; مواجهة المواقع الهدامة | مجلة المجتمع

العنوان مواجهة المواقع الهدامة

الكاتب محمود الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يوليو-1998

مشاهدات 70

نشر في العدد 1309

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 21-يوليو-1998

  • المؤسسات الإسلامية مدعوة لتبني «وقفيات» للدعوة عبر الإنترنت.

  • تلميذان لم يتجاوز عمر الواحد منهما 15 عامًا ينشآن موقعًا لنشر الإسلام من مصروفهما الشخصي!

تناولت أكثر من مرة- وعبر المجتمع- موضوع الإنترنت كوسيلة اتصال ومعلومات مهمة وخطيرة، وأوجه الاستفادة منها في خدمة عقيدتنا وقضايانا المختلفة؛ إلا أن تسارع وتيرة استخدام الإنترنت وفرض نفسها على بقية ادوات الاتصال، وتزايد أعداد المشتركين في شبكة الإنترنت يومًا بعد يوم؛ حيث وصل إلى أكثر من ٨٥ مليون مشترك حتى الآن في مختلف دول العالم، يجعل من الضروري إعادة التأكيد على بعض النقاط التي طرقناها سابقًا، واهمها دعوة العرب والمسلمين إلى إيلاء الإنترنت اهتمامًا أكبر، واعتبارها ساحة حرب جديدة ينبغي التسلح لها بكل أدوات الحرب المتاحة.

ولأننا أمام نوع جديد من الحرب لم نألفه سابقًا، لم نستطع تحقيق إلا القليل من النجاح في تسخير الإنترنت لخدمة قضايا العرب والمسلمين، بل إننا لا نفعل إلا القليل في مواجهات الهجمات الإلكترونية التي تستهدف ديننا، وتشوه صراعنا الحضاري مع مختلف القوى المعادية، وكأن واقعنا المادي في ميزان القوى العالمي انعكس على قدراتنا على فرض أنفسنا في معركة الإنترنت، وبدلًا من المبادرة والهجوم في هذه المعركة- التي لا تنقصنا فيها الكفاءات العلمية، ولا الإمكانات المادية- آثرنا الركون إلى رد الفعل الخجول أحيانًا على هجمات الآخرين، وتلقي اللطمات منهم دون أن يكون لنا حول ولا قوة.

ما حدث الشهر الماضي من هجوم على الإسلام، ومحاولة تشويه صورته الجميلة، عندما استضافت شركة «أمريكا أون لاين» أكبر شركات الإنترنت في العالم، موقعًا جديدًا بث تحريفًا للقرآن الكريم، وتحديًّا ساقطًا للآية الكريمة ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾البقرة:23(، كان مثالًا على ضعف المسلمين في الذود عن حمى دينهم، وعلى الرغم من استجابة الشركة الأمريكية لرسائل الاحتجاج التي تلقتها من عرب ومسلمين، وإغلاقها للموقع المذكور، إلا أن ما دفع الشركة الأمريكية لإيقاف هذا الموقع كان الخوف على سمعتها ومكانتها، وهي التي تجذب أكثر من ١٢ مليون مشترك من مختلف دول العالم، فلم م يكن قرارها نابعًا أساسًا من احترام مشاعر المسلمين أو خوفًا من نفوذهم.

وإذا كانت «أمريكا أون لاین» قد أغلقت الموقع المعادي للإسلام حفاظًا على سمعتها وشهرتها، فماذا سيفعل المسلمون حيال شركات خادمة أخرى مغرضة وموجهة على استعداد لاستضافة أي موقع يمكن أن يسيء للإسلام؟

ومناسبة هذا التساؤل أن الموقع الذي أغلقته «أمريكا أون لاين» والمسمى «Sura like it» أو «سورة من مثله»! قد انتقل إلى مكان آخر، ويتبجح الموقع الجديد وعنوانه على الإنترنت «www.geocities.com/Athens/7143» بأنه استضاف الموقع «سورة من مثله» الذي أغلقته الشركة الأمريكية، ويعود لينشر السور الأربع المفتراة «الإيمان، التجسد، المسلمون، والوصايا» مع غيرها من الأباطيل التي قدمها على أنها مثيلة للسور القرآنية، وقد اعتبر أصحاب الموقع الجديد بأن الخطبة التي يقال بأن قس بن ساعدة قد قالها قبل الإسلام، تتحدى ما جاء في القرآن الكريم بعد ذلك، وقد جاء في خطبة قس بن ساعدة قوله: «أین من بغى وطغى، وجمع فأوعى، وقال أنا ربكم الأعلى؟ ألم يكونوا أكثر منكم أموالًا، وأطول منكم آجالًا، طحنهم الثرى بكلكله، ومزقهم بتطاوله، فتلك عظامهم بالية، وبيوتهم خاوية، عمرتها الذئاب العاوية»! وأن يدعي صاحب الموقع الصفيق بأن الهذيان الذي قاله مسيلمة الكذاب: «لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشى»، يتحدى ما جاء به القرآن الكريم، فيه إشارة إلى مدى جهله واستخفافه بعقول الناس، وجملة القول بأن صاحب الموقع لا يعلم من العربية إلا اسمها، وأنه جمع تلك النصوص التي أسماها سورًا قرآنية من مصادر عربية بعضها معتبر كالبداية والنهاية لابن كثير، لكن ابن كثير والآخرين ذكروها على سبيل التندر وكشف الزيف، بينما أراد هذا الموتور أن يجعل منها تحديًا للقرآن الكريم.

 ولا أقل من دعوة المسلمين المشتركين في خدمة الإنترنت لكي يكرروا احتجاجاتهم على شركة الإنترنت؛ حتى يزيلوا هذه المواد من موقعهم.

وأخبرني أخ ناصح أمين عن وجود موقع شائن لشخص يسمي نفسه سليمان على نفس العنوان، ويطلب التعميم على جميع المهتمين المسلمين؛ لكي يعملوا على وقفه وإغلاقه وعنوانه:

«www.geocities.com/westollywiid/heights/8977»، وكنت قد أشرت في مقال سابق إلى موقع مسيء للإسلام والمسلمين على الإنترنت يدعي صاحبه أن اسمه إسماعيل وأسماه «Qucer Mosque» أو المسجد الغريب للمسلمين الشواذ جنسيًّا، وفي هذا الموقع يحاول صاحبه تنوير المشترك المسلم، ويشرح له كيف يصبح مسلمًا شاذًا جنسيًّا!، وهو يزعم بأنه كان مسلمًا ثم تنصر بسبب موقف الإسلام من الشواذ جنسيًّا!!

ويدعى الأفاك بأن موقعه هذا موجه لملايين المسلمين الشواذ، وعندما دخلت على الموقع الذي أشار إليه الأخ الكريم، وجدته نفسه موقع المسجد الغريب الذي ذكرته، إلا أن صاحبه قد غير اسمه هذه المرة إلى سليمان إكس.

إن هذا يدل بوضوح على أن الجهة التي تقف وراءه ليس لها أي علاقة بالإسلام أو المسلمين، وأن صاحبه لا يعدو عن كونه يهوديًّا أو صليبيًا حاقدًا، والعنوان الذي وضعه صاحب هذا الموقع لتلقي الملاحظات هو:

 «qaymuslims@geocities.com».

وأتمنى أن يبادر كل مشترك مسلم إلى إيذاء هذا اللعين بإرسال رسائل احتجاج مكررة ومتواصلة إلى ذلك العنوان، إلى أن يضطر إلى غلق هذا الموقع.

إن ما صرح به أحد مسؤولي الأزهر الشريف من نية جامعة الأزهر تشكيل لجنة لدراسة كيفية التعامل مع مواقع الإنترنت التي تحمل موادًا معادية للإسلام فكرة جديرة بالاهتمام، ولا بد من تطويرها في أسرع وقت ممكن، تفوق السرعة التي تنمو فيها شبكة الإنترنت.

إن حملات الاحتجاج وحدها لا تكفي من جانب المسلمين، وبخاصةً أن كثيرًا من شركات الإنترنت الخادمة Servers تملكها جهات معادية للإسلام، ولن ترضخ للاحتجاجات العادية، أما الحلول العملية التي أرى أنها يمكن أن تخفف من الحملات المسعورة على الإسلام عبر الإنترنت، وتجرد مواقع المسخ والتشويه من أي شعبية أو شهرة، ومن ثم إزالتها عن شبكات الإنترنت، فيمكن أن تتلخص فيما يلي:

أولًا: إغراق شبكات الإنترنت بالمواقع التي تقدم الإسلام الصحيح عقيدة وفقهًا وحركة، وباللغة الإنجليزية التي هي لغة أكثر من ٨٠% من مشتركي الإنترنت، ولا يكفي التركيز على نوعية المواد وتصميم الموقع وحدهما، فعلى الرغم من أهميتهما إلا أن من يستخدم الإنترنت يدرك حقيقة أنه كلما زاد عدد مواقعك على شبكة الإنترنت، كلما زادت هيمنتك وسيطرتك على المواقع الأخرى الأقل منها عددًا.

ثانيًا: تسويق المواقع الجديدة والدعاية لها من خلال إدخالها في محركات البحث، أو Searching Engines وهو أسلوب معروف لدى أصحاب المواقع الإكترونية، ويكون ذلك مقابل مبالغ زهيدة تدفع مرة واحدة فقط، وكلما كان اسم الموقع وعنوانه ومحتواه مدخلًا في محركات بحث أكثر، كلما زاد عدد الزائرين لهذا الموقع. 

ثالثًا: ضرورة تضمين هذه المواقع عناوين لتلقى ملاحظات الزائرين واستفساراتهم، وعدم الاستخفاف بتلك الملاحظات، والرد على الاستفسارات بصدر واسع مهما كانت، والتحلي بأدب الدعوة وأخلاق الدعاة عند مراسلة الآخرين مهما كانوا، فأنت لا تعرفهم، ولا تعرف نواياهم، وقد يكونون من المهتمين فعلًا بمعرفة دينك وعقيدتك.

رابعًا: لا بد من قيام المؤسسات الإسلامية كالأزهر الشريف، ورابطة العالم الإسلامي، والجامعات والهيئات الإسلامية الأخرى في مختلف مناطق العالم بإنشاء مواقع لها، وربطها مع المواقع الأخرى، بغية تطوير الاتصال فيما بينها، وتنظيم الحملات الإعلامية المضادة، فإذا ما ظهر موقع معاد يكون من السهل إعلام الجميع به، وشن حملة موحدة وقوية ضده للضغط عليه، ووقف بثه للمواد المعادية.

خامسًا: إذا توافرت آلية الاتصال بين المواقع الإسلامية المختلفة، يمكن للمشتركين المسلمين إعلان الحرب على المواقع الهدامة والمغرضة بأسلوب الجيش المنظم الموحد، فلو أرسل مليون مشترك مسلم ومن المتعاطفين معهم رسائل احتجاج لأي موقع من تلك المواقع وفي وقت واحد، لكان حجم الضرر الذي سيلحق بالموقع المعادي كبيرًا؛ لأنه لن يتمكن من مجرد استقبال تلك الرسائل في وقت واحد، فضلًا عن التعامل معها، مما سيضطره إلى إعادة التفكير في المواد التي يعرضها ضد الإسلام والمسلمين.

 سادسًا: ضرورة أن ينشر المسلمون في مواقعهم معلومات عن العقائد والملل والنحل الأخرى، وكثير منها موجود على شبكة الإنترنت، مع إدخال تلك المحتويات في محركات البحث، فالذي يبحث عن معلومات عن اليهودية مثلًا سيفاجأ بوجود مواقع إسلامية تتحدث عن اليهودية من وجهة نظرها، وبذلك لا تنفرد المواقع اليهودية بزائريها، ويحصل هؤلاء الزائرون على وجهة نظر أخرى عن الديانة اليهودية، وهكذا مع بقية الأديان والملل الأخرى.

جولة عشوائية:

إن جولة عشوائية في شبكة الإنترنت ترينا حجم التقصير والإهمال من جانبنا بحق دعوة الإسلام وقضايا المسلمين، ويبدو العجز فاضحًا إذا ما قورن بالجهد الذي يبذله أتباع الديانات الأخرى، والمال الذي يستثمرونه في الترويج لمعتقداتهم وفي حربهم على الإسلام والمسلمين.

إن المواقع التنصيرية على شبكة الإنترنت تعد بالآلاف، وبعضها يوضع لها ميزانيات بملايين الدولارات، مع أن أفراد المسلمين والمؤسسات الإسلامية قادرون على إنشاء مواقع دعوية وهادفة على شبكة الإنترنت ببضع مئات من الدولارات فقط، وأعلم عن وجود عدد لا بأس به من النماذج المشجعة من أفراد المسلمين، الذين يحتلون مواقع لهم على شبكة الإنترنت، خصصوها لخدمة الإسلام وقضايا العرب والمسلمين، مع أن إمكاناتهم المادية محدودة، وأن تعلم أن هناك تلميذين مسلمين في مدرسة إعدادية في الأردن، لم يتجاوز عمر الواحد منهما ١٥ عامًا أنشا كل منهما موقعًا لنشر الدعوة الإسلامية وباللغة الإنجليزية، ومن مصروفهما الشخصي، يعطيك إشارة على مدى سهولة المسألة لو توفرت الإرادة، وهي عامل مشجع لمن يتحرق شوقًا ليكون داعية ولا يملك الملكات والمواهب الخطابية اللازمة، فما أسهل أن يكون المسلم داعية إلكترونيًّا، ولماذا لا يكون له أجر الداعية ما دام يسهم في تبليغ دعوته عبر الإنترنت إلى ملايين الناس من شتى الأجناس؟!

هناك مسلمون يملكون الكفاءات العلمية لإنشاء مواقع على شبكة الإنترنت، ولا يملكون المال على قلته، وهناك مسلمون يملكون المال ويريدون استثماره وإنفاقه في أوجه الخير، ولكن تنقصهم الكفاءة الفنية، وأقترح على المؤسسات الإسلامية المختلفة تبني «وقفيات» لهذا الغرض الحيوي، وأن تقوم بعملية التنسيق بين المحسنين المهتمين بهذا العمل، وبين أصحاب الكفاءات في مجال الكمبيوتر.

إن كثيرًا من مشتركي الإنترنت في العالم متشوقون لمعرفة رسالة الإسلام على حقيقتها من غير تحريف أصحاب العقائد الأخرى الهدامة، التي يدعي بعضها انتماءه للإسلام، ولا توجد بالطبع ضوابط أو قواعد تمنع هذه الملل والنحل من إنشاء مواقع لها، ومن الزعم بأنها تمثل الإسلام، وباستطاعة علمائنا الأفاضل أينما كانوا إنشاء مواقع لهم على شبكة الإنترنت لنشر علومهم، وكتبهم، وأبحاثهم؛ لتكون صدقة جارية ينتفع بها الناس، كما أنها وسيلة فعالة ومثمرة لتسويق هذه الكتب، والدعاية لها كما تفعل دور النشر الأجنبية.

وأعتقد أن طموحنا بالانتشار والتغلغل في شبكة الإنترنت لا بد من أن يقترن مع طموح مشابه بترجمة مختلف الكتب الإسلامية إلى اللغات الأخرى؛ حتى تتحقق الفائدة، ونبرئ ذمتنا من ناحية تبليغ دعوتنا إلكترونيًّا، عبر أهم وأسرع وأسهل وسيلة اتصال عالمية، سخرها لنا الله- سبحانه وتعالى- ومشروع الترجمة هذا قد لا يقدر عليه أصحاب المؤلفات والأبحاث الأصلية، لكن تبني المؤسسات والهيئات الإسلامية المختلفة له سيجعل منه عملًا سهل الإنجاز والتحقيق.

شبكة الإنترنت لا تعرف حدودًا، ولا تعرف ضوابط، ولا تحتاج لترخيص من أي جهة كانت، إنها فتح إلكتروني تصل عن طريقه إلى عقول العالمين وقلوبهم، من غير أن تراق على جنباته نقطة دم واحدة! أين هم الدعاة الإلكترونيون؟ وأين هم بناة المساجد الإلكترونية ليدخلها جميع المشتركين؟

الذين يدخلون المساجد العادية، ويحضرون دروس الدين فيها، قد لا يزيد عددهم في أحسن الأحوال على بضع مئات من المسلمين، لكن هذه المساجد الإلكترونية مفتوحة على مدار الساعة لعشرات الملايين من كل الديانات والأجناس، مما يعني دخول رسالة الإسلام إلى كل بيت في العالم بـ «عز عزيز أو بذل ذليل».

الرابط المختصر :