العنوان أسعار النفط والموازنة وتعديل الدستور تتصدر المشهد العام للجزائر
الكاتب عبدالعالي زواغي
تاريخ النشر الاثنين 01-فبراير-2016
مشاهدات 101
نشر في العدد 2092
نشر في الصفحة 42
الاثنين 01-فبراير-2016
تشهد الجزائر منذ بداية العام الحالي هيمنة ثلاث قضايا جوهرية أضحت تحدد المشهد العام، وتجلب إليها الكثير من السجال والنقاشات الحادة، سواء في الإعلام الحكومي أو الخاص، أو من خلال نشاطات الطبقة السياسية بمختلف أطيافها وانتماءاتها، وحتى على المستوى الشعبي الذي بات مشغولاً بما يثار ويجري حوله، لارتباط كل هذه القضايا بمصير البلد وارتداداتها المباشرة على الحياة العامة.
وهذه القضايا الثلاث هي: انهيار أسعار النفط، وقانون الموازنة الجديد، وتعديل الدستور.
مأزق أسعار النفط
يُعد الاقتصاد الجزائري اقتصاداً ريعياً، يعتاش على تجارة المحروقات من نفط وغاز، حيث تمثل هذه التجارة ما نسبته 97% من إجمالي صادرات الجزائر؛ لذلك فالملف صاحب الأولوية والأكثر حساسية بالنسبة للجزائريين هو الملف الاقتصادي والقدرة المالية للبلاد؛ لأن جميع الملفات الأخرى بما فيها الإصلاحات الاجتماعية والسياسية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بعائدات المحروقات، لذلك فقد أثار انهيار أسعار النفط في الأسواق العالمية، وتجاوزه عتبة 30 دولاراً للبرميل انخفاضاً، استنفاراً حكومياً وشعبياً في الجزائر، على اعتبار أن الموازنة العامة التي تعتمدها الحكومة الجزائرية مبنية على متوسط سعر للنفط يبلغ 45 دولاراً للبرميل، وبمتوسط سعر مرجعي يبلغ 37 دولاراً للبرميل، وهو ما يؤدي حتماً لاختلال كبير في الموازنة والنفقات العامة، ويفرز وضعاً مقلقاً ينعكس مباشرة على المجتمع الجزائري وقدرته الشرائية وأنماط حياته.
فقد بدأ أول هذه الانعكاسات بإعلان الحكومة تطبيق سياسة التقشف وتقليص وارداتها من بعض السلع الكمالية، ودعوتها الشعب لفهم الإجراءات والزيادات الجديدة في الأسعار، بعد أن تهاوى سعر صرف الدينار الجزائري مقابل الدولار، الذي فقد أكثر من 21% من قيمته الاسمية خلال سنة واحدة فقط؛ ما أدى بالرئيس الجزائري إلى دعوة الحكومة لقول الحقيقة للجزائريين وإعلامهم بالوضع الاقتصادي الجديد، والتحديات التي باتت مفروضة على البلاد حكومة وشعباً، وأهمها تآكل احتياطيات الصرف، وعجز الميزان التجاري الذي قد يصل مستواه إلى 14 مليار دولار، نتيجة تقلص عائدات الصادرات وعدم قدرتها على تغطية فاتورة الواردات المرتفعة.
كل هذه الأسباب عجلت بفرض ما يسميه الجزائريون «شد الأحزمة»، أو سياسة التقشف تزامناً مع دخول العام الجديد، الذي عرف زيادة ملحوظة في مختلف أنواع الضرائب، وارتفاعاً محسوساً في الأسعار، من خلال تطبيق زيادات جديدة مست مواد أساسية ومدعمة يكثر الطلب عليها، وأهمها الوقود والكهرباء، إضافة إلى مواد أخرى قد تمسها نفس الزيادات، إذا لم تنتعش أسعار النفط على المدى القريب، وهي الزيادات التي فسرها وزير المالية عبدالرحمن بن خالفة، على أنها إجراءات تهدف لتقريب سعر الاستهلاك من تكلفة الإنتاج، كما أرجع ارتفاع الضرائب إلى مسعى الحكومة للمحافظة على وتيرة النمو الاقتصادي رغم تدهور سعر النفط، من خلال رفع المداخيل خارج المحروقات بتوسيع الوعاء الضريبي، دون المساس بالضغط الجبائي برفع الرسوم.
قانون موازنة مثير للجدل
بالتزامن مع انهيار أسعار البترول ودخول العام الجديد، كانت الحكومة الجزائرية قد أعدت قانون موازنة جديداً ومثيراً للجدل، يشتمل على عدد من الإجراءات والبنود التي شكلت تغييراً عميقاً في الكثير من القضايا الجوهرية والحساسة، على غرار ملف الخصخصة والاستثمار الأجنبي، التي رأت الحكومة أنها ضرورية لمواكبة الإيقاع الجديد الذي فرضته الظروف الاقتصادية العالمية والسياسات المنفتحة على تنويع مصادر الدخل، في حين لم ترحب المعارضة بهذا القانون الذي رأت أنه يضيق على الجزائريين معيشتهم، ويمهد لبيع البلاد؛ لما تضمنته بعض المواد التي اشتمل عليها، ودعت إلى مراجعته وإعادة الأمور إلى نصابها، وهو ما يرجحه نواب هذه الأحزاب من خلال رفض الموافقة على تمرير قانون المالية الجديد في جلسة المصادقة عليه في البرلمان، واعتبروا أن القانون يشرع لافتراس وخنق المواطن الجزائري، ويعمق الأزمة الحالية ويضعف القدرة الشرائية للشعب والمواطن البسيط.
إجمالاً؛ فإن مبعث القلق الذي يساور المعارضة الجزائرية بشأن قانون المالية الجديد لسنة 2016م، ينطلق من كونه يتضمن الكثير من الأخطار، خصوصاً فيما يتعلق بثلاث مواد أساسية منه، هي المواد (53) و(66) و(71)، حيث تنص المادة (53) على التنازل عن العقار السياحي للقطاع الخاص الذين يستغلونه حالياً، وهي لا تميز بين المستثمر المحلي والأجنبي، وكل الخوف أن تشمل هذه المادة مستقبلاً قطاعي الفلاحة والصناعة؛ مما يعني تخلي الدولة عن ملكيتها لصالح الخواص.
أما المادة (66) فتشير إلى إمكانية تخلي الدولة عن المؤسسات العمومية واحتفاظها بحق 43% من الأسهم فقط؛ ما يعني بيع المؤسسات الكبرى التي هي ملك للدولة الجزائرية لرجال المال والأعمال المحليين والأجانب، وهو تحول عميق يخالف ما كان معمولاً به سابقاً من خلال قاعدة «49/51» أو ما يسمى «حق الشفعة».
أما المادة (71) فتنص على منح صلاحيات مطلقة لوزير المالية لتحويل الميزانية من قطاع لآخر دون العودة إلى المؤسسات التشريعية بالبلاد (البرلمان).
ورغم كل هذه المخاوف التي ما زالت تعتري المعارضة، فإن وزير المالية عبدالرحمن بن خالفة دافع بشراسة عن قانون الموازنة الجديد عندما تمت المصادقة عليه تحت قبة البرلمان الجزائري، رغم اعترافه لاحقاً بصعوبة الوضعية التي أفرزها انهيار أسعار النفط، وتأثير ذلك على موازنة الدولة، وهو ما أدى بالحكومة، حسبه، إلى تبني تسيير مزدوج براجماتي، ويقظة على الثروات والاستثمارات بنظرة استباقية.
أما وزير الصناعة عبدالسلام بوشوارب، الذي يعتبر من الوزراء الأكثر نفوذاً في الحكومة، فأكد أن القانون تضمن تدابير لتقوية الاقتصاد الوطني، وتحسين مناخ الاستثمار، وكذا تحفيز المؤسسات الصناعية الناشئة على غرار مؤسسات تجميع السيارات، نافياً وجود أي تخفيض في الدعم الذي توفره الدولة في مجال التعليم والصحة، أو الدعم المباشر الذي يمثل 10% من الناتج الداخلي الخام، كما نفى ما قالته المعارضة بشأن بيع البلاد والمؤسسات الكبيرة كشركة النفط والغاز الحكومية (سونطراك)، واعتبرها تضليلاً للرأي العام، على اعتبار أن قراراً إستراتيجياً - كقرار بيع هذه المؤسسة - لا يملك صلاحية اتخاذه سوى رئيس الجمهورية ووفقاً لما تمليه المادة (17) من الدستور.
تعديل الدستور.. بين القبول والرفض
توجت الوعود التي أطلقها الرئيس «عبدالعزيز بوتفليقة»، قبل خمس سنوات، فيما يخص تعديلات دستورية تجعل من الدستور الحالي دستوراً توافقياً يؤسس لديمقراطية هادئة ويضمن الحقوق والحريات؛ بالإعلان عن المسودة النهائية لمشروع التعديل مع بداية العام الجديد أيضاً، حيث تمت إحالته من طرف رئاسة الجمهورية على الأحزاب السياسية والمجتمع المدني ووسائل الإعلام للمناقشة والإثراء، ولم يدم الرد طويلاً من طرف النسيج السياسي، وإن كانت أطيافه منقسمة في نظرتها لمضمون الدستور الجديد، فعلت أصوات بالمباركة والتزكية لما جاء فيه من نصوص، خصوصاً من طرف الأحزاب المشاركة في السلطة أو ما تسمى أحزاب الموالاة، التي اعتبرت أن الدستور الجديد من شأنه أن يرتقي بالديمقراطية في الجزائر، وينعكس إيجابياً على التماسك الاجتماعي والوحدة الوطنية في ظرف تحتاج فيه البلاد إلى تدعيم اللحمة الوطنية، حيث يرى حزب التجمع الوطني الديمقراطي، من خلال تصريحات مسؤوليه أن مواد المشروع التمهيدي لتعديل الدستور تجاوبت مع كل ما يجري في الساحة الجزائرية، وأسقطت كل الحجج التي تتذرع بها أحزاب المعارضة؛ لأن الوثيقة حققت تقدماً ملحوظاً في مجال إرساء الديمقراطية.
أما جبهة التحرير الوطني، ومن خلال أمينها العام عمار سعداني، فرأت أن الدستور عزز مهام السلطات القانونية والتشريعية واستقلالية القضاء، وأن الرئيس نقل بعض الصلاحيات إلى الحكومة والبرلمان، ولذلك فإن الدستور الجديد وضع نظاماً شبه رئاسي، مشيراً إلى أن النص الجديد من التدابير تصب في صالح المعارضة.
كما باركت المؤسسة العسكرية التعديل الدستوري، واعتبره نائب وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح بمثابة اللبنة القوية في بناء المسار الديمقراطي في البلاد، والرؤية الصائبة الرامية إلى تثبيت مقومات الوحدة الوطنية.
وعلى النقيض؛ فقد توجست أحزاب المعارضة من مشروع تعديل الدستور، واعتبرته دستوراً غير توافقي، ومنها حركة مجتمع السلم التي أبدت رفضها للمشروع وتوعدت بمقاومته على مستوى البرلمان، مبررة ذلك بأن ما جاء فيه من مقترحات تؤكد أنه دستور غير توافقي، وغير إصلاحي، ولا يعبر إلا عن توجهات رئيس الجمهورية ومن حوله، ولا علاقة له على الإطلاق بما اقترحته الطبقة السياسية بما فيها أحزاب الموالاة، سواء الاقتراحات الكتابية التي قدمت للجنة عبدالقادر بن صالح، أو الاقتراحات التي عبرت عنها عبر وسائل الإعلام، لا سيما ما يتعلق بالنقطتين الأساسيتين الفاصلتين في التوجهات العامة المرتبطة بطبيعة النظام السياسي، ومقترح الطبقة السياسية المتعلق باللجنة الوطنية المستقلة لتنظيم الانتخابات.
في حين رأت زعيمة حزب العمال لويزة حنون، في تصريحات إعلامية بأنه لا طائل من النقاش؛ لأن الجميع وضع أمام الأمر الواقع، أما حزب الزعيم التاريخي الراحل حسين آيت أحمد (جبهة القوى الاشتراكية)؛ فقد اعتبر سكرتيره الأو، محمد نبو أن تعديل الدستور لم يأتِ بأي إجابة للأسباب الحقيقية للأزمة التي تعيشها البلاد والتي لا تعالج بنص قانوني وضع في نفس الظروف التي تسببت في ظهورها.
أما رئيس حزب العدالة والتنمية الشيخ عبدالله جاب الله، فقد عدّ 127 خللاً في مشروع الدستور الجديد، منها أنه أحدث قطيعة مع تاريخ الجزائر في دينها ولغتها، وركز كل الصلاحيات في يد الرئيس وأهمل إهمالاً كلياً جميع أنواع الرقابة على عمل السلطة.