العنوان معالم على الطريق.. حقوق الإنسان والخيال الاجتماعي
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يوليو-1993
مشاهدات 74
نشر في العدد 1059
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 27-يوليو-1993
حقوق الإنسان بين الواقع المستباح والكرامة الضائعة
تسمع دول كثيرة في العالم الإسلامي اليوم عن حقوق الإنسان، كما تسمع
عن العنقاء في التراث العربي، أو عن أفلام الخيال العلمي في العصر الحديث!! ولكن
أي حقوق تلك؟ ولأي إنسان؟ أهي حقوق الإنسان المسلم التائه في وطنه الممزق
المستباح، الذي لا يجد من يحميه أو يؤويه أو يرحمه في بلاده؟ أم هي حقوق الإنسان
الهائم بعدما طورد في دياره وشرد في أرضه، وسرق في وطنه، وطعن في كرامته، وذبح في
عرضه، وهزم في نفسه؟ وممن هذه الحقوق؟ من قومه الذين كانوا هم أول الآكلين
والمستبيحين والباغين؟ وهم أولى الناس به:
قومي هم قتلوا أميم أخي ** فإذا رميت يصيبني سهمي!!
أو من أعدائه العنصريين السفاحين المتربصين، الذين لا ترويهم دماؤه
الغزيرة، أو أشلاؤه المتراكمة، ولا تقنعهم أمواله المنهوبة، وخاماته المستباحة،
وأراضيه المغتصبة، أو تثنيهم صداقته الأكيدة، أو عمالته المخلصة؟ وهيهات هيهات أن
ينال هذا أو ذاك إلا بتربية وشخصية، وتصميم واقتدار، وعقل وحنكة وبصيرة.
فلسفة القوة واسترداد الحقوق
إن حقوق الأفراد لا تؤخذ إلا بالعزائم، وحقوق الأمم لا تنال إلا
بالكفاح، ليس بالتمني أو التدني، ولكن تؤخذ الدنيا غلابًا، إن لغة العزائم،
وخطابات الكفاح لا تتسول من أحد، أو يعثر عليها في الطريق العام، ولكن تربى عليها
الأمم، وينشأ عليها الأفراد والشعوب، كما أن انحطاط الدول وذهاب ريحها، وتقاعس
الأفراد وانفراط عقدهم لا يأتي من فراغ، وإنما يأتي من ضياع الراعي للرعية، ويتأكد
باستبداد المربي للناس، ويترسخ باستلاب المتسلط للعزائم.
يقول العلامة ابن خلدون: «إن الحاكم إذا كان قاهرًا باطشًا بالعقوبة،
منقبًا عن عورات الناس، وتعديد ذنوبهم، شملهم الخوف والذل، ولاذوا منه بالكذب
والمكر والخديعة، فتخلقوا بها، وفسدت بصائرهم وأخلاقهم، وربما خذلوه في مواطن
الحروب والمدافعات، ففسدت الحميات بفساد النيات، فتفسد الدولة، ويخرب السياج».. ثم
يقول: «إن التعدي والظلم عائدة الخراب في العمران، وعلى الدولة بالفساد والانتقاض،
وكل من أخذ ملك أحد أو غصبه في عمله، أو طالبة بغير حقه، أو فرض عليه حقًا لم
يفرضه الشرع فقد ظلم.. ووبال ذلك كله عائد على الدولة بالخراب وضياع العمران الذي
هو مادتها، وهذه هي الحكمة المقصودة من تحريم الظلم».
محصلة عصور القهر والضياع
إن مسلسل الهزائم والنكسات والنكبات الذي تعيشه الأمة في هذا العصر
ليس وليد الصدفة العمياء، أو نتاج الحوادث البلهاء، وإنما هو محصلة عصور من الضياع
النفسي والخلقي، والقهر المادي والجسدي، الذي تتعرض الأمة إليه حتى هدت قواها،
وحطمت عزائمها، وأصيبت بالهوان على نفسها وعلى الناس.. وصدق القائل:
من يهن يسهل الهوان عليه ** ما لجرح بميت إيلام
فالذي يُعذب في بلده إذا ضرب في بلد آخر- فقط- يعتبر ذلك من كرم
الضيافة، ومن يُقتل في بلده ثم يعذب في بلد آخر- فقط- يشكر الله على نعمه، ويحمده
على إحسانه، ومن يتعرض للسخرة والتجويع في أمته، فإن وجد الفتات في أمة أخرى، عد
هذا من الحظوظ التي لا تكفر، والتي يجب أن يعض عليها بالنواجذ.
أمثال هذه الأمم تعيش كالقطعان ليومها وساعتها فقط، وللقمتها وكفافها،
وللحفاظ على نفسها دون تطلعات أو تفاعل مع الغير، ولهذا تجدها تغذي نفسها بالأمثال
التي تعبر عن شخصيتها تلك، مثل: «أحييني اليوم وموتني بكرة»، «إذا جاء الطوفان حط
ابنك تحت رجليك»، ولهذا لا تُطالب الشعوب المظلومة بإنتاج وهي مسخرة، وممتصة حتى
النخاع، ولا تنال حتى الفتات، ولا تُطالب هذه الأمم بإبداع أو نبوغ، وهي شاردة
العقل ذاهلة اللب، تُسحب إلى أقدارها كما تُسحب الدواب، وتُسحق كما تسحق الهوام،
ولا تُطالب هذه الملايين بكفاح أو دفاع عن أرض أو ديار، وهي مسلسلة بالأغلال،
تتساقط بين الحين والحين بين يدي الجلادين، وبالرصاص، وعلى أعواد المشانق.
غياب الأمان وفقدان الهوية
إن هذه الأمم اليوم أصبحت لا تؤتمن حتى على نفسها من القهر والترويع،
والمسخ الذي تتعرض له، وصدق عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- إذ يقول لافتًا إلى هذا
المصير: «ليس الرجل بمؤتمن على نفسه إن أجعته، أو أخفته، أو حبسته أن يعترف على
نفسه، أي بما لم يفعل»، وقد كان والله بفعل صراع البقاء، أو للتخلص مما يعانيه من
مصائب!! وإنه لمن المؤلم حقًّا- ونحن أمة الإسلام- أن يطالبنا الكفرة بأن نعدل في
بلادنا، ويحتج علينا الأعداء بظلمنا لشعوبنا، وقهرنا لأمتنا، ونحن نعلم أنهم
ظالمون، ومتربصون، وشامتون؛ ولكنه إظهار للشماتة بلغة حضارية، وإشاعة للفضيحة
بلهجة دعائية، وادعاء للسمو والتعالي بخطاب عصري، وازدراء عنصري بحديث دبلوماسي.
أليس هذا من المضحكات المبكيات؟ ولكن وبصراحة هل نسائل أنفسنا- ولو
لمرة واحدة- أين نحن من حقوقنا الإنسانية في الإسلام التي تفخر الدنيا بها؟ ونحن
في دياره نقول وبحسرة عاتية:
هِيَ الشَمسُ
مَسكَنُها في السَماءِ** فعزي الفؤاد عزاءً جميلا
فلن تستطيع إليها صعودًا **
ولن تستطيع إليك النزولا
وهل نحن في هذه الحال نرقى إلى حقوق الإنسان أم إلى حقوق الفئران؟!!
اقرأ أيضا:
قبل سبعة قرون.. كيف تنبأ ابن خلدون بسقوط الدول؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل