; المفكر الإسلامي د. محمد عمارة في تصريحات خاصة لـ«المجتمع»: رأس النظام المصـري سقط لكن «جراثيمه» ما زالت متغلغلة فـي مؤسسات المجتمع | مجلة المجتمع

العنوان المفكر الإسلامي د. محمد عمارة في تصريحات خاصة لـ«المجتمع»: رأس النظام المصـري سقط لكن «جراثيمه» ما زالت متغلغلة فـي مؤسسات المجتمع

الكاتب بدر محمد بدر

تاريخ النشر السبت 05-مارس-2011

مشاهدات 58

نشر في العدد 1942

نشر في الصفحة 42

السبت 05-مارس-2011

  • الثورة أظهرت العلماء أصحاب المواقف الشجاعة كما أظهرت بؤس القيادات المعيَّنة المفروضة على الجميع من أمن الدولة.
  • شنودة وجد نفسه محاصرًا بغضب الأقباط على تأييده لـ«مبارك» حتى اللحظة الأخيرة, والذين أقاموا قداس «التحرير» ليسوا من طائفته.
  • الإخوان المسلمون أكدوا في هذه الثورة التحامهم بالجماهير وتفضيلهم المصلحة الوطنية على الحزبية.
  • تصريحات د. القرضاوي في قناة «الجزيرة» أسهمت في نجاح الثورة وكادت تؤدي إلى فصله من مجمع البحوث الإسلامية.

أكد المفكر الإسلامي د. محمد عمارة أن إرادة الله كانت لها الكلمة الفصل في إنهاء حكم الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك»، وقال في تصريحات خاصة لـ «المجتمع»: إن «الإصلاح السياسي الداخلي في مصر هو المدخل الطبيعي لإعادة الروح والحياة للمنطقة العربية بأسرها، والانكماش الذي فرض على مصر منذ اتفاقية «كامب ديفيد» لابد أن تغيره هذه الروح الجديدة، ويعود العرب مرة أخرى إلى الفاعلية والحيوية، وبالتالي توضع المصالح الغربية في حجمها الطبيعي».

وأضاف: إن «هذا بدوره يخدم على المدى المتوسط والبعيد القضية الفلسطينية لأن تحجيم الصهاينة سيجبرهم على التفكير في إيجاد حل وسط للقضية الفلسطينية ولو مرحليا وبخاصة أنها لا تريد فتح جبهات جديدة تواجه فيها الشعوب الثائرة والمصرّة على التغيير».

وأشار إلى أن الثورة المصرية أظهرت جيلًا من الشباب اللجان الشعبية استطاع حمل السلاح، دفاعًا عن ماله وعرضه وكرامته. 

وعن نظام «مبارك» قال: «هو نظام برئت منه ذمة الله تعالى، فكان لابد أن يسقط، كما ورد في الحديث الذي أخرجه (الإمام أحمد في مسنده) عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من احتكر طعامًا أربعين ليلة فقد برئ من الله تعالى وبرئ الله منه، وأيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله تعالى».

وشدد «د. عمارة» على أن «مبارك الذي كانت كل مهمته إهدار ثروات البلاد، والتخويف من الإسلام ومطاردة الدعاة وحماية أمن الكيان الصهيوني، أتاه الله من حيث لم يحتسب، وقذف في أجهزة القمع التي كان يحتمي بها الرعب، فلم تنفعه في شيء».

يقظة الشباب

ورأى أن «الذي سقط هو رأس النظام، لكن جراثيم النظام ما زالت متغلغلة في مؤسسات المجتمع، وهذا يحتاج إلى يقظة الشباب مفجر الثورة في هذه الفترة الانتقالية الخطيرة، لأن عناصر فلول النظام يمكنها الالتفاف على مطالب الثورة أو عمل ثورة مضادة». 

وشدد أيضًا على أن الاحتجاجات الفئوية والإضرابات العمالية جاءت في التوقيت الخطأ، إذ هي مطالب فرعية، وتحقيق الإصلاح السياسي والدستوري هو الذي يلبي المطالب الفئوية، فالمطلوب استثمار الموقف الجيد للقوات المسلحة حتى نخرج من حالة دولة «الرجل المريض»، التي ما زالت هياكلها قائمة، ومن المستحيل أن نتطلع إلى نظام جديد بذات الوجوه الكريهة للنظام القديم ودعا دولة قطر إلى أن تأخذ بزمام المبادرة لتقديم المساعدات الاقتصادية لمصر، كخطوة تتبعها خطوات من بقية الدول الخليجية, وأضاف: «كما يتحتم علينا تحمّل أى أضرار اقتصادية، إذ تُعَدُّ تلك الآثار جزءًا من الثمن الطبيعي الذي يدفعه الوطن لتحقيق مكسبه الكبير المتمثل في إسقاط نظامه الاستبدادي أملًا في الانتقال إلى نظام ديمقراطي حقيقي».

وحول الضغوط الخارجية وتأثيراتها على الشأن المصري الداخلي، قال: «الذي يحدد المواقف الخارجية هو الواقع الداخلي، فعندما يفرض الشعب نظامًا ديمقراطيًا حرًا مثل تركيا، سـيـحـتـوي الكثير من المواقف والتحركات الخارجية، ومصر مثلت بثورتها إلهاما للشعوب العربية للضغط على أنظمتها كى تعيد النظر في التواجد العسكري الأمريكي على أراضيها، وكي تعيد النظر كذلك في الهيمنة الصهيونية، فضلًا عن إعادة النظر في إحياء الدور المصري في السودان والصومال ومنابع النيل». 

معلم أساسي

وأكد «د. عمارة» أن ثورة مصر أثبتت للشعب أنه من الممكن مواجهة «إرهاب الدولة»، معربًا عن اعتقاده بأن ما جرى سيحدث ثورة في العالم العربي.

واستبعد اندلاع صدامات في الشارع المصري أو أعمال عنف، مشيرًا إلى أن «حركات العنف تظهر في فترات الإحباط أما في فترات التغيير السلمي وتطلع الشعوب لاسترداد حريتها وكرامتها نجد تراجعًا لها، ويبدو أن أجهزة النظم القمعية في أوطاننا هى التي كانت تغذي وتنشئ حركات العنف، والدليل على ذلك ما حدث في أيام الحرب الباردة، إذ تورطت حكومات في تكوين الأحزاب الشيوعية لأخذ معونة «مكافحة الشيوعية»، وحتى يومنا هذا تقوم بعض الحكومات بتكوين ودعم جماعات تنتسب لـ«القاعدة» لتأخذ معونات «مكافحة الإرهاب»، أي أن العنف ورقة تلعب بها بعض الحكومات والأنظمة لتثبيت مراكزها وللحصول على المعونات».

وطالب بضرورة إحياء النقابات المهنية والعمالية، إذ هي «معلم أساسي» لابد أن تنجزه هذه الثورة، وخصوصا مع وجود الأحزاب الورقية، فالبديل هو هذه النقابات التي تشد وتجذب الناس بمختلف أطيافهم وتوجهاتهم السياسية، والحقيقة أن «مبارك» استطاع فك مفاصل المجتمع بتدميره النقابات». 

الأزهر والكنيسة

وعن تفسيره لمواقف المؤسسات الدينية الموالية لنظام «مبارك» حتى آخر لحظة، قال: «مشكلة الأزهر معقدة، فكل قياداته الحالية معيَّنة من قبل جهاز مباحث أمن الدولة، حامي حمى النظام السابق، لكن على المستوى العام غير الرسمي، توجد عناصر في الظل لابد أن يكشف عنها لإيجاد البدائل، فضلًا عن أن الثورة أظهرت العلماء والشيوخ أصحاب المواقف الشجاعة، كما أظهرت بؤس القيادات المعيَّنة المفروضة على الجميع».

وتابع: «من الأزهر خرجت «ثورة ۱۹۱۹» كما خرجت منه الثورة على الحملة الفرنسية، حتى العميان من شيوخ الأزهر شاركوا في الثورة على «نابليون بونابرت»، وقتل منهم ۱۳ شخصًا, والمشايخ أفتوا بكفر الخديوي «توفيق»، وأتى رجال «توفيق» بالشيخ «العدوي» وقالوا له: إنك قد أفتيت بخلع الخديوي وكفره فقال لهم: «أنا لم أوقع على الفتوى ائتوني بها لأوقع عليها».

وأضاف: أما «شنودة» فقد وجد نفسه محاصرًا بغضب الأقباط على تأييده لـ«مبارك» حتى اللحظة الأخيرة، بل وصل به الأمر إلى الضغط على الكهنة للمشاركة في مظاهرة تأييد للرئيس السابق بميدان مصطفى محمود بالمهندسين، وبالفعل هتف القسس الأرثوذكس له، أما القداس الذي تم في ميدان التحرير فهو قداس إنجيلي وليس «أرثوذكسي».

تغيير جذري

وشدد «د. عمارة» على أن كل ما يخشاه الآن هو «أن يلوث المنافقون في مصر هذا الحدث الجلل»، داعيا إلى الحذر منهم «فسورة الكافرون» جاءت في ثلاثة أسطر، أما سورة «المنافقون» فقد جاءت في ١٨ سطرًا، وهم المقدمون في العذاب على المشركين: ﴿لِّيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ (الأحزاب: ۷۳), فلابد من تنقية الساحة السياسية من هذه الجراثيم، وهذا يحتاج إلى وقت طويل».

وثمن تصرف الإخوان المسلمين في هذه الثورة، مؤكدًا «التحامهم بالجماهير وتفضيلهم المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية، مما زاد من رصيدهم في الشارع المصري».

وعن سبب عدم ظهوره في ميدان التحرير قال: «ألحوا عليّ كثيرًا كى أنزل، وأخطب في الجماهير المحتشدة بالملايين في الميدان، لكنني أبَيْتُ كي لا أخطف الضوء من الشباب، وكى لا أعطي صبغة إسلامية للثورة، تستخدم فيما بعد فزاعة للداخل والخارج, وكنت حريصًا على أن أشارك في نصرة الثورة من خلال الفضائيات، والذين ألحوا عليَّ ألحوا على الشيخ د. يوسف القرضاوي مقترحين عليه أن يخطب في «جمعة الرحيل»، وكان المتوقع أن يتم حجزه في المطار، فاتصلت به ونصحته ألا ينزل مصر في هذا التوقيت، وليس سرًا أنه بعد تصريحاته المنتقدة لموقف شيخ الأزهر في قناة «الجزيرة» التي أحسب أنها مشاركة في نجاح الثورة أراد القوم فصله من مجمع البحوث الإسلامية، لكن الله دحض مكرهم. 

وختم «عمارة» تصريحاته لـ«المجتمع» بالدعوة إلى تغيير جذري في النظام «بأن يكون نظام الحكم في مصر برلمانيًا لا رئاسيًا؛ لأن فكرة الفرعونية وتركيز السلطة في يد شخص تولد الاستبداد». 

الرابط المختصر :