; هل يتم تصفية القضية بموافقة بعض أبنائها؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل يتم تصفية القضية بموافقة بعض أبنائها؟

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 05-مارس-1985

مشاهدات 54

نشر في العدد 707

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 05-مارس-1985

* العرب مقبلون على طرح مشروع للصلح مع اليهود يحظى بموافقة المجموع.
«إن الهدف من مشاريع التسوية الدولية على تعددها والاختلاف فيما بين بنودها، هو تصفية القضية الفلسطينية، وإنني أخشى أن يأتي يوم تصفى فيه القضية على أيدي أبنائها».
هذا ما قاله أحد المشاركين في ندوت عقدت حول القضية الفلسطينية في بلد أوروبي. وقد لقيت هذه العبارة آنذاك استنكارًا من بعض مؤيدي منظمة التحرير الفلسطينية وأحد ممثليها؛ بحيث قاطعوا المتحدث، فتدارك الأمر بعبارة لبقة «وأرجو ألا يحدث ذلك أبدًا».
تخوف في محله
اليوم، وأنا أتابع ردود الفعل على الاتفاق الأردني- الفلسطيني وتطوراته أشعر بأن ما تخوف منه المتحدث بات قاب قوسين أو أدنى.. ومما يزيدني تخوفًا وإشفاقًا على القضية أنباء دعوة الرئيس المصري لقيام مفاوضات إسرائيلية عربية مباشرة ترعاها الولايات المتحدة ويشترك فيها وفد أردني- فلسطيني مشترك.
فهل يشارك القادة الفلسطينيون في مراسم دفن قضيتهم؟
ونحن إذ نتساءل عن مشاركة القادة الفلسطينيين لا نقصد حصر اللوم عليهم وحدهم؛ لأن معظم القادة العرب كما لا بد يعرفون، قد غسلوا أيديهم من مائدة التنازل عن حق العرب والمسلمين في فلسطين منذ زمن بعيد، وأصبح هم بعضهم الأكبر النجاة بجلودهم والبقاء في عروشهم، كما لو أنهم سيخلدون! ولا مانع لديهم من التضحية بفلسطين وأهل فلسطين وكل غالٍ ونفيس من أجل ذلك، ولو أنهم واهمون!
وإنما نخص القادة الفلسطينيين لتاريخهم النضالي من جهة، ولمسؤوليتهم التاريخية كذلك. إن موافقة الفلسطينيين على التسوية السياسية للقضية الفلسطينية تعني أول ما تعني نجاح المخطط الصهيوني الأمريكي، الذي يهدف في نهاية المطاف إلى الحصول على توقيع الفلسطينيين برضاهم على التنازل عن أرضهم وشعبهم وسيادتهم وقضتيهم المقدسة.
مراحل التصفية
والمتأمل في تاريخ الصراع الصهيوني العربي الإسلامي وتاريخ المخططات الصهيونية المدعومة أميركيًّا ودوليًّا، يجد أن القضية الفلسطينية مرت بمراحل متتابعة هي:
إفراغ القضية من مفهومها وبعدها العقدي الإسلامي، إضفاء طابع الصراع القومي تارة والطبقي تارة أخرى على الصراع الصهيوني الإسلامي، تجزئة وإضعاف أقطار العالم العربي، إسناد مهمة تحرير فلسطين للفلسطينيين فقط، ثم حصر التمثيل الفلسطيني بمنظمة التحرير، توقيع اتفاقيات صلح وتطبيع علاقات مع الدول العربية المجاورة، ثم أخيرًا إجبار الفلسطينيين على الصلح مع العدو الصهيوني والتسليم له بالسيادة على فلسطين، وحل «القضية من جميع جوانبها».
ونظرة في نص الاتفاق والخلفيات التي أدت إلى توقيعه يمكن القول بأن أهم أطراف القضية الفلسطينية باتوا مستعدين للاستجابة للمخطط الصهيوني- الأمريكي.
نص الاتفاق
والاتفاق كما أعلنه طاهر المصري يوم 23 فبراير الماضي وأذاعته وكالة الأنباء الأردنية «بترًا» ينص على التالي:
انطلاقًا من روح قرارات قمة فاس المتفق عليها عربيًّا وقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بقضية فلسطين وتمشيًا مع الشرعية الدولية وانطلاقًا من الفهم المشترك لبناء علاقة مميزة بين الشعب الأردني والفلسطيني.
اتفقت حكومة المملكة الأردنية الهاشمية ومنظمة التحرير الفلسطينية على السير معًا نحو تحقيق تسوية سلمية عادلة لقضية الشرق الأوسط ولإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية المحتلة بما فيها القدس وفق الأسس والمبادئ التالية:
1- الأرض مقابل السلام، كما ورد في قرارات الأمم المتحدة بما فيها قرارات مجلس الأمن.
2- حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني. يمارس الفلسطينيون حقهم الثابت في تقرير المصير عندما يتمكن الأردنيون والفلسطينيون من تحقيق ذلك ضمن إطار الاتحاد الكونفدرالي العربي المنوي إنشاؤه بين دولتي الأردن وفلسطين.
3- حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين حسب قرارات الأمم المتحدة.
4- حل القضية الفلسطينية من جميع جوانبها.
5- وعلى هذا الأساس تجري مفاوضات السلام في ظل مؤتمر دولي تحضره الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي وسائر أطراف النزاع بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للعشب الفلسطيني ضمن وفد مشترك «وفد أردني فلسطيني مشترك».
خلفية الاتفاق 
أما خلفيات الاتفاق فيمكن تلخيصها باختصار على النحو التالي:
منذ خروج المقاومة الفلسطينية المسلحة من لبنان عام 82 وتشتتها مرة أخرى بعد حصار طرابلس عام 83 سقط الخيار العسكري تمامًا من قادة منظمة التحرير، ولما كانوا قد قرروا القبول بمشاريع التسوية منذ عام 1974 عبر ما عرف ببرنامج النقاط العشر للمجلس الوطني الفلسطيني، لم يعد أمامهم خيار إلا هذا النظام العربي أو ذاك، وبسبب حصار طرابلس وإخراج ياسر عرفات من دمشق وظهور حركة التمرد والانشقاق التي رعاها النظام السوري وغذاها، وجد ياسر عرفات نفسه حرًّا بالاتفاق مع الأردن، ولم يكن أمام عرفات مناص من ذلك خاصة وأن مشاريع التسوية الدولية المطروحة جديًا تركز على دور الأردن في التسوية، والمتابعون للأحداث يعلمون أن صيغة الاتفاق كانت مطروحة بشكل جدي منذ إبريل عام 1982 عندما أخفق عرفات والحسين بالتوقيع على الاتفاق.
أما الآن وفي ضوء رسوخ مبدأ الصيغة الأردنية- الفلسطينية للتحرك السياسي، وبعد انتهاء كل طرف من معوقات المضي قدمًا، فإن الأيام القادمات ستشهد كما قال مسؤول أميركي كبير منذ أسبوع «مبادرة عربية للسلام ملفتة للنظر».
ومع اعتراف عرفات مؤخرًا لمجلة الحوادث بأن ليس هناك اختلافات بين الأردن والمنظمة حول تفسير بعض بنود الاتفاق، وتصريح «أبو إياد» للشرق الأوسط بأن الخلاف داخل المنظمة حول الاتفاق «قد تجاوزتاها» يغلب على الظن بأنه لم تكن هناك خلافات حقيقة ذات بال، وإنما هو تكتيك نجحت القيادة الفلسطينية باستخدامه عند اتخاذها خطوات جريئة. والجدير بالذكر أن الاتفاق الأردني- الفلسطيني كما تقول مصادر الطرفين متفق عليه عربيًّا، وتم التوقيع عليه يوم 11 فبراير بصفة الاستعجال؛ ليكون مادة للنقاش في المحادثات العربية- الأميركية.
دعوة لجس النبض
أما دعوة مبارك لقيام مفاوضات مباشرة بين وفد إسرائيلي ووفد أردني- فلسطيني مشترك التي رحب بها بيريز مع اشتراط عدم حضور منظمة التحرير، والتي لم يعلق عليها الأردن ولا عرفات، فهي تدخل ضمن المواقف المتفق عليها، وذلك أما لجس النبض لفكرة المفاوضات المباشرة وهذا ما نميل إليه، وأما للضغط على مختلف أطراف المنظمة للقبول بالاتفاق الأردني الفلسطيني، لكن دعوة مبارك تؤكد على أية حال دور مصر المتفق عليه في اتفاقيات كامب ديفيد وهو توسيع نطاق مفاوضات الصلح بين إسرائيل والعرب.
ومنذ عودة مصر للصف الإسلامي والعربي نشطت في القيام بهذا الدور. وبعد قيام المحور المصري الأردني الفلسطيني من أجل «السلام» تعالت دعوات التضامن العربية؛ بحيث تصبح قراراته بالأغلبية تمهيدًا لإقرار «مشروع سلام» أي صلح مع إسرائيل يحظى بدعم معظم الدول العربية، وهي الاستراتيجية التي تبناها العمل الأردني- الفلسطيني المشترك.
والذي نحب أن نؤكد عليه هنا هو أن المحصلة النهائية للتسوية المرتقبة في المنظمة هي حقيقة واحدة؛ سواء شاركت منظمة التحرير بوفد مستقل أو ضمن وفد أردني- فلسطيني مشترك أو ضمن وفد عربي، وسواء تم عقد مؤتمر دولي أو لم يتم، وسواء شاركت المنظمة أم «فلسطينيون معتدلون» كما تريد أميركا وإسرائيل.
الحقيقة الواحدة أن أية تسوية ستكون «حل القضية من جميع جوانبها» كما نص الاتفاق الأردني الفلسطيني، أي إنهاء القضية مرة وإلى الأبد بالإقرار لليهود والصهاينة بحق السيادة على فلسطين، والتفرغ لحل معضلات دولة إسرائيل الاقتصادية، ومن ثم التهيؤ لانطلاقة جديدة في المستقبل طبقًا للمخططات الصهيونية، التي أفصحت عنها «وثيقة آفاق الثمانينيات» التي نشرت قبل حوالي ثلاثة أعوام!
شعب مجاهد
ولكن المراقب المجرب والخبير بأحوال الشعوب الإسلامية عامة والشعب الفلسطيني خاصة يملك رصيدًا من المعلومات عن جهاد الشعب الفلسطيني ومتانة عقيدته الإسلامية، تمكنه من الاطمئنان إلى أن الشعب بالرغم من كل أصناف القيود والعراقيل والضغوط التي يواجهها، سيصير إلى أن يرفع راية الجهاد من جديد.
وهنا لا بد من قطع الطريق على المزايدين من جملة الشعارات الثورية والنظريات الماركسية بتقرير حقيقة هي أن اليسار الفلسطيني في مجملة كان له دور مكمل لدور الأنظمة العربية في تشتيت الفكر والجهد الفلسطيني، الأمر الذي سهل على المتخاذلين سلوك درب الأنظمة بدلًا من الجهاد والثورة.
نعم، مطلوب إيقاف المنساقين وراء التسويات السياسية عند حدهم، لكن على خطى القسام والحسيني وغيرهم. وفي الختام أسأل الله سبحانه ألا يحصل ما خشيناه من سنوات وهو توقيع الفلسطينيين على صك التنازل عن أرضهم وشعبهم وديارهم المقدسة وقضيتهم التي هي قضية المسلمين شاءوا أم أبوا.
فيا أيها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها انتبهوا فالخطر الصهيوني يتهددكم أينما كنتم.. وهلا تدبرتم في مغزى إسهاب القرآن الكريم في الحديث عن بني إسرائيل دون غيرهم.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (آل عمران: 13).

الرابط المختصر :