; سفر يشوع «سفر المجازر» وسياسة إسرائيل | مجلة المجتمع

العنوان سفر يشوع «سفر المجازر» وسياسة إسرائيل

الكاتب د. محمد علي البار

تاريخ النشر الثلاثاء 09-سبتمبر-1986

مشاهدات 64

نشر في العدد 782

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 09-سبتمبر-1986

  • سياسة إسرائيل تقوم على نصوص توراتية تدعو إلى طرد جميع سكان الأرض التي تطؤها أقدام إسرائيل
  • شعب بلا أرض وأرض بلا شعب فكرة صهيونية روجها الكاتب الأميركي مارك توين
  • الولايات المتحدة الأميركية تقوم بحملات منظمة في الكنائس لدعم مواقف إسرائيل
  • في العصور الحديثة تعمقت لدى اليهود فكرة أحقيتهم في استلاب أرض الغير وإبادتهم دون رحمة أو شفقة

يعتبر سفر يشوع سفر المجازر، ويشوع هو يوشع بن نون فتى موسى وأحد أنبياء بني إسرائيل ولكن التوراة المحرفة تفتري عليه الكذب كما افترت من قبل على إبراهيم وإسحاق ويعقوب والأسباط وموسى وهارون.

ويبتدأ سفر يشوع من الإصحاح الأول بوعد من الرب بإعطائهم أرض الشعوب القاطنة في فلسطين والأردن ولبنان وسوريا.. ثم أوامر من الرب بإقامة المذابح المتتالية.

ففي الإصحاح الأول 1-7 جاء ما يلي:

«كلم الرب يشوع بن نون خادم موسى قائلًا: موسى عبدي قد مات. قم اعبر هذا الأردن أنت وكل هذا الشعب إلى الأرض التي أنا معطيها لهم. كل موضع تدوسه أقدامه لكم أعطيته (هكذا دون تحديد أي حدود لدولة إسرائيل) من البرية ولبنان إلى النهر الكبير نهر الفرات. جميع أراضي الحيثيين وإلى البحر الكبير نحو مغرب الشمس يكون تخومكم لا يقف إنسان في وجهك».

وفي الإصحاح السادس من سفر يشوع يسقط سور أريحا بمجرد هتاف إسرائيل ونفخ البوق وتبدأ المجزرة قال الرب حسب زعمهم: «فتكون المدينة وكل ما فيها محرمًا للرب (أي إبادة يباد) راحاب الزانية فقط تحيا وكل من معها في البيت لأنها قد خبأت الجاسوسين... وحرموا كل ما في المدينة من رجل وامرأة وطفل وشيخ حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف. وأحرقوا المدينة بالنار مع كل ما بها... وحلف يشوع في ذلك الوقت ملعون قدام الرب الرجل الذي يقوم ويبني هذه المدينة».

وفي الإصحاح الثامن سفر يشوع «قال الرب ليشوع: قم واصعد إلى عاي انظر قد دفعت بيدك ملك عاي وشعبه ومدينته وأرضه.

وتفعل بعاي وملكها كما فعلت بأريحا وملكها غير أن غنيمتها وبهائمها تنهبونها لنفوسكم».

«وكان لما انتهى إسرائيل من قتل جميع سكان عاي في الحقل وفي البرية حيث لحقوهم وسقطوا جميعًا بحد السيف حتى فنوا أن جميع إسرائيل رجع إلى عاي وضربوها بحد السيف. فكان جميع الذين سقطوا في ذلك اليوم من رجال ونساء اثني عشر ألفًا، جميع أهل عاي.. ويشوع لم يرد يد التي مدها بالمزارق حتى حرم جميع سكان عاى (أي قتل جميع السكان بما في ذلك النساء والأطفال) لكن البهائم وغنيمة تلك المدينة نهبها إسرائيل لأنفسهم حسب قول الرب الذي أمر به يشوع. وأحرق يشوع عاي وجعلها تلا أبديًا خرابًا إلى هذا اليوم».

وتتوالى المجازر في أورشليم ولخيش وعجلون وحبرون ويرموت... وجاء سكان جعبون وسلموا أنفسهم لإسرائيل «ورضوا بأن يكونوا لهم عبيدًا أبد الدهر» كما تقول التوراة المحرفة، ومع هذا رفض يوشع بن نون هذا العرض لولا أن سكان جعبون ادعوا أنهم من أماكن بعيدة ولبسوا ثيابًا رثة وجعلوا على أنفسهم آثار السفر البعيد... وقد علل يوشع ذلك الرفض بأن الرب أمره وأمر إسرائيل بعدم الصلح مع سكان أرض فلسطين وما حولها

ثم قام يوشع وأخذ مدينة مقيدة في ذلك اليوم وضربها بحد السيف وحرم ملكها هو وكل نفس بها لم يبق شاردًا -كما تقول التوراة (لسفر يشوع) ثم اجتاز يشوع وكل إسرائيل معه إلى لبنة وحارب لبنة فدفعها الرب ليد ابنه البكر إسرائيل (لعنة الله على اليهود) فضربها يشوع بحد السيف وكل نفس بها. لم يبق بها شاردًا ولا طفلًا ولا شيخًا ولا رجلًا ولا امرأة. حسب أوامر الرب فعل يشوع. هكذا تقول التوراة المحرفة.

ثم اجتاز يشوع وكل إسرائيل معه من لبنه إلى لخيش فدفع الرب إله إسرائيل لخيش بيد إسرائيل فضربها بحد السيف وكل نفس بها حسب ما فعل بكل المدن السابقة. حينئذ صعد هورام ملك جازر لإنقاذ لخيش.. وضربه يشوع مع شعبه حتى لم يبق له شاردًا.

ثم اجتاز يشوع وكل إسرائيل معه من لخيش إلى عجلون فضربوها بحد السيف.

وحرم كل نفس بها حسب كل ما فعل بلخيش ولبنة وأريحا.

ثم صعد يشوع وجميع إسرائيل معه من عجلون إلى حبرون وضربوها بحد السيف مع ملكها وكل مدنها وكل نفس بها... من الطفل الرضيع إلى الشيخ الفاني... لم يبق شاردًا... حرمها يشوع حسب أوامر الرب إله إسرائيل! ثم رجع يشوع إلى دبير وحاربها وأخذها مع ملكها وكل مدنها وضربها بحد السيف وحرم كل نفس بها لم يبق شاردًا.

«فضرب يشوع كل أرض الجبل والجنوب والسهل والسفوح وكل ملوكها... لم يبق شاردا بل حرم كل نسمة كما أمر الرب إله إسرائيل فضربهم يشوع من قادش بريتغ إلى غزة وجميع أرض جوشن إلى جبعون وأخذ يشوع جميع أولئك الملوك وأرضهم دفعة واحدة لأن الرب إله إسرائيل حارب عن إسرائيل، ثم رجع يشوع وجميع إسرائيل معه إلى المحلة إلى الجلجال».

واستمر يشوع في إقامة المجازر كما تزعم التوراة طوال حياته فما كاد ينتهي من هذه المناطق التي ذكرتها التوراة المحرفة حتى انطلق إلى حاصور التي ضربها بحد السيف وحرمها بحيث لم تبق بها نسمة. وأحرق يشوع حاصور بالنار كما فعل بالمدن السابقة أريحا وعاي... إلخ. ولكن يشوع لم يحرق المدن القريبة من حاصور والواقعة على التلال بل اكتفى بقتل كل نفس فيها.. النساء مع الرجال والأطفال مع الشيوخ! (يا لها من رحمة!).

فأخذ يشوع حسب قول التوراة المحرفة كل تلك الأراضي الجبل وكل الجنوب وكل أرض جوشن والسهل والعربة وجبل إسرائيل وسهلة من الجبل الصاعد إلى سعير إلى بعل جاد في بقعة لبنان تحت جبل حرمون. وأخذ جميع ملوكها وضربهم بحد السيف لم يبق بها شاردا ولا أبقى على نفس بها.

«وجاء يشوع وترض (أي آباد) العناقين من الحيل من حبرون ومن دبير ومن عناب ومن جميع جبل يهوذا ومن كل جبل إسرائيل. حرمهم يشوع مع مدنهم فلم يتبق عناقيون في أرض إسرائيل لكن بقوا في غزة وأشدود. فأخذ يشوع كل الأرض حسب ما كلم به الرب وأعطاها يشوع ملكًا لإسرائيل حسب فرقهم وأسباطهم. واستراحت الأرض من الخراب» (سفر يشوع الإصحاح 11).

وشاخ يشوع ورغم الحروب الكثيرة التي قام بها إلا أنه لم يمتلك كل أرض فلسطين ولبنان والأردن وسوريا وقال له الرب: «قد بقيت أرض كثيرة للامتلاك. هذه هي الأرض الباقية كل دائرة الفلسطينيين وكل الجشوريين من الشيحور الذي هو أمام مصر إلى تخم عقرون شمالًا... من اليمن كل أرض الكنعانيين ومغارة التي للصيدونيين إلى أفيق تخم الأموريين وأرض الجبلين وكل لبنان نحو شروق الشمس من بعل جاد تحت جبل حرمون إلى مدخل حماة جميع سكان الجبل من لبنان إلى مسرفوت مايم، جميع الصيدونيين. أنا أطردهم من أمام بني إسرائيل. إنما أقسمها بالقرعة لإسرائيل ملكًا كما أمرتك» (سفر يشوع الإصحاح 13: 1-6).

وفي الإصحاح 23 من سفر يشوع قام يشوع سلفًا بتقسيم الأراضي التي لم يحتلها بعد على أسباط بني إسرائيل «انظروا قد قسمت لكم بالقرعة هؤلاء الشعوب الباقين ملكًا لكم حسب أسباطكم من الأردن وجميع الشعوب التي قرضتها والبحر العظيم نحو غروب الشمس. والرب إلهكم هو ينفيهم من أمامكم ويطردهم من قدامكم فتملكون أرضهم كما كلمكم الرب الحكم».

وقد تعمق لدى اليهود وخاصة في العصور الحديثة أحقيتهم في استلاب أرض الغير وإبادتهم دون رحمة أو شفقة لأن تلك هي تعاليم الرب إله إسرائيل. فقد صرحت جولدا مائير في 15 أكتوبر 1971 لصحيفة لوموند الفرنسية «وجد هذا البلد (أي إسرائيل) تنفيذًا لوعد الرب ذاته. ولهذا لا يصح أن نسأله إيضاحًا عن شرعية هذا الوجود» ويقول موشي ديان في الجيروزاليم بوست عدد 10 أغسطس 1967 «إذا كنا نملك الكتاب المقدس وإذا كنا نعتبر أنفسنا شعب التوراة فينبغي أيضًا أن نمتلك أيضًا بلاد التوراة (وهي الأسفار الخمسة من العهد القديم9 بلاد القضاة (وهو أحد أسفار العهد القديم) أرض أورشليم وحبرون وأريحا وأماكن أخرى كثيرة».

ويقول مناحيم بيغن لصحيفة دافار في 14 ديسمبر 1978 «لقد وعدنا الله هذه الأرض ولنا كل الحق فيها».. وتصرح جولدا مائير للصنداي تايمز اللندنية في 15 يونية 1969 بالآتي: «لا وجود للفلسطينيين.. ليست المسألة أننا أتينا وطردناهم وأخذنا بلادهم، لا. إنهم لم يوجدوا أصلًا.. والتوراة شاهد على ذلك فالوعد بهذه الأرض من الرب لنا منذ عهد إبراهيم».

ويبدو تأثير التعاليم التوراتية المحرفة واضحًا أشد الوضوح في تصريحات زعماء إسرائيل منذ تكوينها وهي سياسة دولة إسرائيل منذ قيامها

وعندما وجه أينشتاين (وهو يهودي) إلى وایزمان (أحد كبار قادة الصهيونية العالمية) قائلًا له: «وما هو مصير العرب إذا ما أعطيت فلسطين لليهود فرد عليه وايزمان: من هم أولئك العرب. إنهم لا شيء»(1).

وكتب أول وزير للتعليم في إسرائيل بيريون دينور: «ليس في بلادنا مكان إلا لليهود. وسنقول للعرب ارحلوا فإن لم يرضوا بذلك وعمدوا إلى المقاومة فسنرحلهم بالقوة»(2).

وكتب جوزيف فايتز مدير إدارة الاستيطان غداة حرب يونية 1967: «من الواضح أنه لا مكان في هذه البلاد لشعبين. والحل الوحيد هو إسرائيل اليهودية التي تضم على الأقل إسرائيل الغربية (الضفة الغربية لنهر الأردن) بلا عرب، ولا مخرج إلا بنقل العرب إلى مكان آخر في البلدان المجاورة».

وقد صرح بيغن وشارون وبيريز مرارًا وتكرارًا أن الضفة الغربية هي يهودا والسامرة ولا يمكن مطلقًا التنازل عن أرض هي يهودية بمقتضى أوامر الرب. والرب قد أمر مرارًا وتكرارًا (في التوراة المحرفة) بطرد جميع سكان هذه الأرض من وجه إسرائيل وإلا وجب قتل كل نفس فيها من الطفل الرضيع إلى الشيخ العاني.

وقد قام الكاتب الأميركي الساخر المشهور مارك توين (وهو يهودي) بترويج فكرة «شعب بلا أرض وأرض بلا شعب» أي أن الشعب اليهودي الموجود في الشتات (ديا سبورا) ينبغي أن يسكن أرض فلسطين التي لا يوجد فيها أي شعب، وهو كذب مفضوح إذ إن الشعب العربي في فلسطين كان يشكل أكثر من 80 بالمئة من سكان فلسطين حتى لحظة إعلان دولة إسرائيل وقرار التقسيم.

ولكن هذه الأكاذيب تنطلي على الغربيين.. ويستخدم اليهود بذكاء أساطير العهد القديم (التوراة المحرفة) التي يؤمن بها النصارى حتى إن كثيرًا من النصارى يؤيدون إسرائيل بسبب ما يتلى عليهم من أسفار العهد القديم.

ولهذا نجد بعض كبار الدين المسيحي مثل الكاتب الكاثوليكي جاك ماريتان يقولون: «فلسطين هي الأرض الوحيدة التي ثبت ثبوتًا مطلقًا وثبوتًا إلهيًّا أنها لشعب معين (هم اليهود) حق لا ينازع فيها»(3).

وتقول رسالة اللجنة الأسقفية الفرنسية في 16 أبريل 1975 تحت عنوان «إرشاد» يتعلق بموقف المسيحيين من اليهودية: النقطة الخامسة: «لا يمكننا أن ننسى بصفتنا مسيحيين أن الرب قد وهب في الماضي شعب إسرائيل أرضًا ليتلاقى عليها»(4).

وتقوم في الولايات المتحدة حملات منظمة في الكنائس لدعم مواقف إسرائيل وتبرير ذلك بما جاء في العهد القديم.

وقد بلغ الأمر أن تكونت لجان من بعض رجال الدين والأثرياء المتدينين في الولايات المتحدة تجمع التبرعات الضخمة لهدم المسجد الأقصى.. وليبنى على أنقاضه هيكل سليمان.. لأن المسيح لا يظهر إلا عند قيام الهيكل!

إن سياسة إسرائيل تقوم على نصوص توراتية تدعو إلى طرد جميع سكان الأرض التي تطؤها أقدام إسرائيل وتحرم تحريمًا تامًّا معاهدة سلام مع سكان تلك الأراضي، وتدعو بإلحاح إلى إقامة المذابح والمجازر لهذه الشعوب وإبادتها إبادة كاملة بما في ذلك النساء والشيوخ والأطفال بل وحتى البهائم من الأبقار والأغنام والحمير تجب إبادتها وقتلها إذا ما دفعها الرب إله إسرائيل ليد ابنه البكر (إسرائيل) فهل يرجى سلام مع إسرائيل؟

_______________________

(1) نقلًا عن كتاب روجيه جارودي إسرائيل الصهيونية السياسية وقد نقل هو ذلك عن كتاب مستقبل الشرق الأوسط ص 341 PERSPECTIVE MIDDLE EAST.

(2) تاريخ الهاجانه نشر المنظمة الصهيونية العالمية.. نقلًا عن رجاء جارودي «إسرائيل الصهيونية السياسية».

(3) روجيه جارودي: إسرائيل الصهيونية السياسية ص 102.

(4) المصدر السابق.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

4365

الثلاثاء 24-مارس-1970

فلسطين