; هل من رشيد وسط هذه الفتن؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل من رشيد وسط هذه الفتن؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 25-ديسمبر-2010

مشاهدات 57

نشر في العدد 1932

نشر في الصفحة 43

السبت 25-ديسمبر-2010

dar_elbhoth@hotmail.com

هل من رشيد وسط هذه الفتن؟

قد يلتفت المسلم اليوم إلى ما حوله فيجد الأجواء قد لبدت بالفتن والأهواء ولوثت بالظلم والطغيان، حتى ليكاد الإنسان من كثرة الظلمات والمصائب إذا أخرج يده لم يكد يراها ، ونحن نعرف أن المنجي من ذلك كله هو الإيمان والعزيمة القوية، ولكن أنا لنا بهما وهما محاربان ومطاردان، ومستباح حرماتهما ممن ينتسبون إلى ملته، ويدعون أنهم حماته ورعاته. فهل يصدقون أو ينصرون؟

هبني مدحتك بين الناس قاطبة       حتى جعلتك بين الناس عملاقا

هبني زعمتك قديسا تباركنا            وقلت: إنك خير الناس أخلاقا

من ذا يصدقني بين الألى عرفوا        عنك الخداع وسفاحا وأفاقا؟

والمؤمن والمسلم عنده مقاييس إيمانية وموازين عقيدة لا يضل بها أو يشقى، أو ينحرف عنها أو يعشى، وأما إذا مال عنها أو انجرف ناداه إيمانه وقومته تعاليمه، يروي الإمام مسلم والإمام أحمد عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:«تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تعود القلوب على قلبين قلب أسود مربادا كالكوز مجخيا، لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرًا، إلا ما أشرب من هواه، وقلب أبيض فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض» 

يقول الشيخ ابن قيم الجوزية فشبه عرض الفتن على القلوب شيئا فشيئا كعرض عيدان الحصير، وهي طاقاتها شيئا فشيئا وقسم القلوب عند عرضها عليها إلى قسمين: قلب إذا عرضت عليه فتنة أشربها، كما يشرب الإسفنج الماء فتنكت فيه نكتة سوداء، فلا يزال يشرب كل فتنة تعرض عليه حتى يسود وينتكس، وهو معنى قوله: «كالكوز مجخيا» أي مكبوبا منكوسا ، فإذا اسود وانتكس عرض له من هاتين الآفتين مرضان خطران مترامیان به إلى الهلاك، أحدهما: اشتباه المعروف عليه بالمنكر، فلا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا وربما استحكم عليه هذا المرض حتى يعتقد المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والسنة بدعة والبدعة سنة، والحق باطلا والباطل حقا الثاني: تحكيمه هواه على ما جاء به الرسول وانقياده للهوى واتباعه له.

وقلب أبيض قد أشرق فيه نور الإيمان وأزهر فيه مصباحه، فإذا عرضت عليه الفتنة أنكرها وردها، فازداد نوره وإشراقه وقوته.

والفتن التي تعرض على القلوب هي أسباب مرضها، وهي فتن الشهوات وفتن الشبهات فإن الغي والضلال، فتن المعاصي والبدع فتن الظلم والجهل. فالأولى: توجب فساد القصد والإرادة، والثانية توجب فساد العلم والاعتقاد.

هذا، والفتن في اللغة جمع فتنة وجماع معاني الفتنة، والابتلاء ، والامتحان والاختبار مأخوذ من قولك فتنة الفضة والذهب إذا أذبتهما بالنار ليمتاز الخبيث من الجيد، وقد لخص ابن الأعرابي أبي معاذ الفتنة بقوله: الفتنة الاختبار والفتنة المحنة، والفتنة المال والفتنة الأولاد، والفتنة الكفر، والفتنة اختلاف بالآراء، وهذا كله جعل الإسلام للمسلم وقاية من شره، ودلالة على خيره ونفعه.

هذا، وقد أصبحت الفتن اليوم علوم تدرس عند الأعداء؛ لكيد خصومهم وتمزيق كلمتهم وتفريق صفهم، وأضحت في المجتمع المسلم اليوم يؤتي أكلها بفعل أعدائها خاصة والجسد المسلم ليست عنده مناعة، ولا خبرة بما هم مقدمون عليه من مكائد تشيب لها الولدان، هذا وقد قرأت في ذلك قصة عربية من التراث تبين أثر الفتنة وقوتها في الإفساد تقول القصة.

كان هناك رجل يعمل بالتجارة وله بين الناس مقام بجداره، أراد في يوم من الأيام شراء عبد يخدمه ويرعى الأغنام، فذهب إلى السوق بروية وتفحص الغلمان بنظرات قوية، فوجد من بين العبيد من كان قوي البنية وجسمه كالحديد، فسأل النخاس وقال: بكم هذا يابن الناس؟ فرد وقال: بسعر زهيد؛ لأن فيه عيبا والعيب فيه أكيد، فسأله عن عيبه فجاوبه: إنه نمام والنميمة خيبة فلم يبال الرجل وقرر الشراء وبالحال ارتجل ودفع النقود وأخذ الغلام وجعله لراحلته يقود، وذهب به إلى بيته وأمره بالحال ليبدأ في عمله، وفرحت الزوجة وما أجمل الهدية من زوج لزوجه.

وبعد مرور أيام من قدوم العبد إلى الدار تقرب وسأل زوجة أكبر التجار وقال: هل تريدين امتلاك قلب زوجك؟ فقالت: نعم فقال: سأخبرك بوصفة ستجعله يحبك ويبقى طول حياته قربك، فقالت: أنجدني بها، فقال: خذي سكينا واقطعي خصلة من لحيته وهو نائم وسلميها لي أعمل لك بها عملا، فعمل السحر بشعر اللحية أقوى أنواع السحر، فوافقت المرأة وذهبت بالحال وهي تقول: متى يعود سيد الرجال؟ وأول ما رجع التاجر إلى بيته استقبله عبده وقبل يداه وقال: سيدي عندي لك سر خطير، ولا أدري ألي الأمان أم أنه لا يجار المستجير، فقال التاجر: أفصح ولك الأمان، فقال: سيدي امرأتك تريد قتلك ورأيتها تسن سكينا لقطع رأسك، وأقسم العبد على قوله وقال: اذهب وتظاهر بأنك نائم وسترى أنني صادق.

فذهب التاجر وتظاهر بالنوم وإذا بزوجته تأتي ممسكة بسكين ومدتها لعنقه لتأخذ من لحيته. وفي هذه اللحظة فتح التاجر عينيه وأمسك بالمرأة وقتلها بيديه، وعندما تأكد العبد من أن الرجل قتل زوجته ذهب لأهل المرأة المقتولة وقال : أنقذوني أنقذوني. سيدي قتل سيدتي ويريد قتلي، وتركهم وذهب إلى أهل التاجر وقال: اسمعوني وقوموا معي لننصر سيدي؛ لأن زوجته أرادت قتله وقتلها وقام أهلها لقتله، فقامت الفتنة ودارت الحرب بين عائلتين لا ذنب لهما بما حدث سوى أنهم اشتروا ذلك العبد وأدخلوه دارهم. 

وهذا عمل لعبد لئيم. فما بالنا اليوم نسمع لمن نتخذهم نصاحا ومستشارين؟! وهذا يرمز أيضا اليوم إلى صداقاتنا اليوم الأعداء الله ليفتنونا ويوقعوا بيننا العداوة والبغضاء، وصدق الله﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ ﴾(سورة التوبة: أيه رقم47)

نسأل الله السلامة آمين. آمين.

الرابط المختصر :