العنوان حقائق في وثائق.. التفرقة العنصرية في جنوب افريقيا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-مارس-1990
مشاهدات 71
نشر في العدد 959
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 20-مارس-1990
في سلسلة الوثائق التي نعرضها، نعرض
لكتاب التفرقة العنصرية كما تمارس في جنوب القارة، وبه تبرز لنا حضارة الرجل
الأبيض في ظلمها وغشمها وأنانيتها المفرطة، والتي بها تستبيح كل شيء: السلب والنهب
والاغتصاب، كل ذلك مشروع عندها ما دام يحقق للرجل الأبيض ملذاته وشهواته. بل هو
الحق والعدل، فما خُلق الأبيض إلا ليكون سيدًا ومن عداه فهم عبيد في خدمته، وبه
ينكشف زيف تلك الحضارة وزيف المبادئ التي تدعيها وكذب وخداع الرايات التي ترفعها،
وبه كذلك تعرف قيمة الإسلام العظيم الذي أنعم الله به على البشر. يتحدث هذا الكتاب
عن التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا، معاملة الرجل الأبيض للرجل الأسود، امتيازات
المرأة البيضاء، الرق والعبودية، معسكرات العزل، المخدرات، الدعارة المتفشية بين
الزنوج، الحياة الاجتماعية بين الزنوج، عمال المناجم، اتحاد التجارة الأفريقي،
المقاومة الأفريقية ضد التفرقة العنصرية، التغييرات الاقتصادية بعد الحرب العالمية
الثانية، مزارع البيض والسود، التعليم، ...إلخ.
وسائل الإخضاع
وسأعطي مقتطفات فقط على سبيل المثال
لترى كيف يعامل الرجل الأبيض السكان الأصليين للقارة وكيف يحاول المستعمر بكافة
السبل إخضاع الرجل "الملون" حتى يحقق مآربه للاستيلاء على ثروات القارة
الأفريقية، فتارة يستعمل المخدرات وأخرى العزل وأخرى تفريق الشمل بين الأسرة
الواحدة وأخرى القمع والسجن وأخرى السلاح يفتحه ويطلقه على المظاهرات فيسقط الجرحى
والقتلى، كلها وسائل إرهاب نراها ونحسها ونحن نشاهد نسخة طبق الأصل من إسرائيل في
الشرق الأوسط.
أحزاب الرجل الأبيض
يقول الكاتب: ص 13: سياسة الأحزاب: أ -
حزب جنوب أفريقيا (بوثا 1910): إن سياسة حزبنا هي تفضيل المسألة الوطنية فوق كل
اعتبار وإن نعامل الأجناس الملونة بروح من الديمقراطية والتسامح. كما يجب أن نشجع
الاستيطان الأوروبي وألا نسمح لأي عنصر آسيوي بالهجرة إلى جنوب أفريقيا.
ب - الحزب الوطني (هيرتزوج) 1914: إن
المبدأ الأساسي للحزب هو السيطرة الكاملة للعنصر الأوروبي المؤمن بالديانة
المسيحية وأن حزبنا لينبذ مبدأ الخلط بين الأجناس. كما يؤمن الحزب بالحد من الهجرة
الآسيوية إلى البلاد.
ج- حزب العمل (1910): يؤمن الحزب بالحد
من انتقال الملونين إلى الأحياء الأوروبية كما يؤمن أعضاء الحزب بإنشاء المستوطنات
الخاصة بالملونين، ويشجع الحزب هجرة الآسيويين خارج البلاد وتصفية البلاد منهم
نهائيًّا. وتتحد جميع أحزاب جنوب أفريقيا (أحزاب الرجل الأبيض) بأن الزنوج يجب أن
يوضعوا تحت إشراف الرجل الأبيض، ولا بد أن يعرف الزنوج أن كلا الجنسين لا يمكن
إطلاقًا أن يصبحوا واحدًا. ولذلك فإن الزواج بين السود والبيض محرم إطلاقًا
ومستحيل وسوف يؤدي إلى الضرر والندم. إن التفرقة العنصرية هي الحل الوحيد للفصل
بين الأسود والأبيض.
ص 19, 17: بالرغم من أن بعض الزنوج قد
حصلوا على تعليم جيد كما حصلوا على تدريب جيد في بعض المهن وتبنوا أسلوب الحياة
الغربي وأصبحوا إلى حد ما على قدر من التمدين إلا أنهم ما زالوا منبوذين من الرجل
الأبيض ولا مكان لهم في جنوب أفريقيا... والعمل الوحيد الذي يتاح لهم هو خدمة
الرجل الأبيض وستظل جنوب أفريقيا دولة الرجل الأبيض.
ص 18: الحياة في معسكرات التجميع
The Reserves
1- في عام 1936 أصبح سكان معسكرات التجميع للسود
بواقع 82 شخصًا لكل ميل مربع بينما الرجل الأبيض 21 شخصًا لكل ميل مربع.
2- الأحوال داخل المعسكرات لا تصلح لمعيشة
الإنسان حيث القذارة منتشرة وليست هناك أي وسيلة للزراعة.
أ - حيث كان الرجال القادرون على العمل
واللائقون صحيًّا يرحلون إلى مناجم النحاس والفضة وترك فقط العجزة وكبار السن.
ب - هناك نقص في الأدوات الزراعية.
ج - الآبار للري لم تكن متوفرة.
د - عدم الوعي الزراعي والنتيجة، قلة
المحصول والمجاعة وتفشي الأمراض والموتى بالمئات بين السود.
هـ - وأخيرًا فُرضت ضرائب باهظة على الإنتاج
الزراعي للسود.
الناحية الاجتماعية ص (19)
أ- الأزواج والزوجات: 90% من حالات
الزواج التي عُقدت يترك الزوج زوجته بعد أشهر قليلة من الزواج ويرحل إلى المناجم
وأحيانًا يترك الزوج زوجته بعد أسابيع قليلة، وهكذا نرى أنه لم يكد الزوج يستمتع
بمباهج (بمتع) الحياة الزوجية حتى يضطر إلى الاستغناء عن هذه المتعة للبحث عن
العمل لدى الرجل الأبيض، ورحلة العمل هذه قد تكون إلى ما لا نهاية. والنتيجة:
1- رجال يبعدون عن زوجاتهم ويقيمون في معسكرات
للعمل مملوءة بكل المغريات التي تجعل أشد الرجال تحكمًا في شهواته يستسلم لتلك
المغريات ويبعد عن العفة إطلاقًا.
2- زوجة تقيم في معسكرات التجمع معها أولادها
وزوجها بعيد ولا يعلم إلا الله متى يعود... الزوجة محتاجة للمال للإنفاق
والحياة... محتاجة إلى الزوج لتربية الأولاد... محتاجة إلى الزوج نفسه لممارسة
الحياة الزوجية... مثل هذه الزوجة هل تقاوم إغراء ونداء الحياة؟ وهكذا نجد الزوجة
تلجأ إلى وسائل آخرها الذل والنفاق لجمع المال، وهل هناك احترام للحياة إذا عرفت
الزوجة معنى الإذلال والاحتقار وبيع الجسد؟!
ب- البنات: يُرسل الآباء والأمهات
بناتهم للعمل في المدينة بسبب الأحوال الاجتماعية السيئة السائدة في المعسكرات،
ويعلم الآباء والأمهات أن الفتيات سيرجعن إلى بيوتهن في حالة تختلف كل الاختلاف
عما تركن، على الأقل فإن بعض البنات سيكنَّ حوامل وتخضع الأغلبية للمقدر والمكتوب.
ج- إن كثيرًا من الآباء والأمهات في
قبائل البانتو قد فقدوا سيطرة الآباء على الأبناء تلك السيطرة التي كانت قائمة منذ
أمد بعيد. كثير من الآباء يعملون في المناجم بعيدًا عن الأسرة. يتربى الأولاد
بعيدًا عن الأب فلا يجدون من يعظهم ويبين لهم الطريق السوي. تكون بعض الأمهات في
المدينة يعملن بالخدمة في بيت الرجل الأبيض. وهكذا شب جيل من الفتيان والفتيات
وبلغوا من الرشد في غفلة من آبائهم وأمهاتهم. وفي هذه السن الخطرة إن لم يجد هؤلاء
وأولئك الرعاية انفلت الزمام فلا إنتاج ولا عمل ولا حراثة للأرض.
وكثير من الرجال السود الذين يعملون في
المناجم أو في المدن خارج معسكرات التجميع لا يحق لهم اصطحاب زوجاتهم معهم حيث صدر
قانون يحرم على الزنجي العيش مع زوجته داخل المدينة إلا إذا مضى عليه أكثر من 15
سنة أو عمل مع صاحب الشركة لمدة 10 سنوات متوالية. يقول علم الأجناس وعلم الاجتماع
أن الأسرة هي أساس المجتمع والحياة الاجتماعية وإذا تحطمت الأسرة فإن الفوضى تعم
المجتمع ويصبح انحدار الدولة أمرًا محتومًا. وهذا ما يحدث في دولة جنوب أفريقيا.
ص 23: مخيم مالاي
هذا وصف لما يدور في مخيم مالاي الذي
يسكنه الزنوج عندما تدخل مخيم مالاي ستجد مجموعة من الشوارع المتقاطعة وكل الشوارع
بلا استثناء ضيقة جدًّا ومن الأفضل أن تقول أنها "أزقة" جمع زقاق وكلها
تسودها القذارة ويلفها الظلام. وتخفي البيوت بداخلها وهي حياة أشبه بالموت البطيء
ولو نظرت إلى أعين السكان تجد فيها الكراهية والحب، حب الزنوج لبعضهم البعض
وتآخيهم وكراهيتهم للرجل الأبيض. وسوف تغوص أقدامك في الوحل المتراكم على الأرصفة
وبرك الماء الآسن الذي يملأ الأزقة. وتملأ أذنيك صياح الأطفال الذين يلعبون في هذه
البرك، وعلى النواصي تجد الزنوج يلعبون القمار وعلى النواصي الأخرى تجد العاهرات
بصحبة القوادين ينادون على بضاعتهم البشرية... هنا وهناك مزيج غريب من الأصوات صوت
بيانو غناء أجش كما لو كان ولولة على شخص توفي لا تجد فيهما المرح والسعادة ولكن
البكاء والعويل - سباب ولعنات وعراك بين لصوص يقتسمون الغنيمة. ولكن بالرغم من كل
ذلك دفء وحياة: الدفء الذي يشع من الأجساد التي تكافح الحياة التي تتحرك من أجل
لقمة العيش دفء أقوى من ليالي الشتاء الباردة وأقوى من الأرض والجو والشمس... دفء
يدفع بالملونين للمطالبة بحقوقهم دفء الحياة والسعي لها وتحقيقها رغم كل الصعاب
التي تواجهها.
ص 24: التمدين Urbanisation
لقد حصل الزنوج على نوع من الحرية
وأصابهم قسط من التمدين وصدرت بعض القوانين التي في صالح الزنوج وأدى ذلك إلى
نتائج كثيرة: 1- صدرت كتب ومجلات تهاجم الزنوج وتطالب بتأكيد التفرقة العنصرية
والاجتماعية واسم الكتاب "نوتي" ويحكي هذا الكتاب الورطة التي وقع فيها
أحد المزارعين البيض لأنه استأجر أحد الأكواخ في جوهانسبرغ من أحد الهنود
الآسيويين، وأدى ذلك إلى خوف غير معقول في أوساط البيض إذ كيف يعيش رجل أبيض في
وسط الهنود. إن هذا سوف يشجع التزاوج بين الرجل الأبيض والملونين أو قد يؤدي إلى
أولاد غير شرعيين. 2- كما صدرت رواية أخرى هزت المجتمع الأبيض في جنوب أفريقيا
ومؤلفها كاتب شاب اسمه وليم بلومر واسم الرواية "السمك الذئب" (Turbott Wolf).
والبطلة هنا فتاة أفريقية جذابة وجميلة وتظهر احتقارها واشمئزازها من أحد
الأوروبيين لزواجه من فتاة أفريقية مسيحية. والزواج بين البيض والسود ممنوع في
جنوب أفريقيا بقوة القانون وكذلك العلاقات الجنسية بين السود والبيض ممنوعة علنًا
(1) خوفًا من وجود جنس جديد مخلط (بزراميط) لا هو بالأبيض ولا بالأسود. ومن يخالف
ذلك يعاقب بالحبس 10 سنوات حسب القانون (Immorality Act 1961).
3- دور الكنيسة في جنوب أفريقيا: توجد في جنوب أفريقيا أكثر من 511 كنيسة خاصة
بالسود وكان عددها في عام 1932 حوالي 213 وبعض هذه الكنائس تتبع المذهب
البروتستانتي. لا تمانع الكنيسة في تعدد الزوجات (Polygamy)
وكذلك إقامة بعض العادات الاجتماعية الأفريقية. تقيم الكنائس من وقت لآخر حفلات
تتسم بالأبهة والفخامة (!) وفي هذه الحفلات يشعر الرجل الأسود بالراحة التامة
وتستريح نفسيته مما يلاقيه من ظلم وعنت الرجل الأبيض.
- يشعر الملونون بأن الكنيسة هي منقذتهم والرسول الذي يعطيه صك الأمن
والأمان.
التعليق:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا
خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ
لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ
عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. يا أيها الناس يا أيها المختلفون أجناسًا وألوانًا إنكم من أصل واحد
فلا تختلفوا ولا تتفرقوا ولا تتخاصموا، يا أيها الناس من ذكر وأنثى إن الغاية من
جعلكم شعوبًا وقبائل أبيض وأسود ليست التناحر والخصام إنما هي التعارف والوئام.
فأما اختلاف الألوان واختلاف الطباع واختلاف المواهب والاستعدادات فتنوع لا يقتضي
النزاع والشقاق بل يقتضي التعاون للنهوض بجميع التكاليف والوفاء بجميع الحاجات
وليس للون والجنس وسائر هذه المعاني من حساب في ميزان الله. إنما هناك ميزان واحد
تتحدد به القيم ويعرف به فضل الناس: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ
أَتْقَاكُمْ﴾. وهكذا في الإسلام تسقط جميع الفوارق وتسقط جميع القيم ويرتفع ميزان
واحد بقيمة واحدة وإلى هذا الميزان يتحاكم البشر. هناك سبب واحد واضح للألفة
والتعاون: ألوهية الله للجميع وخلقهم من أصل واحد. كما يرتفع لواء واحد يتسابق
الجميع ليقفوا تحته: لواء التقوى في ظل الله، وهو اللواء الذي رفعه الإسلام لينقذ
البشرية من عقابيل العصبية للجنس والعصبية للأرض. إن الإسلام دين العدل والمساواة
ولقد كان بلال الحبشي يقف في صف واحد في الصلاة مع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي خلف
الرسول الأعظم لا تفرقة بين عبد حبشي وأهل قريش. لما نحَّى عمر بن الخطاب خالد بن
الوليد عن قيادة جيش المسلمين في موقعة اليرموك وعيَّن بدلًا منه أبا عبيدة الجراح
كان خطاب التنحية مع بلال الحبشي.
- لما طعن أبو لؤلؤة المجوسي عمر بن الخطاب أراد الناس قتل أبي لؤلؤة
فمنعهم عمر بن الخطاب وقال لهم إن من رجلًا برجل. من أقوال عمر بن الخطاب:
"الناس سواسية كأسنان المشط". "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم
أمهاتهم أحرارًا" وقد قال ذلك لابن عمرو بن العاص عندما ضرب المصري،
وتلك دلالة على عدم التفرقة بين العرب والموالي.
- لا يسمح الشرع بتفرقة الزوجين لمدة طويلة وهناك قصة سيدنا عمر عندما
أمر ألا يغيب الجند في ميدان القتال أكثر من ثلاثة أشهر. الإسلام دين
المساواة والتسامح: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي
الْأَلْبَابِ﴾ "ومن عُفي له من أخيه شيء". ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ
فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ
بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ
قِصَاصٌ﴾. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تحاسدوا، ولا تناجشوا،
ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله
إخوانًا. المسلم أخو المسلم: لا يظلمه ولا يخذله، ولا يكذبه، ولا يحقره،
التقوى ههنا - ويشير إلى صدره ثلاث مرات - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه
المسلم - كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه" (رواه مسلم).
وهكذا نرى الإسلام يساوي بين الجميع، وإن بدعة التفرقة العنصرية المطبقة في
بعض بلاد الغرب والتي تفرق بين رجل ورجل وامرأة وامرأة فقط لأن هذا أسود وهذا
أبيض ليست موجودة في الإسلام. إن التفرقة بين الناس لمجرد لون البشرة فيه
إذلال واحتقار ومهانة للنفس البشرية ويخلق الكراهية والبغضاء بين أفراد الأمة
الواحدة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل