائلة إن قيام نيويورك تايمز بنشر خبر إنشاء المكتب وذكر قصة هذا الإنشاء قد أحدث اضطرابًا شديدًا في الكونجرس، وبين عدد من رجال الإدارة، باعتبار أن إنشاء مثل هذا المكتب من وراء ظهر الإدارة والكونجرس يعني عدم الثقة فيهما. وقد سارع بوش أثناء زيارته للحين إلى إعلان أنه لم يكن يعلم بقصة هذا المكتب، وأنه قد سمع بها على التو، وأنه غير مسؤول عنه.
وعندما سئل بوش إذا ما كان هو الذي أمر رامسفيلد بإغلاق المكتب قال: أنا حتى لم أطلب منه ذلك لأنه يعلم مشاعري إزاء هذا الموضوع وتعلق هيلين قائلة: إذا كان الأمر سيئًا إلى هذه الدرجة فلماذا إذن تحاول حكومتنا متعمدة أن تزرع هذه القصص الكاتبة في الخارج.
هل تتصور حكومتنا أن الإعلام الأجنبي ساذج جدًا إلى درجة أن يصدق بسهولة هذه القصص الكاتبة خاصة مع توافر شبكة الاتصالات العالمية الواسعة؟
الكذب على الغير فقط!!
وتستمر هيلين قائلة إنه خضوعًا لرد الفعل العنيف لمشروع المكتب فقد اضطر رامسفيلد إلى أن يؤكد أن البنتاجون لا يكذب على الشعب الأمريكي، وأنه سوف يراقب عن كثب العاملين فيه.
لكن هيلين تؤكد أن للمكتب سياسة مرفوضة سواء داخل أمريكا أو خارجها، وتنقل عن تيم مكجوير Tim Meguire رئيس جمعية الصحفيين قوله في رسالته إلى رامسفيلد: إننا نعتقد أن مثل هذه الخطة لو نفذت فإنها سوف تمثل تحولًا خاطئًا في سياسة الولايات المتحدة إن الدعاية التي تقوم على الخداع النفسي هي سلاح قد سبق استخدامه في الحروب الساخنة أو الباردة لكنه من الفظاظة اليوم استعمال هذا السلاح في زمن شبكة الاتصال الجماهيري الواسعة، وإن إذاعة صوت أمريكا هي مثال ساطع على مدى قدرة جهاز يعمل لحساب الحكومة الأمريكية على بث المعلومات عبر العالم، وعلى القدرة على اجتذاب جمهور كبير من المستمعين.
إلغاء المكتب وليس إلغاء الفكرة
وإبرازًا لسوء نوايا البنتاجون والإدارة الأمريكية تقول هيلين إنه على الرغم من التصريحات الإيجابية لبوش، ومن تعهد رامسفيلد بالتزام الصدق، فإن دوجلاس ج فيت Douglas J. Faith السكرتير المساعد للسياسة الدفاعية قد بين أن من الواضح أن الجيش لم يتخل مطلقًا عن مشروع المعلومات المضللة.
فقد قالت فيث لمحرري وزارة الدفاع إنا سوف نستمر في الحفاظ على خياراتنا في تضليل العدو فيما يتعلق بعملياتنا، وإن هذه الخيارات لا تتعارض مع تعهد البنتاجون بالحفاظ على مصداقية مع الشعب الأمريكي.
وتعلق هيلين على كلام فيث قائلة إننا لا نعترض على أن يستعمل البنتاجون بعض خيارات التضليل الإعلامي، ولكن البنتاجون يجب أن يكون حريصًا في هذا الاستعمال فيمكن مثلًا تضليل العدو عن الوجهة التي يكون البنتاجون قد عقد العزم على مهاجمتها، لكن الكذب فيما يتعلق بأمور السياسة شيء آخر، وهو شيء خاطئ.
ولم تسمع ميشيل راين، أو هيلين توماس، أو أيًا من الذين هاجموا مكتب الأكاذيب، أو الذين سربوا المعلومات التي أدت إلى وأده في مهده، قد تعرض للاتهام بالعمل لحساب جهات أجنبية في زمن الحرب أو أنه قد لفقت لأحد منهم تهمة التآمر لقلب نظام الحكم بالقوة.