العنوان جهاد الاستشهاديين الأطهار ومنزلته في الفقه والآثار (1)
الكاتب محمد موسي الشريف
تاريخ النشر السبت 06-أبريل-2002
مشاهدات 67
نشر في العدد 1495
نشر في الصفحة 66
السبت 06-أبريل-2002
ما كنت أظن يومًا أني سأمسك القلم لأدافع عن رجال أطهار عظماء هم من أشرف رجال هذه الأمة وأعظمهم، ولهم في الجهاد قدم صدق، رفعوا رأس الأمة عاليًا في زمان ألفت الأمة فيه تنكيس الرؤوس وتوالي النكبات ولم نعد نسمع من الأخبار السارة إلا أخبارهم، ولا نفرح إلا ببطولاتهم، ولا نفخر إلا بأعمالهم، وعاش جنرالات اليهود إلى اليوم الذي صاروا يسمعون فيه ويرون من يذيقهم سوء العذاب ويحطم آمالهم في بقاء دولتهم المسخ وينقض نظرية أمنهم المطلق وجيشهم الذي لا يقهر.
والعجب العجاب أن هؤلاء الأطهار المجاهدين الذين قلب الله تعالى بهم الأوضاع يتعرضون اليوم للوم بل التأثيم والإنكار بدعوى أن صنيعهم يخالف الشرع المطهر، ويضــاد مدلول الأدلة الشريفة، فأين يذهب بهذه الأمة؟ وكيف يكون هذا؟! وقد اطلعت على فتاوى المنكرين فوجدتها مبنية على أدلة عامة لا تدل في الحقيقة على ما ذهبوا إليه، وهم محجوجون بجملة من الأدلة منها عمل طائفة من الصحابة ومن بعدهم من السلف الصالح وهم أولى من فهم هذه الأدلة وعلم ما يراد منها وبها، ولكني لما رأيت طائفة من الأمة تعلقت بهذه الفتاوى وصار القاعدون ينكرون على المجاهدين ويسفهون ما يقومون به من جميل الفعال ولما رأيت أن اليهود أخذوا يقرعون الشباب الفلسطيني بمضمون هذه الفتاوى، لما رأيت هذا كله غرت – والله – على هذا الدين وعلى عبادة الجهاد التي هي ذروة السنام منه وأحببت أن أكتب في هذا الموضوع ما أرى أنه حق، والله تعالى أعلم، ألا وهو أن هذه العمليات الاستشهادية الجهادية من أعظم القربات وأحسن أنواع الجهاد ضد هذا العدو الضال الوحشي الذي لا يرقب فينا إلا ولا ذمة، وقسمت الموضوع قسمين: القسم الأول في الأدلة والآثار التي تدل بوضوح على جواز مثل هذا العمل، وقرنت بها كلام الفقهاء العظام – رحمهم الله تعالى – والقسم الآخر عمل طائفة من السلف ومن تبعهم في هذا الباب المبارك.
واعتمدت في موضوعي هذا بعد الاستعانة بالله عز وجل على كتابين نفيسين أحدهما أجود وأنفس من الآخر، أما الكتاب الأجود فهو «مصارع العشاق ومشارع الأشواق» لابن البنا الدمياطي المتوفى شهيدًا سنة 814، والكتاب النفيس الآخر رسالة للعلامة شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية بعنوان: «قاعدة في الانغماس في العدو، وهل يباح؟»، وهما كتابان جديران بالقراءة والتدبر خاصة الكتاب الأول، وهما مما يشرح صدر المؤمن للحق إن شاء الله تعالى.
أما الأدلة والآثار فهي:
1- قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (البقرة: 207).
ووجه الدلالة فيها ما جاء في سبب نزولها أن صهيبًا – رضي الله عنه – لما هاجر إلى المدينة المنورة النبوية اتبعه نفر من قريش وهو وحده فأراد قتالهم بمفرده، ثم صالحهم بعد ذلك على ماله يعطيهم إياه، فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ربح البيع أبا يحيى وأثنى على صنيعة الله تبارك وتعالى في كتابه، فلو لم يكن قتاله العدو وهو منفرد وحيد، ويغلب على الظن هلاكه أقول لو لم يكن هذا جائزًا لما أثنى الله تعالى عليه والله أعلم.
وقد استدل عمر – رضي الله تعالى عنه – بهذه الآية في حادثة مهمة جرت زمان خلافته ورد فيها على من يقول: إن الانغماس في العدو هو تعريض النفس للهلاك وأنه لا يجوز، وهو ما يتمسك به بعض من أفتى بحرمة العمليات الاستشهادية في فلسطين، فقد روى ابن المبارك وابن أبي شيبة عن مدرك بن عوف الأحمسي – واختلف في صحبته – قال: كنت عند عمر رضي الله عنه إذ جاءه رسول النعمان بن مقرن – الصحابي المشهور – رضي الله عنه – فسأله عمر عن الناس، فقال: أصيب فلان وفلان وآخرون لا أعرفهم فقال عمر رضي الله عنه: لكن الله يعرفهم. فقال يا أمير المؤمنين ورجل شرى نفسه، فقال مدرك بن عوف ذلك والله خالي يا أمير المؤمنين، زعم الناس أنه ألقى بيده إلى التهلكة، فقال عمر: كذب أولئك، ولكنه ممن اشترى الآخرة بالدنيا.
وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن المغيرة بن شعبة – رضي الله عنه – قال: كنا في غزاة فتقدم رجل فقاتل حتى قتل فقالوا: ألقى هذا بيده إلى التهلكة، فكتب فيه إلى عمر – رضي الله عنه- فكتب عمر: ليس كما قالوا هو من الذين قال فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (البقرة: 207) ففي هذا الأثر والذي قبله بيان لجواز صنيع من حمل على الكفار بمفرده.
وروى ابن أبي شيبة عن محمد بن سيرين قال: جاءت كتيبة من قبل المشرق من كتائب الكفار فلقيهم رجل من الأنصار فحمل عليهم فخرق الصف حتى خرج، ثم كر راجعًا فصنع مثل ذلك مرتين أو ثلاثًا، فإذا سعد بن هاشم يذكر ذلك لأبي هريرة رضي الله عنه قائلًا هذه الآية ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (البقرة: 207).
2- ذكر الله تعالى قصة طالوت وأصحابه في معرض الثناء عليهم، وقد حملوا وحدهم وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا – عدة أصحاب بدر – وقابلوا جيشًا مؤلفًا من عشرات الآلاف، قيل: كانوا تسعين ألفًا، وقيل أكثر من ذلك، وفي ذلك هلكة بينة.
3- وهذا معاذ بن عفراء – رضي الله عنه – يسأل النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده؟ قال: غمسه يده في العدو حاسرًا، قال: فألقى درعًا كانت عليه وقاتل حتى قتل – رضي الله عنه – وغمس الرجل يده في العدو حاسرًا فيه تعريض نفسه للموت المحقق، وهو يشبه ما يصنعه أبطال الجهاد في فلسطين في عملياتهم الاستشهادية.