العنوان معالم على الطريق.. فرح إيمان.. رغم السجن والسجان!
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 22-يوليو-1997
مشاهدات 54
نشر في العدد 1259
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 22-يوليو-1997
في فترات انحطاط الأمم، تنقلب الأحوال وتتبدل المعايير، فتصبح السجون مأوى للمصلحين، والعباد والمبدعين، بدل أن كانت مستقرًا للمفسدين والمنحرفين وقطاع الطرق!! وسجناء الرأي والفكر أصبحوا اليوم في كثير من بلدان العالم الثالث كثرة كاثرة، وجمهرة كبيرة، وعندنا في الشرق أصبحت السجون أكثر من المصانع وأكبر من أدوات الإنتاج، بل أصبحت قضايا الرأي والحريات تتوفق كثيرًا على قضايا الفساد والانحراف والمخدرات والعمالة، والقضايا الأمنية والسياسية أضحت مدار البحث والشغل الشاغل في الأمة وعلى أعلى المستويات، وليست قضايا التنمية أو التعليم، أو التخلف، وقد صار الهاجس الذي يسمى بالإرهاب تارة وبالتطرف تارة أخرى هو المشروع الحضاري للأمة الذي يظن القائمون عليه أنه هو المانع لقدر الحريات الزاحف، وحتمية البعث الناهض، وزخم الصحوة الصاعد، ولهذا ترى البعض يتصرف مع المصلحين بجنون منقطع النظير، وبهوس لا قبل لأحد به، وهو يذهل المراقبين، فإذا علمت أن نابليون المنتصر قد أقدم على سجن ستمائة من معارضيه إلى حين، فضجت الدنيا وترك المؤرخين من ورائه ستهولون هذا العدد الضخم، فماذا نحن قائلون لعهود لم نر فيها إلى الهزائم الحربية المتتالية، والإفلاسات الإصلاحية المتلاحقة، ويعتقل مئات الألوف وقتل مثلهم على قوارع الطريق؟ فمثلًا اعتقل عبد الناصر ثلاثين ألفًا في ليلة واحدة من شباب الأمة ورجالها العظام، ومثقفيها الأحرار، ثم توالت اعتقالاته حتى طفحت السجون وضاقت رغم تكدسها بالمؤمنين والدعاة إلى الله، والدكتاتور بقدر ما يصب بطغيانه على شعبه، يلقي بسخطه وجبروته على الأديان وأنصار الأديان، فطبيعي أن ينحسر سلطان الدين في ظل الطغاة، لأن الدين عدل، والطغاة ظلم، والدين رحمة، والطغاة قسوة، والدين صلة للأرض بالسماء، والطاغية صلته بالأبالسة وأرباب الفساد، والدين يعبد الناس لله، والطاغية يريد تعبيدهم لنفسه، والدين يملأ نفس المؤمن قوة وصمودًا، والطاغية يريده مرتعشًا منافقًا، ولهذا يتمتع الطاغية بإذلال أهل الفضل، ويتشفي بامتهان الأكرمين، ولقد كان عبد الناصر في 1954م وما بعدها إلى 1965م يريد بسجن العصبة المؤمنة وحل جماعتهم ومنع مرتباتهم ومصادرة تجارتهم وأموالهم، أن يسمع كلمة استعطاف من النخبة الأبية، أو يصغي إلى همسة توجع من العصبة الفتية، ولكنه رغم العذاب الذي صبه، والقتل الذي ولغ فيه، والأموال التي صادرها رجال قالوا ربنا الله، لم تنحن لهم رأس، أو تنخفض لهم هامة، أو تكتب له كلمة تأييد.
وعندما طلب عبد الناصر من سيد قطب- رحمة الله- أن يكتب طلبًا للعفو عنه، قال: «إن إصبع السبابة التي ترتفع بشاهدة أن لا إله إلا الله لا يمكن أن تكتب اعتذارًا لطاغية»، هذه النفس الأبية التي أراد الطاغية أن يستذلها وهي في محبسها وقد حكم عليها بالإعدام، ويساومها على الحياة فشمخت وتسامت ولم تعط الدنية، ما كانت وحدها في هذا الدرب وعلى هذا الطريق، بل كان معها من مات في محبسه تحت التعذيب أو قضى نحبه من علة، وما ضعف وما استكان وما وهن، مجددين عهد الأنبياء والصالحين، سائرين على آثارهم يهرعون، وصدق الله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران: 146-147)، وقد أدهشني ما رأيت بعيني رأسي، وسمعته أذناي من هذه الفئة المؤمنة التي انقلب سجنها خلوة، وزنازينها مساجد، وليلها تهجد، ونهارها ذكر وتلاوة للقرآن وحفظ لآياته، ورضيت بقضاء الله وقدره، وانشرح صدرها لما تلاقيه في سبيل الله، وصارت تعيش الحياة في سعادة، زادت الطغاة غيظًا وكيدًا، ولقد كانت الزنازين في السجون تحتضن الفتية بصعوبة بالغة، ولكنك تسمع الأهازيج التي توطن النفس بالرضا فتعجب، والأزجال التي تروح عن الكروب فتدهش:
محلاها والله الزنزانة
مزنوقة، ولكن سايعانة
والقعدة فيها عجبانة
وقلوبنا سعيدة وفرحانة
ما أحلاها والله الزنزانة
ويستمر الإنشاد، وتتردد الأهازيج حتى ليهيأ لك أن هؤلاء يجلسون في حقول غناء أو في فنادق الدرجة الأولى، وحين رأى الحاقدون والطغاة ذلك استشاطوا غضبًا وما رأوا الأخوة والتوافق جن جنونهم، وشرعوا في نفي هؤلاء وأولئك في الصحاري وفي أقسى الظروف والأماكن، وتم الترحيل من الليمان إلى الواحات في وسط الظروف الصعبة التي لا يطيقها إنسان، ولكن هذه القلوب المؤمنة استهانت بكل ذلك وترجمته صبرًا واحتسابًا وإيمانًا، وانطلق الركب يردد الأهازيج والأناشيد، ولقد زاد تأثري حدًا أمسكت قلبي من الخفقان حين قرأت تهنئة من أحد الأبطال لابنته إيمان في خطبتها على عريسها وقد تركها صغيرة، فمرت الأيام بعيدًا عنها وعن رعاية الأسرة، وتركها في رعاية الله، أرسل لها بطاقة تهنئة مع أحد من الناس يشاركها في عرسها نجتزئ منها تلك الأبيات:
زغردوا يا بنات سقفوا يا ولاد
دا فرح إيمان أحلى الأعياد
هاتو الشربات وأسقوا الأحباب
واعملوا زينات على وش الباب
دا البيت مليان يمن وإسعاد
زغردوا يا بنات سقفوا يا ولاد
أنا قلبي سعيد فرحان هيطير
ولو أني بعيد وغريب وأسير
وما بنا بحور وجبال وبلاد
زغردوا يا بنات سقفوا يا ولاد
حبيبة الروح مبروك يا إيمان
عقبال ما نروح في الدخلة كمان
وده طبعًا شيء بأوان ومعاد
زغردوا يا بنات سقفوا يا ولاد
أنا لي رجاء عندك يا إيمان
ألقاكي ف يوم حافظة القرآن
وتعيشي حياة إصلاح وجهاد
زغردوا يا بنات سقفوا يا ولاد
وبعد.. أقول لتلك النفس في سجنها وقد أرادت أن تسعد حتى من في الحرية! وما أراها لو منحت الحرية والفرصة في الإصلاح، إلا ومسعدة للجميع، فهل تمنح تلك الفرصة؟ نسأل الله ذلك.