العنوان التربية بالتعذيب
الكاتب د. نجيب الرفاعي
تاريخ النشر الثلاثاء 22-فبراير-1983
مشاهدات 62
نشر في العدد 609
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 22-فبراير-1983
ليلة البارحة جلست لأشاهد النشرة المسائية للأخبار، وعرضت النشرة فيما عرضت مقابلة مع أحد المجرمين، عمره دون الثلاثين حكم عليه بالسجن ما يزيد على مئة عام وذلك لارتكابه عدة جرائم قتل.. وآخر جريمة له التي دلت عليه وهي قتله لأعز أصدقائه الذي كان يعيش معه في الشقة، جلس القاتل جلسة كلها سعادة وكبرياء قائلًا لعموم المشاهدين الذين كانوا يشاهدون نشرة الأخبار: إنه كان سعيدًا بقتل ضحاياه وفعل أفعاله الشنيعة حتى يترك مجالًا للآخرين أن يعيشوا على هذه الأرض بمعنى أن الأرض قد ازدحم عليها البشر فهو إن قتل ثلاثة أو أربعة فإنما يعيد التوازن لهذه الأرض ويفسح المجال للذين يولدون فيجدون مكانًا يعيشون فيه!!
يقول ذلك الكلام دون أن يشعر بعظم الذنب الذي فعله وبالجرم الكبير الذي ارتكبه بل كما بينت يقولها بسعادة لا توصف، وهذا واضح على معالم وجهه وابتسامته الكبيرة، ثم يعقب المذيع على هذه المقابلة بأن هذا المجرم تعرض لحياة قاسية في طفولته ولاقى تربية سيئة من والديه الأمر الذي جره للانتقام من البشر حينما اشتد عوده وكبر هنا في أمريكا- عزيزي القارئ- ينتشر بين معظم العائلات الأمريكية التربية بالتعذيب أو كما يطلقون عليه هنا تعذيب الأطفال إذ يعمد والد الطفل الصغير أو الطفلة الصغيرة إلى استخدام كافة الوسائل الوحشية «واللا إنسانية» بغية تربية الطفل، فهم لا يتورعون عن جلده بالسياط أو ربطه بالحبل في سريره، فقد شاهدت في أحد الكتب صورًا مفزعة مخيفة لأشكال أطفال في عمر الزهور تعرضوا إلى مثل هذا التعذيب فأحدهم أصيب بنقص نمو في عظام رجله نتيجة حبسه منذ ولادته إلى أن كان عمره أربع سنوات في دار صغيرة.. وآخر يقول غضبت علينا والدتنا ذلك اليوم فصبت لي أنا وأختي الكيروسين وشبت بنا النار في الحمام، ولولا الجيران لكنا في عداد الأموات، وطفلة صغيرة قطعت يدها اليسرى بكاملها حين أغضبت والدها بل إن الأمر تجاوز ذلك بمراحل فنشاهد في الكتاب صورة لثلاجة مفتوحة وبها خرقة بيضاء ملفوفة على جسد طفل لم يتجاوز عمره بضع شهور وضعته أمه في الثلاجة حين أزعجها هي وعشيقها تلك الليلة فوجدت أن أفضل طريقة لإنهاء صراخه وضعه في الثلاجة.. وهكذا كان.
ومن صور إيذاء الأطفال في هذا المجتمع المتحطم الذي انتزعت منه الإنسانية انتزاعًا، الزنا بالأطفال ولا أعني بذلك نوادي الزنا ومواخيرها ولكن زنا الوالد في ابنته أو العشيق في ابنة عشيقته أو حتى أحيانًا في ولده.. عرض في التلفزيون مقابلة مع فتاة قالت إن أباها أزال عفتها وهي صغيرة، وأنها الآن لا تريد الرجوع إلى الجحيم الذي كانت فيه ثم يجري التلفزيون مقابلة مع هذا الأب وهو بيكي وبجواره زوجته!! يتأسف على ما فات وعمل من خطأ ويرجو من ابنته الرجوع إلى أسرتها!! بعد هذا كيف يستتب الأمن ولا يكثر المجرمون؟!
إن الطفل الذي عاش في صغره في تعذيب وتنكيل لا يجد من ينتقم منه إلا المجتمع الفاسد الآسي الذي كان يعيش فيه ولم يساعده وهو طفل عاجز صغير.. فيخرج من أمثال المجرم السابق.
والذي اعترف أن السبب الرئيسي أنه لاقى تعذيبًا جسديًّا في صغره وهو الآن بدوره ينتقم!!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل