العنوان التبشير النصراني والعصبية السياسية.. موافقات
الكاتب الحارث إسماعيل همام
تاريخ النشر الثلاثاء 08-نوفمبر-1988
مشاهدات 71
نشر في العدد 890
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 08-نوفمبر-1988
استقبل العالم الإسلامي -لأول مرة- هجمة تبشيرية رافقت الاستعمار الحديث وهيأت النفوس لتقبله بما يحمل من أطروحات في العقيدة وتوجهات في الحضارة.
وكثيرًا ما تجتمع الجمعيات التبشيرية -على اختلاف مذاهبها- لتراجع أعمالها معًا استعدادًا لمرحلة جديدة، مع اختلاف وعداوة الدول الاستعمارية التي تتبع لها، وكان منها مؤتمرها الذي انعقد على جبل الزيتون في القدس عام 1923 تقريبًا، وقد تسرب بعض ما قيل في المؤتمر حيث أجمع المؤتمرون على أن الحملات التبشيرية لم تثمر بين المسلمين -مع توفر الجهود وكثرة النفقات- وأن الذين تنصروا كانوا من النفعيين الذين يعودون إلى إسلامهم بعد أن يحققوا ما تنصروا لأجله، فوقف كبيرهم القس زوير ليعلن وجوب تبديل الهدف من التبشير، فبدلًا من أن نحرص على تحويل المسلم إلى نصراني وهذا هو الذي ينفر المسلمين ولا يفيد النصرانية في شيء، علينا أن نحرص على إخراج المسلم من إسلامه لتتغير مفاهيمه ليصبح المسلم المصري يعتز بمصريته أكثر من إسلامه، والهندي يعتز بهنديته أكثر من إسلامه؛ عندها يفقد المسلم قوته وتسهل السيطرة عليه، ولعل هذا النص يلقي الضوء على الدعوة القومية الإقليمية التي نشأت في بلاد العرب وتزعمها النصارى من العرب الذين كانوا قوميين في ظاهرهم ومبشرين في مقاصدهم، وكانت المدرسة الإنجيلية السورية في بيروت -الجامعة الأمريكية اليوم- برهانًا آخر على هوية هذه المقاصد، علمًا بأن هذه المدرسة كانت تشترط دخول الكنيسة والصلاة وتعلم دروس من الإنجيل لجميع طلابها، ثم ألغت هذا الشرط تجاوبًا مع مقولة القس زوير -كما يبدو- ولكنها استبدلته بالدعوة للقومية العربية التي كان قادتها من خريجي هذه المدرسة، ثم تطورت الدعوة القومية إلى العصبيات الإقليمية، وأخيرًا العصبيات السياسية، أقول: لو راجع كل مسلم نفسه اليوم ليرى إلى أي مدى نجحت مقولة القس زوير في جعل المصري يعتز بمصريته وكذلك جميع المسلمين، لوجدنا أن التبشير قد نجح في رسالته وعلى جميع المستويات -إلا من رحم ربي- وهذا يفسر لنا غياب الحملات التبشيرية التقليدية -لأنها قد أدت رسالتها ونجحت في مهمتها- لأنه لم يعد ذلك المسلم الذي يعتز بإسلامه عقيدة وعملًا، وعليه فقد تقوقع المسلمون في حدودهم السياسية وتقطعت أواصر الأخوة مع غيرهم من المسلمين حتى مع جيرانهم من بني جنسهم ودينهم، وأصبحت العصبية السياسية هي كل شيء، عليها نحيا وعليها نموت، وبها نأكل ونشرب، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد ذم الجاهلية المبنية على القبلية بقوله: «دعوها فإنها منتنة» وقوله: «ليس منا من مات على عصبية» فإني أقول: إن العصبية القبلية الجاهلية تعد رابطة حقيقية لأفراد القبيلة الواحدة؛ لأن أفرادها ينحدرون من جد واحد، وقد ولدت عندهم روح التعاون والتعاضد شعارهم: «أخو نورة» أو «الأكحل» وغيرهما، ومع هذا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم ذمها لأن الإسلام لا يعترف بغيره رابطة للمسلمين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: 10) وإن اختلفت قبائلهم وتباعدت ديارهم، بل كان الصحابة يقاتلون آباءهم وإخوانهم وأبناءهم والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «سلمان منا أهل البيت» مع أنه فارسي الأصل، والقرآن الكريم يقول: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (المسد: 1) مع أنه عم الرسول صلى الله عليه وسلم.
أما العصبية السياسية المعاصرة فليس لها أي رابطة سوى خط رفيع على الخارطة، وكثيرًا ما فصل هذا الخط بين أفراد القبيلة الواحدة حتى أصبح الطرفان في دولتين منفصلتين، وأصبح السفر إلى أمريكا أيسر من سفر أحدهما إلى الآخر، وكلنا يعرف هوية هذا القلم الذي مزق أمتنا كل ممزق، لذلك أرى أن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم يتوجه إلى العصبية السياسية أكثر مما يتوجه إلى العصبية الجاهلية، ويبدو لي أن الإسلام كان مؤثرًا في نفوس القبائل العربية الجاهلية التي نسيت أحقادها وأصبحت بنعمته إخوانًا، وفي صف واحد يجاهدون عدوًّا واحدًا، لذلك نصروا بالرعب من مسيرة شهر، أما المسلمون اليوم فقد هزموا بالرعب من مسيرة شهر؛ لأن العصبية السياسية قد حجمت كل بلد على نفسه وفصلته عن جاره: أهله وعشيرته، بحدود أقوى من سور الصين العظيم، ومن استطاع بعد لأي أن يجتاز هذه الحدود من بوابتها وجد نفسه غريبًا في العلاج والتعليم والوظيفة حتى الصداقة بله العواطف والمشاعر؛ مع وحدة اللغة والدين واللون وحتى الطعام، فإذا عاد إلى وطنه السياسي لم يكن أمامه إلا أن يعامل الغير كما عامله الغير، وهكذا تبقى معاملة القطيعة متبادلة بين الطرفين كبندول الساعة الذي يستمد حركته الدائمة من الحركة الأولى «الفعل ثم رد الفعل»، ثم تصبح الحركة ككل «ردود فعل متبادلة». وعليه فقد أصبحت العصبية السياسية اليوم تمثل مجتمعات الكراهية بين دول المنطقة الواحدة التي ينحدر شعوبها من أصل واحد ودينها واحد ولغتها واحدة، وثمرة هذا كله أنه لو شوهد أحدها يتعرض لحرب ضروس أو للقتل والإبادة وجاره الذي لا يفصله عنه إلا خط رفيع على الخارطة فقط لما تحرك لنصرته؛ لأن العصبية السياسية ملأت القلوب فأحبطت نخوتها ومروءتها حتى ولو سمع وشاهد ما يجري لأخيه من هتك الأعراض وقتل الأطفال وأكل القطط والفئران والكلاب والأعشاب، ولما زاد السوء سوءًا استعانوا بكل ما يجري على اللسان ولكن دون جدوى، فلم يبق أمامهم إلا أن يستعينوا من الرمضاء بالنار فصرخوا: «يا جورباتشوف احمينا» والشعوب الإسلامية حولهم تشاركهم بالأمنية والحسرة، وحياتها تجري كما هي: استقبالات رسمية، مناورات عسكرية، حفلات ومتاجر مفتوحة، وسينمات عامرة بروادها دون أي تغيير، مع أن الجميع يقول مقتنعًا: «لقد أكلت يوم أكل الثور الأبيض» ولكنه عاجز عن عمل أي شيء؛ لأن الكراهية المتبادلة التي صنعتها العصبية السياسية أحبطت كل استعداد لمساعدة الغير.
محصلة هذا كله يفسر لنا عدم اكتراث إسرائيل بالعرب داخل الأرض المحتلة؛ لأنها لم تكترث بمن هم خارجها أصلًا وإلى درجة الاحتقار حيث أشار الرئيس الراحل أنور السادات في مذكراته في معرض كلامه عن مدى استخفاف إسرائيل بالعرب قبل معركة أكتوبر بيومين: «... لدرجة أن أبا إيبان وزير خارجية إسرائيل في ذلك الوقت -أكتوبر 1973- قال لروجرز: إن أمريكا تقحم نفسها في أمور لا تهمها ولا يجوز أن تهتم بها، ثم عبر أبا إيبان عن رأيه في العرب بأن قال: إنهم قوم متخلفون ولن تقوم لهم قائمة ولا يعرفون إلا لغة البطش والرعب، وقد حان الوقت الذي سيأتون فيه راكعين مستسلمين لإسرائيل لأنها تعرف كيف تعاملهم».
إن نظرة أبا إيبان التي تفسر لنا سياسة إسرائيل الحقيقية مهما اختلفت التصريحات والمناورات هي المفهوم الرئيسي للعالم الغربي تجاه العالم العربي والعالم الثالث، وكما يظهر أيضًا من قول همفري بومن: «فهذا لويد جورج رئيس وزراء بريطانيا واللورد بلفور يعدان العرب قومًا صحراويين لا قيمة لهم، ويؤكد أنهم سوف يقنعون ببعض التوكيدات والضمانات التي تعطيها لهم الحكومة البريطانية، فإذا لم يقنعوا فقد يقومون في البداية ببعض حركات الشغب ولكنهم سرعان ما يعودون لصوابهم ويخلدون للسكينة بعد أن يروا رأس العصا على غرار قبائل الحدود الشمالية الغربية في الهند». «كتاب مستقبل التربية في العالم العربي في ضوء التجربة الفلسطينية، ص95».
أليس كلام أبا أيبان وكلام همفري بومن حلقتين منتظمتين في سلسلة واحدة لأنهما تصوران عقلية استعمارية واحدة، ولكن الانتفاضة الفلسطينية المباركة قد كذبت المقولتين باستمراريتها رغم انعزالها وقلة إمكانياتها؛ وذلك لصبغتها الإسلامية التي تستمد بها العون من الله سبحانه، ألم تكن الحجارة آلة الحرب على جيش أبرهة الذي قصد تدمير الكعبة؟! يقول سبحانه: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ (الفيل: 3، 4) وهو سبحانه قادر أن يلقي الرعب في قلوب اليهود من هذه الحجارة، ألم تقاتل الملائكة مع المسلمين في معاركهم الأولى؟! يقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (آل عمران: 123- 126).
والذي نوصي به إخواننا حماة القدس الشريف أبطال الحجارة أن يتوبوا إلى الله ويخلصوا جهادهم لله وحده ويقاتلوا بما عندهم من حجارة وعصي، فهي كلها من جند الله: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 139)، ولا تخشى الدوائر الاستعمارية من شيء كخشيتها من الإسلام لأنه وحده القادر على توحيد صفوف العرب بله المسلمين، لقد فشلت مشاريع الوحدة الثانية والثلاثية لأنها قامت على غير الإسلام «لا يصح إلا الصحيح».
لقد نجحت أوربا في صنع وحدة فعلية بينها عرفت باسم «السوق الأوربية المشتركة» حيث يتمتع رعايا الأعضاء بجميع الحقوق التي يتمتع بها الوطنيون في ذلك البلد، فضلًا عن حرية التنقل بالهوية الشخصية فقط مع اختلاف اللغة وعدم وجود أي رابطة دينية بينهما، أما العرب -فرغم وجود الوحدة الحقيقية من دين ولغة وتاريخ مشترك يمتد خمسة عشر قرنًا ولكنهم مشتتون؛ لأن العرب مادة الإسلام ولن يصلح حالهم بغيره؛ لأنه لو صلحوا لما وجد مسوغًا لتذكيرهم به، ولعل المصائب المتوالية عليهم لغيابه تكون بمثابة الواعظ المباشر والدائم لهم. ولعلاج كل ما سبق لا بد من وجود دولة عربية تفتح حدودها لجميع المسلمين لتكون مثابة لهم وأمنًا لتتوقف حركة البندول القائمة على الفعل ورد الفعل، وسوف تكون هذه الدولة من أقوى الدول لأنها سلكت نفس الطريق الذي نشأت فيه أمريكا، التي فتحت باب الهجرة إليها فتوافد عليا العلماء من كل مكان، ولا شك أن المهاجرين سوف يكونون من أصحاب الكفاءات؛ لأنهم الأقدر على الاستفادة من الفرص الجديدة.
أقول: هناك آلاف من العلماء المسلمين وفي مختلف التخصصات يعملون في أوربا وأمريكا، وهم يتمنون أن يفتح لهم بلد إسلامي بابه استبقاء لإسلامهم وإسلام أولادهم، على أن يكونوا مواطنين لا غرباء أجانب، عندها تنتهي مجتمعات الكراهية ونكون صادقين إذا قلنا: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: 10) ولكن «من يعلق الجرس».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل