; فلسطين.. هي التي ستحررنا | مجلة المجتمع

العنوان فلسطين.. هي التي ستحررنا

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 11-مايو-2002

مشاهدات 74

نشر في العدد 1500

نشر في الصفحة 47

السبت 11-مايو-2002

لا أظن أننا في تخاذلنا وتقاعسنا وضعفنا الآني نستطيع أن نحرر أنفسنا، فضلاً عن تحرير الأرض المقدسة التي بارك الله حولها وشرفها الله سبحانه بالمسجد الأقصى، وبإسراء الرسول ﷺ وباجتماع الانبياء والمرسلين فربوعها وعلى ثراها الطيب ولا أظن أن الله سبحانه يعطي نصره للضعفاء المهازيل أو يختار الجبناء المناكيد لحمل رسالاته وحماية مقدساته وطرد أعدائه من اليهود وهو القائل فيهم عند تمردهم الأول: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا﴾ (الإسراء: 5).

وإنما دائما وأبدأ تنفي البقع الطاهرة خبثها، وتطرد جرذانها، ثم لا تلبث أن تنادي رجالها وأبطالها، وتعانق عشاقها وأحبابها وفرسانها، تفك أسرهم وتحل قيدهم وتطلقهم من عقالهم، وتحررهم من عقدهم وأوضارهم، ولهذا فإن فلسطين هي التي ستحررنا وتبعث فينا روح الكفاح والجهاد والجلاد، كما حررتنا من تخاذلنا أمام الصليبيين قديماً، حينما استخذى المسلمون وتصاغروا أمام الجحافل الصليبية الغازية التي داهمت بلاد المسلمين وأزاحت أمراء الخنوع والعمالة وأبادت غثاء الحيوانية المتسلطة والفساد الذي أنشب أظفاره في الأمة وأحاط بأقطارها ودخل الصليبيون بيت المقدس وعاثوا فيه فساداً وأبادوا من أبادوا، وفعلوا الأفاعيل فإذا ببيت المقدس وفلسطين تنادي رجالها وترسل أشعتها وتبعث أريجها فيستنشقه كل مخلص ويعرفه كل مجاهد، وإذا بها تنادي في الأمة وتؤذن في الناس بالجهاد فتحيي الموات وتبعث الراقد وتوقظ النائم فتهب الجموع الغافية وتنتفض القلوب الساهية وتشعر السواعد الفتية فتجيب المنادي وتردد الأذان ويأتي الفلاح ويكون النصر، وتحيا الأمة من جديد، وترفرف أعلام الهداية على فلسطين ومسجدها الأقصى.

ثم تمضي فترة وفترة، وتتعرض الأمة مرة أخرى لنكسات أخرى بعد أن عادت أدراجها إلى الوراء والأيام دول، ويأتي الاجتياح المغولي اللعين الذي قضى على الخلافة واستباح الناس وقضى على الأخضر واليابس، وبني صروحاً من جماجم المسلمين وأشلائهم واحتل فلسطين والشام، وكادت شمس الإسلام تغرب، فإذا بفلسطين ترسل اشعتها، وتبعث بخطابها الحاني إلى كل مسلم، فإذا بالجموع تقول: لبيك فلسطين لبيك لبيك، فتحيي فيهم الرجاء، وتبعث فيهم الأمل وتثير فيهم النخوة، وتحررهم من التخاذل والخوف والتردد، وما هي إلا جولة في معركة وصولة في ميدان حتى فرح المؤمنون بنصر الله وولت جحافل الظلام والهمجية. وطلع بدر الهداية وسطعت شمس الرسالة وأشرقت الأرض بنور ربها، وكللت هامات الأمة بالنصر والسعادة، ونعمت بالأمن زمناً، إلى أن وهن الجسد مرة أخرى، وتبع الناس اذناب البقر واغبرت وجوههم بذل كتيب وأثقلت كواهلهم بخنوع رهيب وعم الناس ليل بهيم إذا أخرج أجدهم يده لم يكد يراها ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ (النور: 40) وجاء شذاذ الآفاق وتحركت الأفاعي اليهودية في ظلمات بعضها فوق بعض، واستولت على بقاع من فلسطين وزحفت بكلكلها على أخرى وأخرى كالوباء وكالحريق الذي لا يبقي ولا يذر، وعاش الناس الكوارث وعاينوا الأهوال الجسام على يد الصهاينة مرة أخرى.

فهل ستحررهم فلسطين كما فعلتها مرة ومرة ومرة نعم وأظن ذلك قد بدأ: 

بدأ التحرر من الدكتاتوريات التي أمانت الأمة وقطعت أنفاسها وأخذت بخناقها، وبترت ألسنتها وجعلتها دمى تحركها كيفما تحب وتشتهي، بدأت الأمة تتحرر من ذلك فأطلقت لحناجرها العقال، وثارت على البغي والخنوع والتخاذل والعبودية وفضحت العمالات. 

بدأت الأمة ترتفع إلى معالي الأمور وتتطلع إلى الغايات وتكره السفاسف وتضم الجهود وتنادي بالوئام وتراص الصفوف.

بدأت الأمة ترجع إلى عقيدتها وهويتها ومصدر قوتها، وتستلهم سير سلفها الصالح وتاريخها المضيء، وتنادي بالجهاد من جديد وتمارسه عملاً وفعلاً في معركة الشرف والفضيلة والرجولة شباباً وشيباً، نساء وفتيات وأطفالاً.

بدأت الأمة يتمايز فيها الخبيث من الطيب والجيد من الرديء، ويظهر معدنها اللامع وعودها الصلب، وعزمها الأصيل.. بدأت تستعيد عافيتها، وتنفض الغبار عنها وتنطلق بقواها المذخورة نحو أهدافها.

بدأت تعرف الطريق بعد أن ضلت دربها وتنكبت سبيلها وتاهت عن العدو فحسبته صديقاً، وعن الصديق فجعلته عدواً، واستنار لها الأفق واهتدت منها البصيرة، وانقشع عنها الظلام وانفلق لها الإصباح، وانبلج لها الفجر.

 بدأت الأمة السعي إلى ذروة سنام الإسلام وبدأ شبابها يبيع نفسه لله وينادي كما نادى سلفه عندما كان يحس ببرد الرمح في صدره فزت ورب الكعبة فزت ورب الكعبة، بل بدأت الفتيات الحسان يعشقن أن تقام أعراسهن في الجنة وأن يتحلين بالأحزمة الناسفة ليكن كأسماء ذات النطاقين أو كإمراه فرعون أو صاحبة الأخدود. 

- نعم بدأت فلسطين تحرر الأمة من الوهن والضعف والخذلان ولم لا وفيها ثالث المسجدين وأولى القبلتين وقلب الشرق النابض نعم وهي الموعودة بالنصر على اليهود التي ينطق فيها الشجر وتنادي على المسلم فيها الصخور الجلامد.

 أظن أن فلسطين هذه الأيام تبعث رسائلها ويؤذن مؤذنها بإحياء الأمة لتأخذ دورها وتنفض الغبار عن محياها، وعسى ذلك أن يكون قريباً.

الرابط المختصر :