العنوان من القرارات القممية إلى تفاعل الشعوب وإرادة التنفيذ
الكاتب د. عوض بن محمد القرني
تاريخ النشر الثلاثاء 23-ديسمبر-1997
مشاهدات 51
نشر في العدد 1281
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 23-ديسمبر-1997
مقال
إن مما لا يخفى على أحد أن الجماعة خير قوة وعزة ورحمة، والفرقة ضعف وذل وعذاب؛ فشعار العدو دائمًا: «فرّق تسد»، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.
تلك من الواضحات البديهيات بحكم العقل والمنطق والتجارب، ومما هو معلوم في الإسلام بالبداهة للمسلم الذي يؤمن بأن دين التوحيد يفرض وحدة الأمة، وأن الوحدة فريضة ربانية.
عاش النبي -صلى الله عليه وسلم- لأجلها حتى ربى جيلًا موحِّدًا وموحدًا، ففتح بهم العالم، وأقام بهم الدين والحضارة.
ومن هذا المنطلق يعد أي جهد يبذل لرأب الصدع، وتوحيد الأمة جهدًا مشكورًا، وأي سعي للتوحيد والوحدة عملًا مبرورًا، وأي تجمع أو مؤتمر بمثابة حجر في بناء الأمة وتأليفها، ولذلك تبنى الآمال على مؤتمرات القمة الإسلامية؛ لأن تجمع القادة لا يخلو من خير من حيث التلاقي والتباحث حول المشكلات وكيفية مواجهتها والتعارف والتقارب بينهم، فمعظم المشكلات تأتي بسبب التباعد وعدم التلاقي، وأخذ المعلومات عن الوسطاء غير المؤتمنين، بله من أعداء الإسلام، وقد صدرت عن قمة طهران قرارات مهمة منها تأكيد الالتزام بتعاليم الإسلام السامية التي تحض الأمة على تطوير أواصر التضامن والتفهم والتسامح، ومنها مساندتهم لكفاح الشعوب المحتلة، والتنديد بالاحتلال الإسرائيلي، وممارسة إسرائيل لإرهاب الدولة وعزم القادة على استعادة مدينة القدس الشريف والأقصى المبارك والحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني، كما أكد القادة على تضامنهم مع البوسنة والهرسك، ومع قضية كشمير والقضايا الإسلامية الأخرى، ومع الأقليات الإسلامية في البلدان غير الإسلامية، وأكدوا أن فكرة التوحيد تعتبر الأساس الحق للحرية المسؤولة للإنسان وإخلاصهم لتعاليم الإسلام.
كما أكد القادة في بيانهم على تنفيذ مقاصد ومبادئ ميثاق منظمة المؤتمر الإسلامي خاصة فيما يتعلق بوحدة وتضامن الأمة الإسلامية.
هذه القرارات وغيرها لا تحتاج في أهميتها وحيويتها إلا لشيء واحد وهو التنفيذ الدقيق لها، وذلك بوضع الخطوات العملية المخلصة لإخراجها من حيز الفكر إلى حيز الواقع، ومن الحبر على الورق إلى الواقع والتطبيق.
بلاغ مكة التاريخي هل طبق؟
وقبل حوالي ستة عشر عامًا انعقد مؤتمر القمة الإسلامي الثالث بمكة المكرمة في الفترة ۱۹- ۲۲ ربيع الأول 1401هـ - «٢٥- ٢٨ يناير ۱۹۸۱» أي في بداية القرن الخامس عشر الهجري، عقد المؤتمر في كنف الكعبة المشرفة مهبط الوحي وقبلة المسلمين وصدر عنه بلاغ تاريخي نص فيه على أن ملوك ورؤساء وأمراء الدول الإسلامية يعتبرون هذا اللقاء حدثًا جليلًا في تاريخ الأمة الإسلامية ويتخذون منه منطلقًا حاسمًا لنهضة إسلامية شاملة تستدعي من المسلمين كافة وقفة حازمة يراجعون فيها رصيدهم الماضي وواقعهم الحاضر، ويتطلعون بالإرادة الوطيدة إلى مستقبل أفضل في ظل سياسة التضامن الإسلامي فتعود لصفوفهم وحدتها، ولحياتهم رقيها وازدهارها، ولمنزلتهم في المجتمع الإنساني شرفها ليؤدوا دورهم في الحضارة الإنسانية.
وتضمن البلاغ التاريخي عدة مبادئ ونقاط تستحق أن تكتب بمداد من نور منها: الإيمان بأن المسلمين جميعًا مهما اختلفت ألسنتهم وألوانهم أمة واحدة يعتصمون برابطة الإسلام ويستلهمون في الحياة منهجًا لا اختلاف عليه، ويستمدون معينهم الفكري من تراث حضاري مشترك، ويضطلعون في العالم برسالة واحدة فيكونون أمة وسطًا تأبى الانحياز لسائر الكتل والاتجاهات العقائدية، وتأبى كذلك أن تتقاسمها الأهواء، أو تتنازعها المصالح.
ومن هذه المبادئ «العزم على المقاومة الشاملة لهذا العدوان الصهيوني ومخططاته وممارساته، كما نرفض وندين السياسات التي تمكن لهذا العدوان وتمده بأسباب الدعم السياسي والاقتصادي والبشري والفكري».
ومنها رفض شرور العصبية والعنصرية، وما يغلب عليها من منطق القوة وسباق التسلح، ومنها العزم على الاسترشاد بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في نظام الحياة لمجتمعاتنا وفي توطيد العلاقات فيما بيننا ومع دول العالم وشعوبه، ومنها العمل الجاد لإشاعة الشورى بين المسلمين وإزالة دواعي الوهن والفرقة والمظالم، ولتحقيق المجتمع القائم على الأسس والوسائل التي تحمي الحقوق والحرمات، ثم صدر عن هذا المؤتمر عدة قرارات تاريخية أيضًا منها:
- الالتزام بتحرير القدس الشريف ليكون عاصمة للدولة الفلسطينية.
- التضامن الإسلامي على أساس تعاليم الإسلام، ومناصرة قضايا الحرية والمساواة والتقدم والسلام، وإزالة الخلافات الفكرية والمذهبية.
- الجهاد المقدس، حيث اتفق ملوك ورؤساء الدول الإسلامية على إعلان الجهاد المقدس لإنقاذ القدس الشريف ونصرة الشعب الفلسطيني وتحقيق الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، وأوضحت الدول الإسلامية في قرارها هذا أن للجهاد مفهومه الإسلامي الذي لا يحتمل التأويل أو إساءة الفهم، وأن الإجراءات العملية لتنفيذه ستتم وفقًا لذلك وبالتشاور المستمر بين الدول الإسلامية.
- إنشاء محكمة العدل الإسلامية.
- تعزيز التعاون الاقتصادي بين الدول الإسلامية.
إذا نظرنا إلى مبادئ بلاغ مكة التاريخي، والقرارات التي اتخذت في القمة الثالثة لرأينا أنها لم تطبق ولم ينفذ شيء منها يذكر إلى يومنا هذا مع مضي أكثر من ستة عشر عامًا عليها، وهنا يثور التساؤل: لماذا لم تنفذ هذه القرارات التاريخية على الرغم من أهميتها للجميع؟
تجاربنا الماضية وتجارب الحاضر
إن التجربة الأوروبية ماثلة أمام أعيننا، وقبلها كان لنا تجربة إسلامية عريقة وحدت العالم الإسلامي قبل ثلاثة عشر قرنًا، لماذا لم يحدث التقدم الحقيقي نحو الوحدة طوال نصف قرن وأكثر من الزمن مع وجود مثل هذه التجمعات كالجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي؟
لماذا تعطلت مسيرة دول المؤتمر الإسلامي فيما تقدمت دول غيرها؟
إن المتابع لمسيرة هذه التجمعات يلاحظ أن هناك أسبابًا خارجية تتمثل في مؤامرات أعداء الأمة والإسلام، لأن ما يريده الأعداء لا يمكن تحقيقه إلا من خلال الفرقة والتمزق والضعف، كما أن هناك أسبابًا داخلية وهي الأهم تكمن فيما يأتي:
- عدم وجود إرادة فعالة لدى بعض هؤلاء القادة نحو الوحدة أو التعاون فهم لا يؤمنون بالعمل على أساس الإسلام أو العروبة، بل إن بعضهم مرتبط بالمصالح الخارجية.
- عدم تفاعل الشعوب مع هذه القرارات القممية لعدة اعتبارات منها أن معظم هذه الشعوب لم يكن له إرادة في الاختيار، كما أن الشعوب أحيانًا لا يراد لها أن تكون لها التفاعل مع مثل هذه القضايا لأسباب لا يتسع المجال لذكرها.
- عدم وجود أي برنامج عملي للتفاعل مع هذه القرارات أو بعبارة أخرى عدم وضع خطوات عملية لتنفيذ هذه القرارات، إما لأنها مثالية لا يمكن تطبيقها حيث لا يمكن في خطوة واحدة أن تنتقل من الشقاق والفراق إلى الوحدة الحقيقية، وإنما تحتاج الوحدة إلى تهيئة الأرض الصلبة التي تقف عليها، وقد قال الله تعالى في وصف المنافقين الذين لم يخرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم للجهاد: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ (التوبة: 46)، حيث لا نرى بعد الانفضاض من المؤتمرات أي خطوات عملية نحو تنفيذ ما صدر منها في الغالب.
- عدم وجود برامج تربوية أو تعليمية أو فكرية لتربية الشعوب على الوحدة وإقناعها بذلك وهو شرط أساسي للتفاعل والتفعيل ولذلك بدأت أوروبا بتدريس مناهج الوحدة وفوائدها مع بداية نشأة السوق، وقبل ذلك بكثير ركز الرسول صلى الله عليه وسلم كل جهده لتربية أصحابه على مبادئ الإسلام.
أملنا كبير بعد مؤتمر طهران أن نرى خطوات عملية نحو التنفيذ ولا سيما أمام كل هذه المخاطر التي تحدق بالأمة، والله المستعان.
(*) الأستاذ بكلية الشريعة جامعة قطر- ورئيس الرابطة الكردية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل