العنوان «قضايا الجيل الجديد»: ظاهرتا الغش وتسريب أسئلة الامتحانات ومدلولها التربوي البعيد
الكاتب جمال الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 24-مايو-1977
مشاهدات 57
نشر في العدد 351
نشر في الصفحة 10
الثلاثاء 24-مايو-1977
- الغش وتسريب الامتحانات نذيرًا خطر بفشل الخطط التربوية
- يجب أن يتم التعاون بين وزارة التربية ووزارة الإعلام لنضمن تربية سليمة
إن المتطلع إلى الأوضاع التربوية في كويتنا الحبيبة يستطيع أن يتنبأ بسهولة أن الكويت مقدمة، بفضل جهود بعض المخلصين من أبناء هذه الأمة، مقدمة على طفرة تربوية كبيرة، تساهم في رفع المستوى التعليمي والدراسي، وتساهم أيضًا في تلافي كثير من عيوب المدرسة التقليدية التي ظلت تسيطر على النظم التربوية في الوطن العربي، والتي نقلت بحكم الاتصال وتبادل الخبرات إلى الكويت.
ولعل على رأس قائمة هذه التحولات التربوية استحداث نظام المقررات والوحدات الدراسية التي نستطيع أن نصفها باختصار، فنقول إنها نظام يهدف إلى إعطاء الطالب مهارات التعلم الذاتي، وحب المعرفة، وكيفية البحث عنها بنفسه؛ عن طريق ما يوفر له من مكتبات ووسائل سمعية وبصرية. وهذا يستلزم بطبيعة الحال أن تتغير طرق تقويم الطالب دراسيًا، فسيكون حتمًا على هذا النظام أن يقيم نشاط الطالب واندفاعه الذاتي، ومدى اكتسابه للمهارات العلمية والمهنية، تقويمًا مستمرًا خلال أيام السنة الدراسية دون الاعتماد، كما هو حادث الآن، على الامتحانات التحريرية التي تأتي في نهاية كل سنة دراسية، فيقيم الطالب فيها على مدى ما حفظه من مادة علمية ينساها بعد تأدية الامتحان.
هذه المقدمة ضرورية حتى نستطيع أن نبين الخطورة التي تحملها ظاهرة الغش في الامتحانات الحالية، وظاهرة تسرب بعض أسئلة الامتحانات سواء بصورة أسئلة تؤخذ من ورقة الأسئلة المعدة في المدرسة، أو بصورة غير مباشرة عن طريق الإيحاء لبعض الطلبة بالتركيز على بعض المواضيع التي رؤى أنها قد طرقت في ورقة الأسئلة المعدة.
إن هاتين الظاهرتين الخطيرتين تعكسان وللأسف الشديد تزعزعًا في التربية الخلقية لدى بعض الطلبة والمدرسين، فالطالب الكويتي- كما يبدو من انتشار هاتين الظاهرتين في صفوفه بصورة خاصة - يفتقد إلى الوازع الخلقي، والضمير الحي الذي يملي عليه أن يرفض مثل هذه الظواهر اللاأخلاقية التي تعود بأسوء النتائج على مستقبله ومستقبل أمته العاثرة التي تنتظر الخلاص مما هي فيه، فهو لا يفكر في أن حصوله على الشهادات العلمية دون استحقاق فيه غش للأمة، وتعثر في مسيرتها، بقدر ما يفكر في كيفية حصوله على هذه الشهادات التي تفتح له أبواب الوظائف الحكومية، وما يتبع ذلك من سيارات وقسائم وأسهم وكافة متع الحياة.
لكننا في نفس الوقت لا نستطيع أن نلقي اللوم على هذا الطالب المسكين، فأقلامنا ما تحركت إلا لتعالج قضاياه، لا لتجريحه ووضعه في قفص الاتهام، نقول إننا لا نستطيع أن نلقي اللوم على هذا الطالب المسكين؛ لأنه دخل المدرسة طينة لينة قابلة للتشكيل، وللأسف الشديد لم يجد هذا الطالب العناية الكاملة بتربيته تربية أخلاقية سليمة تضمن له هذا الوازع والضمير الحي، ولكنه بالمقابل وجد مجتمعًا مدرسيًا لا يكاد يتميز عن مجتمع الشارع إلا بتنظيم التلاميذ فيه وتلقي كمية لا فائدة فيها من العلم الأجوف، وجد مجتمعًا مدرسيًا توجد فيه أصناف من المدرسين الذين تولوا عملية التربية، لا يحرصون على زرع هذه القيم الأخلاقية الأصيلة بقدر ما يحرصون على جمع أكبر كمية من المال؛ عن طريق بيع الأسئلة أو الدروس الخصوصية التي تملي عليهم مساعدة تلاميذهم الخصوصيين في الامتحان، فيسهلون لهم عملية الغش واستخدام البراشيم وغيرها.
هذه الأصناف من المدرسين، ولا أقول كل المدرسين، ساهمت بشكل أكيد وفعال على إصابة الطالب الكويتي بمرض فقر الأخلاق، وعدم الشعور بالوازع الخلقي والوطني؛ لأن الطالب أو التلميذ - وخصوصًا في مراحل عمره الأولى في المدرسة الابتدائية والمتوسطة- يمتلك قدرة كبيرة على التشكل حسب ما يمليه عليه الجو المدرسي الذي يعد بيئة تربوية لها وزنها في حياته، إذ تستغرق منه ما لا يقل عن ربع يومه. أضف إلى ذلك أن الطالب بعد أن افتقد للتربية الخلقية وعنصر القدوة في حياته، وجد أن الحياة الدراسية لا تتعدى كونها صنعة تجارية بينه وبين مدرسه الخصوصي، أو مشهد من تمثيلية بوليسية تظهر فيها براعته في نقل المعلومات إلى ورقة الإجابة.
والآن يحق لنا أن نسأل: هل انتبه المسؤولون في وزارة التربية إلى خطورة هذا الأمر فيما هم مقدمون عليه من تحولاتٍ تربويةٍ في المستقبل القريب؟ هل ستحظى التربية بمفهومها الأصيل، وهو تشكيل الطالب تشكيلًا سليمًا حسب عقيدة المجتمع وقيمه وتراثه الصالح بالأهمية اللازمة؟ هل درست أسباب هذه الظواهر اللاأخلاقية، ووضعت الحلول الناجحة لها؟
وقبل أن نحصل على الإجابة، نود أن نعطي تصورنا بصدد هذا الموضوع الخطير الحساس؛ فنقول: إن نظام المقررات والوحدات الدراسية يعتمد بصورةٍ كبيرةٍ، كبيرةٍ جدًا، على مدى إخلاص المدرس وطرحه للموازين المادية في عملية التربية جانبًا، ويعتمد أيضًا على مدى ما يتوفر عند الطالب من قناعةٍ أكيدةٍ بأهمية العلم والتعلّم، وهذا لا يتأتى إلا برؤيته ومعاشرته للأصناف المخلصة من المدرسين، لذلك تقول إن تطبيق نظام المقررات، أو أي تحول في النظام التربوي لن يؤتي ثماره بمجرد تحويل المناهج وطرق الدراسة من الطرق التقليدية إلى الطرق الحديثة؛ فإن مجرد التحويل لا يضمن لنا ذلك الصنف من المدرسين الذين يطرحون الموازين المادية من علاواتٍ ودروسٍ خصوصيةٍ جانبًا، كما أن مجرد التحويل لن يضمن لنا القضاء على هذه الظواهر اللاأخلاقية المُنتشرة في صفوف الطلبة.
فالقضية أعمق من التحويل، وأكبر من التدريس، إنها قضية تربية للطالب، وتعديل لسلوكه، وتنمية لوازعه الخلقي وضميره وإحساسه بمشاكل أمته.
انطلاقًا من هذا التصور وحتى لا نُصاب بخيبة أمل عند تطبيقنا لهذه النظم التربوية الحديثة، نُطالب بالآتي:
أولًا: يجب أن ينظر وبعمقٍ في نوعية المربين الذين ينتدبون لتربية أبنائنا، فالمؤهل العلمي وحده لا يكفي، فكما قلنا إن التربية لا تعني التعليم فقط. وحتى نتلافى ما يتردد في أننا لا نستطيع أن ندقق في كل مدرس نندبه للتدريس نقول:
يجب على وزارة التربية وجامعة الكويت الاهتمام باستقدام وإعداد المدرسين المؤهلين الثقات الذين يُراعى فيهم أول ما يُراعى أهليتهم للتربية وإعداد النشء. باختصار يجب أن تهتم وزارة التربية بإعداد المدرس الكفؤ، فكما أنه لا فائدة لسيارة بدون سائق؛ فلا فائدة لنظامٍ حديثٍ بدون المدرس الكفؤ الثقة.
ثانيًا: يجب أن يكافأ المدرسون على جهودهم، وأن ترصد لهم ميزانية أكبر، وأن يعطوا حقهم ماديًا من قبل الحكومة؛ حتى لا نسمح لفرص الحاجة المادية أن تساهم في انتشار مثل هذه الظواهر اللاأخلاقية من بيعٍ للأسئلة أو تسهيلٍ للغش في الامتحانات.
ثالثًا: يجب أن تعي وزارة التربية للأثر الكبير الفعال للمدرسة والمدرس على الطالب، وانطلاقًا من هذا الوعي يجب على الوزارة أن لا تغفل مطلقًا عن التفرقة بين مفهوم التربية الذي هو إعدادٌ وتنشئةٌ المواطن الصالح، وبين مفهوم التعليم الذي لا يتضمن إلا جانبًا بسيطًا من جوانب التربية وأهدافها وهو اكتساب المعلومات.
رابعًا: يجب أن تكون تربية الطالب الكويتي منطلقةً من عقيدة مجتمعه الإسلامية التي تُنظّم جوانب الحياة كلها، ولا يتأتى ذلك إلا بتوفير الأجواء الإسلامية في المدرسة والشارع والتلفزيون والراديو. فالتربية كما نفهمها ليست خاتمًا يختم به الطالب فيتربى، ولكنها أسلوب حياة نرتضيه له وتنطبع حياته بطابعه. وهذا يقتضي التنسيق بين وزارة التربية ووسائل الإعلام المختلفة من صحافة وراديو وتلفزيون، وإلا فالأمر معروف وهو أن ما نبنيه في المدرسة يهدمه الشارع والبيت بوسائل الإعلام المختلفة.
خلاصة القول إن هاتين الظاهرتين: الغش وتسريب أسئلة الامتحانات تعكسان لنا صورةً لا أخلاقيةً قاتمةً تجعلنا نحذر ونصيح ونطالب بشدة بما طالبنا به قبل قليل، وإلا فكل ما يتصور أن الكويت مقدمة عليه من نهضة تربوية سيكون نفخًا في رماد، أو صيحةً في واد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل