العنوان الإسلام والكونجرس 18.. تداعى الأمم على قصعة الخليج
الكاتب أحمد إبراهيم خضر
تاريخ النشر الثلاثاء 05-سبتمبر-1989
مشاهدات 66
نشر في العدد 931
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 05-سبتمبر-1989
الإسلام والكونجرس (18)
تداعى
الأمم على قصعة الخليج
•
الأميركان
اعتقدوا أن انهيار العراق أو إيران سيسبب مشكلة.
•
كيف تبدو
للمراقب التناقضات في سياسة أميركا تجاه الخليج؟
•
محاولة
إبطال نظرية التآمر الدولي بالاستشهاد بمحدودية نفوذ الدول العظمى محاولة يتناقض في
طردها أعضاء اللجنة.
•
كيف يحاول
الكونغرس التوفيق بين السياسة الأميركية تجاه الخليج والكيان الصهيوني؟
مازلنا مع مذكرة الدكتور «أولسن» الأستاذ
بمعهد الدراسات الاستراتيجية بكلية الحرب بكارلايسل بولاية بنسلفانيا، تناولنا في الجزء
الأول منها تصوراته لأسباب حرب الخليج وتحليله لتطورات المعارك والدروس التي تعلمها
الأميركيون من هذا الحرب، وتناولنا في الجزء الثاني مكان إسرائيل في السياسة الأميركية
في الخليج وقانون الاحتمالات الأميركي، وسنخصص هذه الحلقة للجزء الثالث ذلك الذي وضعه
«أولسن» في إطار ما يسميه بالقيود المفروضة على السياسة الأميركية أو التناقضات القائمة
في هذه السياسة.
•
تناقضات
أميركية:
حدد «أولسن» هذه القيود والتناقضات في السياسة
الأميركية فيما يلي:
1- رغبة الولايات المتحدة في ألا
يخرج أحد الطرفين المتحاربين من الحرب كاسبًا أو خاسرًا ورغبتها في مساعدتهما معًا.
2- إن التعقيدات والصراعات الشديدة
في المنطقة وما يترتب عليها من طوارئ ومواقف مفاجئة وغير متوقعة في شكل أزمات غير محسوب
حسابها لا تمكن الأميركيين من التخطيط والتقدير الذي يستجيب لها في الوقت المناسب ومن
ثم يقعون في الشك والفوضى وحالة اللاقرار.
3- محاولة الولايات المتحدة التوفيق
بين مطالب إسرائيل والدفاع عن أمنها والدفاع عن الخليج في نفس الوقت بما لا يهدد أمن
إسرائيل.
4- رغبة الولايات المتحدة في أن
يتحمل حلف شمال الأطلنطي واليابان جانبًا من أعباء الدفاع عن منطقة الخليج لاعتمادهم
أكثر من الأميركيين على بتروله في الوقت الذي تقبل فيه حجة الحلف بأن على الولايات
المتحدة أن تتحمل هذا العبء لأن الحلف يركز مهامه في الدفاع عن أوربا.
5- تقوم السياسة الأميركية على
أساس الدفاع عن المنطقة ضد احتمالات الغزو السوفياتي في حين أن مشاكل المنطقة ذاتها
لا تجعل لهذه المسألة الأولوية التي تعطيها لها الولايات المتحدة.
وقبل أن نعرض لهذه القيود والتناقضات بالتفصيل
الذي وردت به في مذكرة الدكتور «أولسن» هناك مسألتان هامتان تحتاجان إلى إلقاء الضوء
عليهما:
المسألة الأولى: وهي المسألة التي تعرضنا لها
في الحلقتين السابقتين التي تتعلق بهيمنة القوى العظمى على كل مجريات الأمور في بلادنا،
ونلقي الضوء في هذه الحلقة على هذه المسألة من منظور لآخر.
المسألة الثانية: الثمن الذي يجب علينا أن ندفعه
مقابل أننا جعلنا أماننا وأمان الإسلام في بلادنا بيد أعداء هذا الدين.
إن التمعن الدقيق في هاتين المسألتين يحتم
علينا الآتي:
أولًا: لابد لنا أن نعيد فهمنا وصياغتنا
لعلاقتنا مع الدول الكبرى، إنها دائمًا علاقة صراع، وإن كانت الدول الكبرى قد نجحت
في أن تجعل هذا الصراع صراعًا بين مستعمر ومستعمرين وصاغت العداء بيننا وبينهم على
هذا الصعيد فإنه يجب علينا أن نعيد الصراع إلى صعيده الأصلي. إنه الصراع بين الإسلام
والكفر، بين المسلمين والكفار وألا ننسى ذلك أبدًا.
ثانيًا: لابد لنا من كسر هذا الحاجز
الذي يجعلنا نشعر بالعجز الدائم عن الوقوف في وجه الدول الكبرى والذي أدى بنا إلى أن
نحمي أنفسنا من دولة كبرى كافرة بالاعتماد على دولة كافرة أخرى.
ثالثًا: لابد لنا من الثقة في قدرة الأمة
الإسلامية على تقلد مكان الصدارة بين الأمم الكبرى وهذا لا يتم إلا إذا أعيدت ثقة الناس
بعقيدتهم وبأفكار الإسلام وبأحكامه وبصدق وصلاحية هذه الأفكار وهذه الأحكام.
•
هيمنة الدول
الكبرى:
مسألة هيمنة الدول الكبرى على كل مجريات
الأمور في بلادنا..
أشرنا في الحلقة السابقة إلى مسألة الاعتقاد
بأن كل ما يجري في بلادنا إنما هو من صنع الدول العظمى وأشرنا إلى أن الأميركيين يرفضون
ذلك ويعتبرون أن مثل هذا الاعتقاد مضلل وأنه رد فعل أكثر بساطة لواقع أكثر تعقيدًا
وأن الحلفاء الإقليميين يحتفظون باستقلالية التصرف حتى في القيام بأعمال قد تكون ضد
مصالح الدول العظمى.
صاغ «أولسن» هذه المقدمات في الجزء الثالث
من مذكرته بنظرية أطلق عليها «نظرية التآمر»، يقول «أولسن» في مذكرته:
«مازال الرأي العام في الشرق الأوسط والخليج يعتقد بأن الحرب
لا يمكن أن تستمر إلا إذا كانت القوتان العظميان ترغبان في ذلك، إن المنحنى في هذه
المنطقة يتجه نحو «نظرية التآمر» التي تدعم بالاعتقاد بأنه لا شيء يحدث في المنطقة
سواء إلى الأحسن أو إلى الأسوأ إلا إذا كانت وراءه واحدة من القوى العظمى، هذا إن لم
يكن هناك اعتقاد سائد بأن المسؤول الحقيقي هو بريطانيا، لقد قال لي أحدهم في الشرق
الأوسط بأنه قد تكون الولايات المتحدة هي التي هندست لعودة الخميني وللغزو السوفياتي
لأفغانستان ولكن بريطانيا هي التي دفعت الولايات المتحدة إلى فعل ذلك.
إن هذا الميل إلى الاعتقاد بنظرية التآمر
تعززه عملية منطقية تقول إنه طالما أن القوى العظمى هي وحدها التي تكسب من الحرب فإن
الخبل العراقي الإيراني هو الذي مكن الولايات المتحدة من أن تتصرف كأنها حامية المنطقة
وأن الدول العظمى وراء استمرار الحرب وإلا فكيف تستطيع قوتان صغيرتان أن تستمرا في
الحرب طويلًا؟
إن هذه العقلية ناتج طبيعي لحصيلة سنوات
طويلة من الاستعمار الأجنبي للمنطقة ترتب عليه أن أصبح الناس مولعون بإرجاع الأحداث
التي يحاولون فهمها إلى أسباب خارجية للتهرب من أي مسؤولية عن هذه الأفعال مما يعكس
السذاجة والجهل المتصلب بأهداف ومقاصد وقدرات قوى المنطقة، لقد أظهرت الحرب بوضوح أن
دول المنطقة قادرة تمامًا على صنع الأخطاء بدون توجيه إليها.
والمسألة الآن ليست فقط في أن هذه الدولة
تنظر إلى اللجوء إلى العنف كشيء مشروع تمامًا في علاقتها مع بعضها وإنما هناك بناء
قائم يعضد هذه السياسة.
•
أسباب استمرار
الحرب:
ويعطي «أولسن» واحدًا من الأسباب التي يعود
إليها استمرار الحرب دون القول بأن القوى العظمى تقف وراءها، هذا السبب هو تنوع مصادر
السلاح الذي تحصل عليه الدولتان المتحاربتان فيقول «إن عصر الاعتماد على مصدر واحد
للإمداد بالسلاح قد ولى ولهذا يجب أن ننظر الآن إلى سهولة الحصول على السلاح من مصادر
متنوعة على أنه حقيقة كبرى وهذا هو أحد العوامل التي ساعدت الطرفين المتحاربين على
الاستمرار في الحرب، ومن المحتمل أيضًا أن يكون هذا العامل عنصرًا أساسيًا في الصراعات
المستقبلية».
إلا أن تنوع مصادر السلاح الذي يراه «أولسن»
أحد أسباب استمرار الحرب ليرد به على القائلين بأن الدول العظمى وراء الحرب قد أصبح
مصدر قلق للولايات المتحدة لأنه أثر على إمكانية سيطرتها على الأحداث في المنطقة ولهذا
دعا «أولسن» إلى أن تصبح مسألة تنوع مصادر السلاح بداية انطلاق لإعادة النظر في سياسة
الولايات المتحدة بالمنطقة، خاصة وأن استخدام الوسائل الأخرى مثل الضغط الدبلوماسي
واستخدام القوة قد أصبح أيضًا سلعة ضعيفة القيمة.
يقول «أولسن» مستطردًا: وكما بينا في الدروس
المستفادة من هذه الحرب فإن تأثير مسألة السلاح هذه على الولايات المتحدة هو احتمال
أن يؤدي إلى محدودية النفوذ الأميركي في المنطقة ومن ثم فإن الوسائل التي نتبعها مثل
الضغط الدبلوماسي ومنع الإمداد بالسلاح والتهديد باستخدام القوة سيكون تأثيرها أقل
من هذا التأثير الذي اعتدنا عليه من قبل.
نحن الآن ندخل عالمًا جديدًا شجاعًا الصراع
وعدم الاستقرار فيه هو القاعدة وليس الاستثناء ولهذا فإن التهديد الذي تمارسه قوة عظمى
باستخدام القوة أصبح سلعة ضعيفة القيمة.
يجب أن يصبح هذا الموضوع بالنسبة لنا نقطة
انطلاق جيدة بحيث يلزم أن نأخذه في الاعتبار عند تحديد السياق الذي تجري فيه سياسة
الولايات المتحدة، ولهذا يجب علينا دراسة هذه القيود التي تؤثر على هذه السياسة وكذلك
التناقضات القائمة فيها وهي أيضًا فرصة تجعلنا ندرس عدة موضوعات أخرى.
•
افتقار
الأميركان إلى الوسيلة الفاعلة:
ويعترف «أولسن» بأن الولايات المتحدة تفتقر
إلى الوسيلة ذات الفاعلية التي تجعلها تعطف بدول المنطقة إلى أفعال تجري من أجل الصالح
القومي للولايات المتحدة، كما يعترف أيضًا بأن حرب الخليج لا تعني في ذاتها الأميركيين
إلا بقدر تهديدها لمصالحهم، وهذان دليلان كافيان ببطلان ادعاء «أولسن» بأن الاعتقاد
في دور الدول العظمى بالمنطقة اعتقاد مضلل وساذج.
يقول أولسن: صحيح أن الحرب هي موضع اهتمامنا
لكنها يجب ألا تعمي أبصارنا وتكون نقطة الارتكاز في سياستنا، إنها تساعدنا فقط على
تركيز الاهتمام بالمنطقة وتعزز فينا تصورات احتمالات الخطر علينا وتساعدنا كذلك على
تفهم قضايا المنطقة وعلاقة سياسة الولايات المتحدة بهذه القضايا لكن الحرب نفسها يجب
ألا تكون بؤرة هذه السياسة.
إن استمرار الحرب ونهايتها غير الواضحة
الآن لنا ولكل الأطراف هي اختبار للتحمل وللصبر ولضبط الأعصاب وتظهر هذه الحرب هذه
المشاكل التي تواجه دول المنطقة والأكثر أهمية بالنسبة لنا هو سياسة الولايات المتحدة.
تبرز هذه الحرب تلك القيود التي تؤثر على
قدرة الولايات المتحدة على التحكم في الأحداث التي تجري في المنطقة، وقد أشرنا إلى
هذه النقطة في مناسبات عدة لكن أهميتها تحتاج منا إلى تكرارها، إنه من المهم أن نلاحظ
أن الولايات المتحدة لا تريد للحرب أن تستمر ولكنه ليس لديها القدرة على أن تضع لها
نهاية، هناك قصور في الوسائل التي يمكن أن تعجل بأزمة حادة مثل انهيار إيران أو مواجهة
من على السوفيات، وعلى الرغم من أن للولايات المتحدة مصالح هامة في المنطقة ولها من
القوة التي لها اعتبارها في حماية هذه المصالح فإنها تفتقد إلى هذه الوسيلة ذات الفاعلية
التي يمكن أن تعطف بدول المنطقة إلى أفعال تجري في الصالح القومي للولايات المتحدة
ويضاف إلى ذلك أن استخدامنا للقوة سيكون له آثاره الخطيرة أيضًا كما لاحظنا من قبل
في مسألة إسقاط قواتنا في المنطقة الذي يعني أن التخطيط لاستخدام القوة في وقت الطوارئ
قد يجعلنا نجابه موقفًا مشكوكًا فيه وأكثر تعقيدًا وتهديدًا من سابقه.
•
نظرية التآمر:
يتضح لنا مما سبق أن «أولسن» يحاول إبطال
«نظرية التآمر» معتمدًا على محدودية نفوذ الدول العظمى في المنطقة الناتجة عن استقلالية
تصرف القوى المحلية، إلا أن نظرية «الحرب المحدودة» تبطل أيضًا إبطال «أولسن» لنظرية
التآمر. لقد كانت الدول العظمى- كما أشرنا في كتابنا -الجيش والمجتمع، دراسات في علم
الاجتماع العسكري 1985 ص 389- متورطة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في إشعال أكثر من
خمسين حربًا في أجزاء متفرقة من العالم منذ الحرب العالمية الثانية حاربت الأطراف المحلية
معظمها.
والحرب المحدودة مفهوم استراتيجي من صنع
الولايات المتحدة أصلًا كما أشار إلى ذلك «بارسيمون يوكوف» في كتابه «حرب الاستنزاف،
الحرب العربية- الإسرائيلية 1969-1980»، وأيد الاتحاد السوفياتي هذا المفهوم الأميركي
للحرب المحدودة وكانت مهاجمتهم له على سبيل الدعاية فقط. كما أشار إلى ذلك «صمويل لوكوود»
في كتابه «وجهة النظر الأميركية في العقيدة الاستراتيجية السوفياتية 1983 ص71-75»:
كان السوفيات- كما يقول المحللون السياسيون والاستراتيجيون- أذكياء تمامًا في موقفهم
من هذه الحرب إذ كانت لهم نغمات دعائية تتسق مع اعترافهم بأهداف هذه الحرب، كما تزايد
اعتراف السوفيات شعبيًا وحكوميًا في نفس الوقت باحتمالات شن الحرب المحدودة بالوسائل
التقليدية والنووية دون تصعيدها إلى حرب نووية شاملة، وهذا يعني أنهم لا يستثنون هذا
النوع من الحروب من استراتيجيتهم وعقيدتهم العسكرية بشرط ألا تصل إلى مواجهة نووية
شاملة.
الخوف من حرب نووية:
ومن هنا نرى أن خوف الدول العظمى من اندلاع
حرب نووية تهدد بإبادة كل الأطراف المشتركة فيها أدى إلى تطوير نظرية عن الحرب المحدودة
تضبطها وتقيدها وتضع لها مواصفات معينة تراعى فيها ما يترتب عليها من نتائج ومن ثم
تكون هناك فرصة أمامها لإيجاد مواقف تبنى على الحل الوسط في علاقاتها السياسية والاستراتيجية
وهدف هذه الحرب هو تحييد مخاطر الحرب الشاملة بوضع عدة اختيارات أمام الأطراف المحلية
المتصارعة تتفق ومصالح الدول العظمى، وهذا الهدف بديل أساسي عن الحرب الشاملة في العصر
النووي.
وقد تكون الحرب محدودة من جانب القوى العظمى
لكنها قد لا تكون كذلك من جانب الأطراف المحلية التي تنظر إلى الحرب على أنها حرب شاملة،
وهناك قيود وضوابط تفرضها الدول العظمى على هذه الحرب أهمها أنها لا تسمح -هذه القوى
العظمى- بهزيمة حليفها هزيمة مميتة. كما تتحكم الدول العظمى في الطريقة التي تجري بها
المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب وفق قواعد معينة أهمها أن قدرة الأطراف المحلية
المتصارعة على الكسب والخسارة في المفاوضات لا تتوقف فقط على دورها فيها وإنما على
دور القوى العظمى أيضًا.
وحتى طريقة إنهاء الحرب فإنها تجري وفق
هذه النظرية على ثلاثة أنماط: الإنهاء الذاتي والإنهاء المتفق عليه والإنهاء المفروض.
يحدث النمط الأول إذا قرر أحد الطرفين إنهاء
الحرب، ويحدث النمط الثاني إذا قرر الطرفان إنهاء الحرب، أما النمط الثالث فإنه مفروض
من قبل الدول العظمى.
في النمط الأول يعتقد أحد الطرفين أنه قد
حقق أهدافه المحدودة أو ينهي الحرب لخوفه من الهزيمة الشاملة أو من التدخل المباشر
للقوى العظمى أو من الحل الذي قد يفرض عليه، ويحدث النمط الثاني من نفس العوامل أو
من الخوف المتبادل من توسع الحرب، وتفرض الدول العظمى حلولها في النمط الثالث إذا فشلت
الأطراف المحلية في إنهاء الحرب بطريقتها الخاصة، وذلك تجنبًا للمواجهة الشاملة بينها
أو تجنبًا لانتصار حليفها انتصارًا كاملًا، ومن هنا تتفق الدول العظمى على أن النتيجة
التي وصلت إليها الحرب هي أفضل ظرف لبدء المفاوضات بين الأطراف المحلية، ولا ننسى هنا
أن النجاح العسكري في ميدان القتال يترك تأثيره الواضح في مواقف التفاوض بين القوى
العظمى والأطراف المتصارعة.
حقيقتان:
نعود إلى مذكرة «أولسن» فنقول: إن النتيجة
الهامة جدًا فيها هي «أن الدور تلعبه الأطراف المحلية في تحريك الأحداث قد نما وتوسع
وأصبح مؤثرًا في مجريات الأمور عما كان عليه الحال من قبل» لكن هذا لا ينفي مطلقًا
حقيقتين أساسيتين:
الأولى: إنه مازال للدول الكبرى دورها
الفعال في المنطقة بالرغم مما تشير إليه المذكرة من محدودية هذا الدور.
الثانية: إن الارتباط بين الدول الكبرى
والقوى المحلية ارتباط قائم وقوي وإن اعتماد الثانية على الأولى في حمايتها أمر لا
شك فيه بالرغم مما يظهر على السطح من التصادم بينهما.
• الثمن الذي يجب علينا أن ندفعه
مقابل أننا جعلنا أماننا وأمان الإسلام في بلادنا بيد أعداء هذا الدين.
يجيب «أولسن» على ذلك قائلًا: «وهناك مشكلة
أخرى تتعلق بما إذا كان على الولايات المتحدة أن تستخدم القوة أولًا لحماية مصالحها،
والتوقيت الذي يجب أن تستخدم فيه هذه القوة وكم مقدار القوة التي يجب أن يستخدم؟ هناك
نوعان من القلق يتحكمان في أصدقائنا، أولهما أن تتخذ الولايات المتحدة بعض الإجراءات
من جانب واحد وبدون إنذار مما يأتي بنتائج عكسية عليهم، والثاني القلق من أن يتعرض
أصدقاؤنا لموقف يحتاجون فيه إلينا ثم لا يجدون منا التأييد، يحتاج الأمر هنا إلى أن
نطمئنهم وأن نعدهم بما من شأنه أن يخفف حدة هذا القلق ولكن بشرطين: الأول: ألا يتخذ
حليفنا من الإجراءات ما يتعارض مع مصالحنا -مع ملاحظة أن ضمان أمن إسرائيل هو الركن
الأساسي في السياسة الأميركية في الخليج- والثاني أن يمدنا الحليف بالتسهيلات الضرورية
في حالة الطوارئ حتى ندافع عن مصالح الولايات المتحدة في المنطقة».
•
أكلة القصعة
وكيف يتناولونها؟
1- الولايات المتحدة:
يقول «أولسن» أثناء عرضه للقيود والتناقضات
في السياسة الأميركية: هناك مشكلة أخرى تطرحها الحرب أيضًا وهي مشكلة الموازنة بين
المصالح المتصارعة، إن الولايات المتحدة لا تريد في هذه الحرب كاسبًا أو خاسرًا، قد
يكون من صالحها أن ينجح الطرفان في حل نزاعهما والتوصل إلى موقف لا يهدد استقرار المنطقة
أو الإمداد بالنفط، إنه قد يساعدنا كثيرًا أن تتجنب دول المنطقة إقامة علاقات مع السوفيات
حتى وإن كان ذلك لا يعني إقامة روابط محكمة مع الولايات المتحدة.. إن المشكلة تكمن
في أن الطرفين المتحاربين قد لا يذعنان للأفكار الأميركية، وهذا البلد -الولايات المتحدة-
يفتقر إلى الوسائل التي يتمكن بها من فض إرادته عليهما، وعلاوة على ذلك فإن الدولتين
المتحاربتين قد تستمران في القتال فيكون انهيار أحدهما مشكلة خطيرة بالنسبة لنا.
دعم العراق:
حينما كانت العراق على وشك الانهيار في
عام 1982 شعرت الولايات المتحدة أنه من الضروري عليها أن تتخذ الإجراءات التي من شأنها
أن تدعم موقف العراق، والعراق اليوم يقدم من الأدلة ما يبين أنه قادر على القيام بأعباء
الحرب، أما إيران فهي تبدو اليوم مهتزة، تضخم متفش وانخفاض في دخل النفط واضطراب في
السياسة الاقتصادية، وهناك دلائل عدة على عدم الرضا الشعبي عن النظام، وتدهور في صحة
الخميني (قبل وفاته بالطبع)، وصراع باد على السلطة. وليست قدرة إيران اليوم على الاستمرار
في الحرب كما يجب وليس من المحتمل أن تتحسن، وإذا كان لا يبدو على السطح أن تشن العراق
هجومًا مركزًا لهزيمة إيران فإن الوضع في إيران ذاتها يهدد بأزمة داخلية خطيرة وهذا
من شأنه أن يضع الولايات المتحدة في مشكلة.. هل يجب علينا أن نتخذ من الإجراءات ما
نساند به إيران؟ إنه «ميل جديد» قد يرحب الإيرانيون بهذا الميل لكن هذا لا يعني أن
تخاطر الولايات المتحدة بعلاقتها الجديدة مع العراق أو بأن تنظر إليها دول الخليج الأخرى
بنظرة غير ودية، إنها قد ترحب بهذا الميل إذا كان مرتبطًا بتسوية سلمية ومع ذلك فهناك
مخاطر قد تنجم عن سلوكنا لهذا المدخل إذ قد يرانا أصدقاؤنا بأننا سلكنا تصرفًا معيبًا
وأن هذا خيانة لهم.
«وهناك قضية أخرى، قد تجد أحداثًا
في المنطقة دون إنذار بحيث تعجز قدراتنا عن التعامل معها ذلك لأن مشاكل المنطقة متنوعة
ومتعددة، إنها ترتبط بشبكة من العلاقات عالية التعقيد ويخلق موقعها العديد من التوترات
الحقيقية والصراعات غير الظاهرة والعداءات المكبوتة التي يمكن أن تثور فجأة بصورة غير
متوقعة في شكل أزمة غير محسوب حسابها. هناك صراعات بين دول المنطقة وتنافسات بين جماعاتها
تجعل علاقاتها ديناميكية وغير مستقرة فترى الصراع والتوافق يحدثان فجأة ويختفيان فجأة
وهذا يؤدي إلى زيادة تعقيدات المنطقة بسبب احتمالات الأحداث غير المتوقعة، وهذا من
شأنه أن يصعب علينا عملية التخطيط لاستجابة أو رد فعل مناسب في سياستنا ومن ثم نجد
أنفسنا في شك وفوضى وفي حالة من اللافرار ولا نستطيع أن نعرف ماذا نفعل مما يوجب شد
الحذر».
2- «إسرائيل»:
هناك مشكلة أخرى، إنها مشكلة التوفيق بين
سياستنا في الخليج وعلاقتنا مع إسرائيل، كيف يمكن تكييف متطلبات إسرائيل بالشك العربي؟
على الرغم من أن الشرق الأوسط والخليج منطقتان مختلفتان فإن قضاياهما مشتركة، تدقق
إسرائيل في عملية التأييد الأميركي للعرب بالقوة العسكرية والعرب يدققون في اللامبالاة
الأميركية بالقضية الفلسطينية والتأييد الكامل من جانبنا لإسرائيل، وتبرز هذه المشكلة
حينما تجد الولايات المتحدة أن عليها أن تضع ميزانين عسكريين في اعتبارها أولهما للعرب
وإسرائيل والثاني للمصالح الأمنية لدول الخليج، إنهما قضيتان مرتبطتان متشابكتان بحيث
يصعب علينا أن نبتكر سياسة متماسكة فيهما، مثال ذلك أن نمو قوات انتشار عربية وتطور
قوات مسلحة لبعض دول الخليج من شأنه أن يحرك الصراعات مع إسرائيل ويؤثر على تصوراتنا
لسياستنا.
3- دور حلف شمال الأطلنطي واليابان:
«وهناك أيضًا مسألة علاقتنا بحلفائنا في دول شمال الأطلنطي
وارتباطها بسياستنا في الخليج. إن دول الحلف واليابان أكثر اعتمادًا على نفط الخليج
من الولايات المتحدة، ومع ذلك فإنهم قليلًا ما يتخذون من الإجراءات الدفاعية الفعالة
للدفاع عن مصالحهم، إنهم يتوقعون أن تتحمل الولايات المتحدة الجانب الأكبر من عبء الدفاع
عن المنطقة وهم مستاؤون من أن الولايات المتحدة لا تستثيرهم فيما تأخذه من خطوات تتعلق
بالمنطقة كما أظهروا عصبية تجاه هذه الخطوات التي اتخذتها الولايات المتحدة وكانوا
يرونها غير مناسبة، ويشعر الأوروبيون بأن جهدهم الدفاعي الأساسي كحلفاء يتركز في أوروبا،
وهذا اتجاه تشجعه الولايات المتحدة لأن منطقة الشرق الأوسط والخليج مازالت لديهما حساسية
خاصة للاستعمار الفرنسي والبريطاني، ومازالت هذه الحساسية للماضي سببًا يدعو إلى الحذر
حتى في الاعتماد على المساعدات الأميركية، إلا أن دول حلف الأطلنطي قد اتخذت من الخطوات
ما يعضد مصالح الحلفاء خارج أوروبا فقد طورت فرنسا وبريطانيا قوات انتشار سريع كما
ساهمتا بدوريات سفن تابعة لهما في المحيط الهندي وفي البحر الأحمر هذا بالإضافة إلى
جهودهما الدبلوماسية، ولا تعطي الاختلافات بيننا صورة سلبية للموقف ولكن طالما أن حلفاءنا
يعتمدون على نفط المنطقة بأكثر مما نعتمد عليه فإن عليهم أن يتحملوا العبء الناجم عن
ذلك.. إن القضية ليست قضية الاعتماد على النفط.. إنها قضية الحيوية الاقتصادية للعالم
الحر.. إن المصالح الذاتية للولايات المتحدة تدخل تمامًا تحت هذه القضية ومع ذلك فإن
مشكلتنا مع حلفائنا ستظل باقية».
4- الاتحاد السوفياتي:
«المشكلة الأخيرة التي تواجه السياسة الأميركية في المنطقة
هي تحديد أفضل الوسائل لمجابهة النفوذ السوفياتي فيها، ولقد اتخذت العديد من الإجراءات
التي تحول دون قيام علاقات عسكرية ثنائية بين الاتحاد السوفياتي ودول المنطقة. وكذلك
إمداد هذه الدول بالمساعدات الاقتصادية، وتطوير القيادة المركزية الموحدة، والواقع
مازال العامل السوفياتي له اعتباره في شؤون المنطقة بالرغم من جهود الولايات المتحدة
هذه.. إن مشكلتنا الأساسية بعيدة عن هذه المخاطر السوفياتية المحتملة لأن تركيزنا على
هذه المسألة أعمانا عن النظر بجدية إلى مشاكل المنطقة وإلى التعامل مع ديناميكياتها
السياسية التي تعمل بعيدة عن الحتميات الأميركية السوفياتية.
إن واجب قائد القوات المركزية الأميركية
أن يضع خطط الحرب وأن يطور عمليات الطوارئ إلا أن المشكلة تكمن في نظام التخطيط الشامل
القائم على مجموعة واضحة من أولويات الدفاع، والسؤال هنا أننا لو افترضنا أن الغزو
السوفياتي لإيران سيكون سببًا للحرب فهل يجب أن تكون إيران هي محور الارتكاز في الجهود
الأميركية؟ لقد اقترحت في مناسبات عديدة أن هذه ليست هي القضية وقلت إن توزيع القوات
والمعدات والموجودات الأميركية في الخليج للدفاع عن إيران مسألة خطيرة.. إن على الولايات
المتحدة -بدلًا من ذلك- أن تركز جهودها في التخطيط للاستجابة السريعة للطوارئ المحلية
التي تحدث في المنطقة وهي الأكثر احتمالًا مع تطوير قوات وفق سياسة ثابتة للتعامل مع
احتمالات الغزو السوفياتي، ومع ذلك فإن الأولويات تظل محل جدل لكن جدلنا حول هذه القضايا
لا يسير بحكمة أو على نحو طيب ولهذا فإننا نعمل في فراغ».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل