; هل «الإسلام السياسي» هو الذي فشل أم خصومه؟ (5 من ٥) | مجلة المجتمع

العنوان هل «الإسلام السياسي» هو الذي فشل أم خصومه؟ (5 من ٥)

الكاتب راشد الغنوشي

تاريخ النشر السبت 13-يونيو-2009

مشاهدات 84

نشر في العدد 1856

نشر في الصفحة 63

السبت 13-يونيو-2009

من الدروس المستفادة من تجارب التطبيق الإسلامي في مستوى منهج التغيير والحكم: أهمية مبدأ التدرج ورفض الاستدراج إلى العنف إلا دفعًا لمحتل، وتركيز الجهد على إصلاح الإنسان ومؤسسات المجتمع –بدل التمركز حول الدولة– وهو من أهم مطالب الإسلام، وذلك في إطار الحرية القيمة الإسلامية الكبرى، والبوابة الرئيسة لكل إصلاح.. وخير من الانفراد بالحكم –ولو كان ذلك مقدورًا عليه انتخابيًا– المشاركة فيه ضمن جبهات تلتقي حول مشروع للتغيير والحكم، تبدو اليوم قدرات كل الأطراف عليه ضعيفة.

وإنه من قبيل التسرع الاستناد إلى تجربة فاشلة هنا أو هناك من تجارب التطبيق الإسلامي، للإعلان الاستعراضي بفشل الإسلام السياسي أو لإعلان وفاته، في تجاهل كامل العمق هذا المشروع المجتمعي وشموليته التي لا يمثل السياسي منها إلا بعدًا من أبعاده، وفي تجاهل –أيضًا– أن هذا المشروع هو المشروع الوحيد الجدير بأن يستعيد للأمة اعتزازها بذاتها وكرامة أهدرتها أنظمة منزوعة الإرادة لصالح القوى الأجنبية فتولى أصحاب هذا «الإسلام السياسي» –الذي لا يفتأ أعداؤه يعلنون وفاته ضيقًا به– الدفاع عنها بالأجساد العارية؛ في مواجهة أعتى ما أنتجته الحداثة من وسائل الدمار.. كما حدث في ملحمة غزة، بعد استسلام الجميع.

وهل غير «الإسلام السياسي» نهض اليوم للوقوف في وجه میزان قوى مختل بالكامل لصالح الاحتلال في فلسطين ولبنان والصومال، وذلك بعد أن استسلمت الدول المنطق الغطرسة الصهيونية الغربية؛ لتوقع اتفاقات الإذعان والخنوع؟

إنه المشروع ذاته الذي استنقذ ويستنقذ ملايين الشباب من ثقافة العولمة الهابطة ليعطيهم معنى وهدفًا لحياتهم... وهو ذاته الذي يحرك الشارع، ويمثل أقوى عامل ضغط على الحكام لمنعهم من الاستسلام.. وهو ذاته الذي يطور الفكر الإسلامي، ويصنع مجرى عاما من الاعتدال والقبول بالآخر ومنع أن يختطف التطرف الإسلام من خلال رد فعله على ظلم الحكام والقوى الدولية الداعمة لهم وللاحتلال.. وهو ذاته الذي يطور مشاريع خيرية، ومؤسسات تعليمية، ومشاريع اقتصادية، وفنونًا، وآدابًا كلها تعبر عن ثراء الإسلام وتنوعه، وقوة المجتمع المدني في التصور الإسلامي؛ بما يجعل «الإسلام السياسي» أكبر بكثير من أن يلخص في تجربة أو ممارسة سياسية هنا أو هناك.

إنه حركة أمة يشتد وعيها يوما بعد يوم بتخلفها وغلبة الأمم عليها، وبما قادتها إليه ضروب العلمنة والاستبداد من مذلة وهوان، وبما يتوافر عليه دينها من أبعاد حضارية، ومن طاقات للمقاومة كفيلة إذا أحسن استغلالها أن تفجر طاقات هائلة في كل مجالات الإبداع كما رأينا من إبداع شباب غزة العظام، وشباب «حزب الله»، وشباب المقاومة العراقية الذين وضعوا حدًا العربدة المادة وغطرسة السلاح، شاهدين لقوة الحق وغلبة الإنسان على الآلة، وانتصار الإيمان على الطغيان والكفران.

قد تفلت بعض الطاقة التي فجرتها الصحوة من التحكم تحت وقع رد الفعل على طغيان الحكام المدعومين بلا حد من مراكز السيطرة الغربية فتكون مؤذية للمشروع الإسلامي قبل غيره، كما حصل في الجزائر ومصر ونيويورك ومدريد ولندن ومناطق أخرى.

ولكن يبقى هذا «الإسلام السياسي» قائمًا يؤدي مهمته في بسط صلات التراحم والتماسك داخل الأمة، ومواصلة التصدي لأعدائها، حتى وإن اختلت موازين القوة لصالحهم بما يحفظ للأمة شيئًا من عزة الانتماء إليها، فضلًا عن دوره في تطوير مشاريع ومنظورات فكرية سياسية واقتصادية، وتطبيقات عملية من علوم وتقنيات وإنتاج واقتصاديات، وآليات الإدارة، الاختلاف والتعدد سلميًا داخل الإسلام وخارجه، وكل ذلك على أرضية الإسلام، وعلى شروطه، ولمصلحته.

فهل يعد كل ذلك فشلا للإسلام السياسي المجرد أعمال طائشة لم تمثل يوماً المجرى العام للحركة الإسلامية بقدر ما هي هوامش لا يخلو منها مجتمع، ويتحمل مسؤوليتها الاستبداد السياسي والاحتلال والقواعد الأجنبية في أرض الإسلام؟ وكل ذلك ليس مسؤولية الإسلام.

إن مستقبل حركات «الإسلام السياسي» مرتبط بالإسلام تتقدم بتقدمه، وتتراجع بتراجعه بصرف النظر عن تراجع ظرفي لهذه الحركة أو تلك لا تلبث أن تتلافاه.. والثابت أن مد الإسلام في حالة صعود كما وكيفا: بما يقطع أن نخبته حاكمة غير بعيد بإذن الله، والمسألة مسألة وقت....  ﴿... وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف:٢١)..

الرابط المختصر :