العنوان منبر المجتمع العدد (524)
الكاتب د. عبد الله عزام
تاريخ النشر الثلاثاء 14-أبريل-1981
مشاهدات 63
نشر في العدد 524
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 14-أبريل-1981
مأساة الفكر الغربي
إن المتتبع لكتابات الكتاب الغربيين وخاصة الكتاب الطليعيين أو رواد مسرح اللامعقول من الوجوديين، ليرى العجب العجاب من القلق من خلال أسطرهم التي تفح بالآلام وتعتصر بالأسى.
إن اليأس، القلق، الألم، الملل، العبث، التمرد، التمزق، المأساة، الشقاء، الصدمة.
هذه العبارات لا تكاد تخلو منها صفحة واحدة من صفحات هؤلاء الكتاب.
اقرأ إن شئت للكاتب الفرنسي (كامي) مسرحياته:
-«الرجل المتمرد»- ومسرحية «سوء التفاهم»- ومسرحية «حالة الحصار». يقول كامي (۱):
«ينبغي ألا نؤمن بشيء في هذا العالم سوى الخمر، إن صيحته هي: الموت للعالم، حطموا كل شيء، يجب أن نلغي كل شيء، الإلغاء والإطاحة هو إنجيلي».
ويقول آرثر ميللر الأمريكي (۲) في مسرحيته «بعد السقوط»: «إن أكثر الأماكن براءة في بلدي هو مصحة الأمراض العقلية، وكمال البراءة هو الجنون».
ويقول سلاكروا (۳) «الكاتب الفرنسي»: «إن الآلهة لا عمل لها إلا أن تعبث لحطام الإنسان».
واقرأ إن شئت كذلك مسرحیات جان بول سارتر الفرنسي:
«جلسة سرية- موتى بلا قبور- الأيدي القذرة- البغي الفاضلة- سجناء الطونا».
واقرأ من كتبه: «موتة الروح- سبل العقل- عصر الحرية- الذباب».
يقول يونسكو الفرنسي: «الواقع كابوس مؤلم لا يطاق»، وطالع كتابه «قاتل بلا أجر» (٤) والموت هو مشكلة المشكلات في نظر الكتاب الغربيين، فالموت يثير الرعب لأنه واقعة فظيعة في حد ذاتها، بل لأنه يجعل كل الحياة التي سبقته عبثًا وسخفًا كما يقول صموئيل بكت في كتابه «الأيام السعيدة».
فاليأس والعبث والألم والقلق هو عنوان الحياة الغربية.
يرى هيدجر: أن الحياة الحقة تكون في اليأس.
أما سارتر: فيرى أن الحياة الحقة تكون فيما وراء اليأس.
بل يقول سارتر: «الإنسان في صميمه قلق».
أما نيتشة -الفيلسوف الألماني- فيرى أن الإنسان بين التسليم والتمرد، فوجوده تمزق وسلب، وهو فريسة لعالم اللامعقول ولا يجد الخلاص إلا بالجنون الذي يخلصه من تعاسته الحاضرة، ويرى نيتشة أن اليأس والقلق شرطان دائمان للفطنة الإنسانية.
أما كير كجارد: رائد الفلسفة الوجودية فيقول: إن الوجود معناه أن نعاني اليأس والقلق حتمًا، إن من يختار اليأس يختار ذاته في قيمتها الأبدية، ولذا؛ نجده قد حاول الانتحار مرارًا، إن الوعي يظهر دائمًا في صورة القلق، وأما اليأس فهو الحد الذي يفضي إليه، لقد بقيت الكآبة القاتلة ملازمة لكير كجارد حتى الموت.
وهناك عنوان لأحد كتبه «الخوف والرعدة».
وعنوان لبحث له «اليأس، أو المرض حتى الموت» (٥).
هذه هي الملامح الرئيسة للعالم اليوم، التي تبرز واضحة مجسدة في معطيات كبار الكتاب والمفكرين والأدباء، فوضى تأخذ بخناق العالم تبعثر كل ما تبقى فيه من نظام، وتسعى إلى تمزيق بقايا خيوط العنكبوت من القيم الغربية، والإنسان اليوم يرى هذا الإعصار الفوضوي المأساوي يحيق بالإنسانية ويدمر كيانها ويسحق آدميتها، آلية طاغية عارمة حولت الإنسان إلى آلة وسحقت كل تجارب الروح والوجدان، وجماعية صماء قضت على كل مطمح بالتفرد والنبوغ والتفوق والإبداع واختلال رهيب بين كفتي المادة والروح.
وعزلة غريبة مضنية إزاء عالم أصم لا يستجيب لتوسلاته، وسقوط وتهافت في سائر النظم الوصفية السياسية والاجتماعية والعسكرية التي تمسك بزمام العالم اليوم، بالإضافة إلى الخوف العالمي من الدمار والحروب والقنابل الذرية (٦)، وميكافيلية تضحي في سبيل المصلحة بكل خلق وقيمة.
وكلمة أوسبورن (۷) الكاتب الإنجليزي في مسرحيته «المسافر»، هي خير تعبير عن حالة الإنسان الغربي:
«نحن موتى مكدودون، مضيعون، نحن سكيرون مجانين، نحن حمقى، نحن تافهون».
كل هذا نتيجة:
1- الفراغ الهائل بعد نبذ الدين نهائيًّا من الحياة.
2- العزلة عن الإسلام والمجتمع والحياة الفردية القاتلة.
3- فقد المثل الأعلى في الحياة والهدف من العيش.
(۱) انظر كتاب فوضى العالم في المسرح الغربي المعاصر- د- عماد الدين خليل- ص ۱۲۰- ۱۲۱.
(۲) فوضى العالم ص ۲۲.
(۳) فوضى العالم ص ١٥٥.
(1) فوضى العالم ص ١٣٥.
(5) انظر کتاب دراسات في الفلسفة المعاصرة- د- ذكريا إبراهيم- القاهرة سنة ۱۹٦٨ وكتاب المذاهب الوجودية لـ ريجيس جوليفيه- ترجمة فؤاد كامل.
(6) بتصرف عن كتاب فوضى العالم في المسرح الغربي المعاصر- ص ١٠٩.
(۷) فوضى العالم- عماد الدين خليل ص ٤٩، ولقد حضر مسرحية «انظر وراءك بغضب» ستة ملايين وسبعمائة وثلاثة وثلاثون ألف شخص.